حوارات أخلاقية                           السيد حسين المرسومي

 

 

الحوراية السادسة 

القسم الثاني

 الشكر

الشكر هو عرفان النعمة من المنعم والفرح بها والعمل بموجب ذلك الفرح .. والشكر غاية الفضائل فلا يصل إليها إلا القليل من الناس، وكفى بالشكر فضلاً وشرفاً ان هذه الفضيلة خلقت من أخلاق الربوبية وكانت صفة من الصفات الالهية كما قال جل جلاله ((والله شكور حليم)) وللوقوف على هذا العنوان الكبير تعالوا معاً لنقرأ هذه الحوارية بين والد وولده ..

 علي: السلام عليك يا ابي.
الاب: وعليك السلام يا ولدي وقرة عيني.
علي: هلا تفضلت عليّ يا والدي والفضل من مثلك مأمول باتمام المرام فيما شرعنا فيه الكلام.
الاب: بخدمتك يا ايها الحبيب فأنا لامرك مجيب ولكن اطلب منك ايجاز ما مر لارى مدى استيعابك للامر.
علي: تلخيص ما سبق في عدة نقاط.
الاولى: شكوتُ بدواً من عدم فهمي لما ورد في آخر زيارة عاشوراء.الثانية: ذكرت لي ان فهم هذا المقطع يتوقف على بيان ثلاثة مباحث الاول مبحث الصبر وقد تقدم في مجالس سابقة والثاني مبحث الشكر وهو ما نحن فيه الان فعلاً والثالث مبحث الملازمة بين الصبر والشكر.
الثالثة: ذكرت لي حقيقة الشكر وان له اركان ثلاثة معرفة المنعم والفرح بها والعمل بموجب الفرح.
الرابعة: ذكرت لي فضيلة الشكر من الايات والروايات .
الخامسة: وصلنا الى مسألة مدرك تمييز محابّ الله جل جلاله عن مكارهه فما هو السبيل اليه

