الفقه                                     الشيخ : محمد رضا الدكسن

  لازال الكلام مستمراً فيما يحرم التكسب به وحيث إن هذه المواضيع تحتاج لتذكير النفس بما لها وما عليها . لاشك أن النفس إذا ما أيقظها وردعها رادع التزمت بالجادة الصحيحة والمحجة البيضاء ... فقد ورد عن عليٍّ (ع) جهاد النفس مهر الجنّة وقال (ع) جهاد الهوى ثمن الجنّة . وبما إننا بصدد ما يحرم التكسب به لابد من يقظة النفس فلا ينبغي للعاقل أن لا يخلو في كل حال من طاعة ربّه ومجاهدة نفسه كما ورد في الروايات المستفيضة عن أئمة أهل البيت (ع)..

 عن الإمام الباقر (ع) ((فمرّةً يقيم أودها ويخالف هواها في محبة الله ومرةً تصرعه نفسه فيتبّع هواها فينعشه الله فينتعش ويقيل الله عثرته فيتذكر)). وكما قدمنا إن كل هذا يترتب عليه ثمرة عظيمة تتجلى بقهر النفس عند ذاك ننهض بالمجتمع فتقلُّ أخطاؤه ويطيب كسبه هذا أمير المؤمنين (ع) يقول (جاهد شهوتك وغالب غضبك وخالف سوء عادتك تزك نفسك ويكتمل عقلك وتستكمل ثواب ربك) . إذن في هذا العدد سأتعرض إلى جملة من المسائل معتمدا توضيحها لكن لي بعد أن نستعرض الروايات العظيمة التي وردت بالمقام .
التكسب وطلب الرزق
تعتبر من المستحبات المؤكدة فعن النبي (ص) انه قال (العبادة سبعون جزءاَ أفضلها طلب الحلال ). وعن الإمام الباقر (ع) انه قال ( من طلب الدنيا استعفافا عن الناس وسعيا على أهله وتعطفا على جاره لقيّ الله عز وجل يوم القيامة ووجهه مثل القمر ليلة البدر ) وعن الإمام الكاظم (ع) انه قال ( من طلب هذا الرزق من حله ليعود به على نفسه وعياله كان كالمجاهد في سبيل الله ). والأخبار في ذلك كثيرة لا يسع المقام استقصاءها لكن يجب التحفظ من وجوه الحرام والحذر منها فعن النبي9 انه خطب في حجة الوداع فقال( إلا أن الروح الأمين نفث في روعي انه لا تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ولا يحملنكم استبطاء شيء من الرزق أن تطلبوه بمعصية الله فأن الله تبارك وتعالى قسم الأرزاق بين خلقه حلالاَ ولم يقسمها حراما فمن اتقى الله وصبر أتاه الله برزقه من حله ومن هتك حجاب الستر وعجل فأخذه من غير حله قص به من رزقه الحلال وحوسب عليه يوم القيامة .

التحفظ من الحرام

ولا يتيسر التحفظ من الحرام في المكاسب وغيرها إلا بالتفقه في الدين وتعلم أحكام الشرع المبين فعلى المؤمنين اعزهم الله تعالى شدة الاهتمام بذلك وعدم التساهل والتسامح فيه لتحفظ حدود الله تعالى وتقام أحكامه وتطيب المكاسب وتهنأ. فعن الأصبغ بن نباته انه قال : سمعت أمير المؤمنين علي (ع) يقول على المنبر يا معشر التجار الفقه ثم المتجر، الفقه ثم المتجر، الفقه ثم المتجر, والله للربا في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل على الصفا شوبوا إيمانكم بالصدق التاجر فاجر والفاجر في النار إلا من اخذ الحق وأعطى الحق ) وعنه (ع)(من اخذ بغير ارتطم في الربا ثم ارتطم) ومن المؤسف أن ما نرى اليوم كثيرا من المتدينين يوقع المعاملة ثم يسأل عن حكمها وإذا به قد تورط في مشكلة شرعية يصعب حلها والتخلص من تبعتها وكان بوسعه أن يتجنب ذلك بالسؤال قبل العمل والتفقه قبل التورط فهل بعد هذا البيان بيان وعليه قد يسمح المجال أن أتطرق إلى بعض المسائل التي فيها للقاريء نفع إن شاء الله.