مدركا التمييز

الاب: بايجازك أحسنت وبما ذكرت اجدت واما جواب ما سألت فهو انه قد تبين مما مر ان الشكر عبارة عن استعمال نعم الله فيما يحبه والكفران عبارة عن نقيض ذلك فلذا لابد من معرفة ما يحبه وما يكرهه ولابد من تمييز محابه عن مكارهه حتى نتمكن من اداء الشكر وترك الكفر لتوقفهما على معرفتهما وتمييزهما وهذا التمييز والتعريف له مدركان.
علي: وما هما؟
الاب: الاول الشرع فانه كشف عن جميع ما يحبه الله جل جلاله وما يكرهه وعبر عن الاول بالواجبات والمندوبات وعن الثاني بالمحرمات والمكروهات فمعرفتهما متوقفة على معرفة جميع احكام الشرع في افعال العباد فمن لم يطلع على حكم الشرع في جميع افعال العباد لم يمكنه القيام بحق الشكر وقد روي عن رسول الله (ص) انه ما من شيء يقربكم من الله ويبعدكم من النار الا وقد امرتكم به. وما من شيء يبعدكم عن الله ويقربكم من النار الا وقد نهيتكم عنه.
علي: وما هو المدرك الثاني للتمييز.
الاب: المدرك الثاني هو العقل فانه قادر على ادراك بعض وجوه الحكم في بعض الموجودات فان الله جل جلاله ما خلق شيئاً في العالم الا وفيه حكم كثيرة وتحت كل حكمة مصلحة والمصلحة هي محبوب الله جل جلاله وبالتالي من استعمل كل شيء على الجهة التي تؤدي الى المصلحة المقصودة منها فقد شكر نعم الله جل جلاله وان استعملها على النحو الذي لا يؤدي الى ذلك فقد كفر بنعمة الله جل جلاله.
علي: ذكرت يا ابي ان العقل قادر على ادراك بعض وجوه الحكم فلم لا يدركها جميعها.
الاب: لان الحكم والمصالح المقصودة من الاشياء أما جلية او خفية، اما الجلية كحكمة حصول الليل والنهار في وجود الشمس وكحكمة انتشار الناس وسكونهم في وجود الليل والنار وحكمة انشقاق الارض بانواع النبات في وجود الغيم ونزول الامطار وحكمة الابصار في العين والمشي في الرجل وامثال ذلك. واما الخفية كالحكم في خلق الكواكب السيارة واختصاص كل منها بقدر معين وموضع خاص وكالحكم التي في بعض الاعضاء الباطنية للحيوان كبعض العروق والاعصاب والعضلات وما فيها من التجاويف والالتفاف والاشتباك والدقة والغلظة وغير ذلك فهذه الحكم وامثالها لا يعرفها ولا يدركها كل احد ومن يعرف منها شيئاً فلا يعرف منها الا قليلاً ((وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً)) فتبين ان كل ما في الكون من الذرة الى المجرة فيه حكمة ومصلحة يقدر العقل على ادراك ما كان مصلحته جلية دون ما كانت مصلحته خفية.
علي: تحّصل لي يا ابي ان هناك طريقين لمعرفة محاب الله جل جلاله الاول ما ورد في لسام الشرع والثاني ما يدركه العقل من بعض الحكم والمصالح وكذلك الحال في مكاره الله جل جلاله فاذا علمت بما حسنه لي الشرع وادركه من الحكمة عقلي فقد شكرتُ ربي واذا خالفت فبنعمة ربي كفرتُ.
الاب: هو ذاك يا عزيزي. ولذا ترى ان الشرع المبين قد حثّ على العمل باحكام الدين ((قل اعملوا)) بل امر بالتمسك بالدين بقوة ((خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ)) هذا وقد سئل الامام الصادق(ع) عن هذه الاية بان القوة المراد منها القوة في الابدان او القوة في القلب فقال (ع) ((فيهما جميعاً)) ولا ننسى قوله تعالى ((يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ )) وروي عن ابي عبد الله الصادق (ع) (افضل الناس من عشق العبادة فعانقها واحبها بقلبه وباشرها بجسده وتقرغ لها فهو لا يبالي على ما اصبح من الدنيا على عسر ام على يسر)، واما العقل فقد وردت فيه نصوص كثيرة منها ما روي عن الامام الباقر (ع) قال : لما خلق الله العقل استنطقه ثم قاله له : اَقبل فاقْبل، ثم قال له : ادبر فادبر، ثم قال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو احب الي منك ولا اكملتك الا فيمن احب اما اني اياك آمر واياك انهى واياك اعاقب واياك اثيب). فاتضح لك يا بني جلياً اهتمام الشريعة بهذين المدركين وانهما السبيل الى احراز شكره واجتناب الكفران.