المسألة الأولى - الغش
فهو حرام . روي عن رسول الله (ص) انه قال (من غش أخاه المسلم بإخفاء الأدنى بالأعلى...) . كمزج الجيد بالردئ وبإخفاء غير المراد بالمراد كمزج الماء باللبن وبإظهار الصفة الجيدة مع إنها مفقودة واقعاً . مثل رش الماء على الخضروات ليتوهم أنها جديدة وبإظهار شيء على خلاف صفته مثل طلي الحديد بماء الفضة أو الذهب ليتوهم انه فضة أو ذهب وقد يكون بترك الإعلام مع ظهور العيب وعدم خفائه كما إذ أحرز البائع اعتماد المشتري عليه في عدم إعلامه بالعيب فاعتقد بأنه صحيح ولم ينتظر في المبيع ليظهر له عيبه فأن عدم إعلام البائع بالعيب مع اعتماد المشتري عليه غشاً له . ولابد في الغش من أمور أسعى لتوضيحها واضعها بين يدي القاريء الكريم .
الأول :ـ علم الغاش بالواقع وقصده إظهار خلافه كما في علمه بان هذه الخضروات كما قدمنا تفتقد للصفة الجيدة كريعانها فيقوم برشها بالماء فتظهر للمشتري بصفة غير الواقع وهو يعلم بذلك ويقصده .
الثاني :ـ جهل المغشوش بالواقع وتوهمه بسبب تدليس المدلّس فهو لوعلم بالواقع لم يصدق الغش وكذا لو جهله لكن لم يستند خطأه فيه لفعل المدلس بل لأمر آخر لادخل له فيه . كما لو جاء الطبيب لفحص زيد لكن زيد المريض واقعاً أخفى مرضه والطبيب بدوره لم يعتمد على كلام زيد فأقدم على فحصه لكن الطبيب اخطأ بفحصه لأسباب أخرى غير ما قام به زيد من إخفاء لمرضه .
الثالث :ـ أن يترتب على ذلك وقوع المغشوش في أمر يكرهه ولايقوم عليه لولا الغش ، كما لو أقدم على الزواج من فتاة وتزوج لكن لايدري إنها مريضة وهكذا في شراء المتاع المعيب واستعمال الماء النجس ونحو ذلك , أما لو لم يترتب شيء من ذلك ولم تكن فائدة إخفاء الواقع إلا التجمل أو دفع عدوان الغير أو نحو ذلك فليس إظهار خلاف الواقع من الغش المحرّم .
اليانصيب
المسألة الأخرى التي أردت الكلام عنها في هذا العدد هي ( اليانصيب ) على أن هذه المسألة تحتاج إلى المزيد من التأمل والتأني في مطالعتها ، جاء في مسألة (44) من الطبعة الرابعة لمعاملات سماحة السيد السيستاني ( دام ظله ) ما مفاده :ـ ( لايجوز بيع أوراق اليانصيب ) فإذا كان الإعطاء بقصد البدلية عن الفائدة المحتملة فالمعاملة باطلة . يعني إعطاء الثمن بقصد إنها بدل من بطاقة اليانصيب التي يحتمل أن يحصل على نفع منها فيما إذا خرج اسمه في القرعة ــ هنا قال حفظه الله ــ المعاملة باطلة . أما إذا كان يقصد من النفع المحتمل أن يصرفه في مشروع خيري ـ قال رعاه الله تعالى ـ فلا بأس به وعلى كلا التقديرين فالمال المعطى لمن أصابت القرعة باسمه إذا كان المتصدي لها شركة غير أهلية من المال المجهول مالكه لابدّ من مراجعة الحاكم الشرعي لإصلاحه . فإذا إتضح ما تقدم ، ماذا نعني باليانصيب :ـ اليانصيب عبارة عن الأوراق التي تصدر من قبل البنوك أو الشركات بأسعار محدودة وتعرض في الأسواق وتباع وتشترى وتعين لها جوائز خاصّة لمن يخرج السحب الأول والثاني والثالث وهكذا على رقم بطاقته . ولسماحة الشيخ الفياض ــ أعلى الله مقامه ــ تفصيل قريب مما تقدم :ـ لايبعد جواز الشراء ويردُّ سماحته على دعوى مفادها أن التعامل بها بشرط الدخول في عملية السحب فيأمل الحصول على الجائزة المقررة أولاً هو لون من ألوان القمار وانه لايجوز ؟ وكان توضيحه كالآتي :ـ انه لايصدق عليه قمار عرفاً لأن القمار مأخوذ من المقامرة وهي جعل الرهن على اللعب سواء كان اللعب بالآلات أم كان من دونها فعلى الأول وهو اللعب بالآلات سواء كانت مخصوصة ومعدة للقمار أم بغيرها غاية الأمر إن كان بالمخصوصة فهو حرام مطلقاً وان كان من دون الرهن وهنا لا لعبٌ لا بالآلات ولا من دونها بل شراء البطاقات والتعامل بها بأمل الحصول على الفائدة وأخذ الجائزة من البنك المتعهد بها وهو ليس لون من ألوان اللعب . وهنا يطرح إشكال آخر :ـ إن البطاقة بحد ذاتها لا مالية لها فيكون بذل المال بأزائها من الأكل الباطل فلا يجوز ؟! فما هو الحل ؟ الجواب :ـ كما أفاده سماحته في مسألة (234 ) من الطبعة الحديثة ، إن البطاقة في نفسها وان كانت كذلك إلا أنها تكتسب المالية بلحاظ ما يترتب عليها وهو حق الدخول في عملية السحب فإذن لايكون بذل المال بأزائها من الأكل بالباطل وقد يكون المال المبذول بأزاء البطاقة مضمون للباذل وله إرجاعه متى شاء بإرجاع البطاقة وفي مثل ذلك يكون شرائها لغرضين :ـ الأول :ـ الحفاظ على أصل رأس ماله . الثاني :ـ بغرض الدخول في عملية السحب وفي هذه الصورة لا مانع من شرائها حتى لو قلنا بعدم الجواز في الصورة الأولى كما لايخفى ولكن مع هذا فالأحوط والأولى أن لايتعامل بها لابيعاً ولا شراءً . أما سماحة السيد الحكيم ـ دام ظله ــ فله تفصيل ايضا :ـ
إن كان لشركة تابعة لحكومة لاتقوم على أساس ديني ولا تدّعي لنفسها الولاية الدينية جرى على اوراقه وعلى الجائزة المستحصلة به ما جرى على جميع ما يؤخذ الجهات الحكومية . وإن كان لشركة أو جهة أهلية أو لشركة تابعة لحكومة تقوم على أساس ديني فله صور :ـ
الأولى :ـ أن يرجع إلى التراهن بين المشتركين لكسب الغالب منهم بالقرعة ، بحيث يبقى المال المدفوع كله أو بعضه موقوفاً غير مملك لأحد حتى يملكه الفائز بالقرعة ، ولاتكون ورقة اليانصيب إلإ وثيقة لإثبات الدخول في المسابقة من دون إن تكون مقابلة بالمال المدفوع وهذه الصورة داخلة في المراهنة المحرمة .
الثانية :ـ أن ترجع بذل المال للجهة الخاصة والعامة وتعيينه لها بشرط ان تقوم تلك الجهة بالإقراع بين المشتركين وتمليك الجائزة للفائز ، بحيث يتعين المال بتمامه لتلك الجهة بمجرد دفعه ويكون الإقراع شرطاً زائداً على التمليك يلزم الوفاء به ولا يوجب تخلفه إلا الخيار ، والظاهر حلّية المعاملة في هذه الصورة وتملك الأطراف للمال المأخوذ بموجبها سواءً كانت ورقة اليانصيب مبذولة للمشاركة من الجهة التي تقوم باليانصيب لمجرد التوثيق لإثبات مشاركته من دون ان تكون مقابلة بالمال المدفوع . بل يكون المال هبه للجهة مشروطة بالإقراع ، أم كانت الورقة مبيعة من قبل الجهة المذكورة بحيث يكون المال المدفوع ثمناً لها ويكون بيعها هو المشروط بالإقراع .
الثالثة :ـ أن ترجع إلى بذل المال للجهة الخاصّة أو العامة بنحو الهبة أو الشراء من دون شرط الإقراع ولا الجائزة ويكون الإقراع والجائزة إحساناً ابتدائياً من الجهة القائمة به للتشجيع على البذل المذكور من دون أن تكون ملزمة به بعقد أو شرط لازمين سواء سبق منها الوعد بهما قبل البذل أم لم يسبق ولا إشكال في صحة المعاملة في هذه الصورة وتملك الأطراف للمال المأخوذ بموجبها .
ملاحظة
تجري هذه الصور الثلاثة بموجب التفصيل عند سماحته وتترتب أحكامه السابقة في جميع المسابقات العلمية والفنية والعملية التي تبذل فيها الجوائز للمتسابقين ، فإن أثبتت على استحقاق السابق للجائزة بمجرد سبقه كانت من الصورة الأولى وإن أثبتت على قيام مشارك بالعمل المطلوب منه وبذله للجهة القائمة بالمسابقة بشرط بذل الجائزة له إن سبق كانت من الصورة الثانية ، وإن أثبتت على قيام كل مشارك بالعمل المطلوب منه بلا شرط مع كون بذل الجائزة للسابق إحساناً ابتدائيا ًللتشجيع على المشاركة من دون شرط كانت من الصورة الثالثة .