اقسام النعم واللذات

علي: بعد اتضحت لي صورة الشكر وبعد ان عرفت مدركي تمييز محاب الله جل جلاله توجب علي ان اعرف هل ان النعم على صورة واحدة ويُوجب شكرها اثراً واحداً ولذة مشتركة ام انها مختلفة الاقسام وبالتالي الاثار ؟
الاب:اعلم يا بني ان النعم على اقسام فمنها ما يكون مطلوباً لذاتها ليس وراءها غايةاخرى وهي مخصوصة بسعادة الاخرة التي لا انقضاء لها ولا نفاد وهذه هي النعمة الحقيقية واللذة الواقعية ولذلك قال رسول الله (ص) (لا عيش الا عيش الاخرة)، ومنها ما يقصد لغيره اي لا تكون مطلوبة لذاتها بل تكون مطلوبة لاجل الغاية المطلوبة لذاتها تكون وسيلة اليها اي الى سعادة الاخرة والى الجنة وهذه النعم المطلوبة لا لنفسها وهي على اقسام.
القسم الاول : وهو اقرب الوسائل الى السعادة الاخروية واخصها وهي العلم والعفة والشجاعة والعدالة فهذه النعم مع كونها لذيذة في نفسها فهي تكون وسيلة بل اقرب الوسائل واشرفها، فاما العلم فهو اشرفها وله افراد اعلاها العلم بالله وصفاته ورسله وبالمعاد وعلم الاخلاق الذي يؤدي الى السعادة الحقيقية فهذان الفردان من العلم وهما العلم بالله جل جلاله وعلم الاخلاق هما من اشرف افراد العلم وضدهما الجهل والاخلاق السيئة وهما من ارذل الرذائل بل مخرجان للانسان من حدود الانسانية الى حد البهيمية وان الكلام في العفة والشجاعة والعدالة فهو يحتاج في كل واحدة منهن الى بحث خاص .
والقسم الثاني : الفضائل البدنية وهي اربعة الصحة والقوة وطول العمل والجمال.
والقسم الثالث: النعم الخارجة المتوقفة عليها الفضائل النفسية والبدنية وهي المال والجاه والاهل وكرم العشيرة.
والقسم الرابع: الاسباب التي تناسب من وجه الفضائل النفسية ويعبر عنها بالنعم التوفيقية وهي هداية الله ورشده وتسديده وتأييده وسميت بالنعم التوفيقية لان المراد منها التآلف بين ارادة العبد وبين قضاء الله واعلم يا بني ان تفصيل الكلام في كل واحدة من هذه النعم مما يحتاج الى عدة مجالس.
علي: فهمت من كلامك يا ابي ان النعم منها ما يطلب لذاتها وهي الاخروية ومنها ما ليست كذلك وهي ستة عشر الفضائل النفسية وهي اربعة العلم والعفة والشجاعة والعدل والفضائل البدنية وهي الصحة والقوة وطول العمر والجمال والنعم الخارجة وهي المال والجاه والاهل وكرم العشيرة والنعم التوفيقية وهي الهداية والرشد والتسديد والتأييد فهي تمام الستة عشر.
الاب: احسنت يا بني.
علي: رغم ان مجلسنا قد طال وانا لا احب ان اثقل عليك ولكني اود ان اطلب منك امراً اخيراً.
الاب: تفضل.

الهداية والرشد والتسديد والتأييد

علي: النعم الستة عشر الاثني عشر الاولى منها واضحة المفاهيم في الجملة دون الاربعة الاخيرة فهلا وضحتها لي ببيان موجز لانها شائعة الدوران في الالسن.
الاب: اما الهداية فهي اراءة طريق الخير وتعريفه ولها مراتب لسنا بصددها الان.
واما الرشد فالمراد به العناية الالهية التي تعين الانسان عند توجهه الى مقاصده فتقويه على ما فيه صلاحه وتفتره عما فيه فساده.
واما التسديد فهو توجيه حركات الانسان صوب المطلوب وتيسيرها عليه.
فالهداية محض التعريف والرشد هو تنبيه دواعي الانسان لتستيقظ وتتحرك والتسديد اعانة ونصرة بتحريك الاعضاء الى صوب الصواب والسداد.
واما التأييد فهو جامع للكل ولا استطيع ان افصل اكثر لان المقام لا يسع لذلك.
علي: بعد هذه الجولة الطويلة والجلسة المديدة اتسمح لي يا ابي ان اوجز ما مر من البحث.
الاب: تفضل بورك فيك.
علي: اولا ذكرت ان الشكر متوقف على معرفة محاب الله جل جلاله لفعلها ومكارهه لاجتنابها ولمعرفة المحاب والمكاره مدركان الشرع والعقل. وثانياً العقل غير قادر على ادراك جميع الحكم لان بعضها جلي والاخر خفي. وثالثاً ذكرت لي بعض النصوص الشريفة التي تحث على اتباع هذين المدركين. ورابعاً ذكرت ان النعم على اقسام فمنها ما هو مطلوب لذاتها وهي النعم الاخروية ومنها ما هي مطلوبها لغيرها وهي ستة عشر. وخامساً ذكرت لي ان الهداية هي اراءة الطريق والرشد هو التنبيه والتسديد هو التحريك صوب الصواب والتأييد معنى جامع للكل.
الاب: احسنت واجدت وبما اوجزت افدت.
علي: في نهاية المطاف أسأل الباري خفي الالطاف ان يحزيك عني خيراً.
الاب: وانت ايضاً يا بني أسأل الله جل جلاله ان يزدك علماً بفضله ومنه فهو ارحم الراحمين.
علي: السلام عليكم.
الاب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.