|
فالإنسان السّـوي هو الذي يبني , كما جاء في موضع هذ ا
التشبيه الرائع الذي شبـّه فيه رسول الله (ص)
المؤمن بالنحلة في هذه الحركة البنـّاءة , حيث يتمثـل عقـد الشـّبه في
عـدّة وجوه :
أولا: في الحركة النشطة الدؤوبة , حيث تنشط النحلة في بناء بيتها , وتدعيم
حياتها بكل ما أتيح لها من إمكانات دونما ملل أو سأم , فكذلك يجب أن يكون
المؤمن جادا دؤبا في ميدان العمل والإبداع , يستبق مواقع الخير في كافة
مجالات الحياة , دونما ملل أو ضجر أو يأس 0
ثانيا : النظام والدقة , والتحرك المدروس في عملية التنقل من موقع الى موقع
, بإلهام فطريّ حكيم , لإختيار الموقع اللائق والمنسجم مع طبيعتها وتركيبها
ونتاجها , فكذلك يجب أن يكون تحرّك الإنسان المؤمن تحركا مدروسا حكيما ,
على كافة المستويات والأبعاد , منسجما مع المقياس الحقيقي لصوابه وهو مرضاة
الله عزوجل 0
ثالثا : الإنتقال من طيّب الى طيّب , ومن اثر نافع الى أثر نافع , في مجال
الأخذ والعطاء , فلا يتوقع من النحلة أن تأخذ سمّا أو تعطي سمّا أو تضع
مرارة الحنظل فيما تفرزه , كذلك لايتوقع من الإنسان المؤمن أن يكسب سـيّـئا
أو يعطي سـيـّئا
رابعا : التحرّك دائما باتجاه البناء لا التخريب والهدم , كما جاء في ذيل
الحديث الشريف (وإن وقفت على غصن لم تكسره ) , وهكذا فإن الإنسان المؤمن
يتجه باتجاه المسيرة الفطرية لمجموعة الأحياء 0
ولكن تبقى هناك سلوكية هدامة , هي سلوكية يعاني صاحبها من حالة مرضية في
أعماق نفسه يعبر عنها بعملية الهدم (الهدم السلبي ) القائم على اساس تصفية
وتسقيط الغير, والقضاء على كل الوجودات الخيرة , والعبور على أكتاف الغير
الى الأهداف والغايات الخاصة0
فكم خسرت الأمة على امتداد تأريخها من مواقف ومشاريع , كان بالإمكان أن
تؤدّي دورا كبيرا في حياتها , وتنشئ لها قاعدة كبرى على مسرح الحياة الدنيا
والآخرة , لولا عملية الهدم والتخريب الأناني , ولولا الحسابات العمياء
التي لاتبصر الحياة إلا من خلال الأنا العدواني , الذي يسعى لمصادرة
الآخرين وإلغاء دورهم , وحرمان الأمّة من عطائهم وفكرهم , ومن جهودهم
وقيمهم , وإن اكثر عوامل التخريب والهدم خطورة وأشـدّها سلبيـّة هي :
أولا: الجهل : وليس معنى الجهل هنا كون الإنسان أميّا لايقرأ ولايكتب , أو
لايعرف طريقة العمل , لأن أثر مثـل هذا الجهل مرفوع من ناحية التكليف بحديث
الرفع , وإنما المقصود من الجهل هنا , هو التمادي في ارتكاب الخطأ , وتجاهل
أثر الفعل.
إذ قد يكون الإنسان من اصحاب الشهادات والإختصاصات المرموقة , ولكنه يتجاهل
خطورة فعله وسلبية تصرّفه , وذلك عندما يزيّن الشـيطان له سوء عمله فيراه
حسنا , كما قال عزوجل :
( وإذا قيل لهم لاتفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون * ألا إنهم هم
المفسدون ولكن لايشعرون ) البقرة :11 - 12,
وقال تعالى : ( قل هل ننبؤكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة
الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ) الكهف : 103 - 104
وجاء عن أبي الحسن الرضا (ع) , - جوابا على سؤال
علي بن سويد له عن العجب - قال : (العجب درجات , منها أن يزيّن للعبد سوء
عمله فيراه حسنا فيعجبه ويحسب أنه يحسن صنعا , ومنها ان يؤمن العبد بربّه
فيمنّ على الله عزوجل ولله عليه فـيه المنــّة )0
ثانيا : غياب الشعور بالمسؤولية : وذلك نتيجة لغياب الرقابة الذاتية عن
واقع النفس , فلو وقف الإنسان بين يدي الله عزوجل وقفة تامل , وعرض نفسه
للمحاسبة , لإكتشف الخطر الكبير الذي يكتنفه ليعـّد العـدّة لمواجهته ,
لذلك جاء في الحديث الشريف ( رأس الحكمة مخافة الله). فإذا غابت مخافة الله
عزوجل غاب الشعور بالمسؤولية , وإذا غاب الشعور بالمسؤولية غاب عنصر
المحاسبة والمتابعة للأخطاء الخطرة على النفس والمجتمع والرسالة , وبذلك
يتحول الإنسان الى إنسان متطاول ومتعدي , وبالتالي مخرب حتى لبنائه وحصنه
كما تحدث القرآن عن عاقبة هؤلاء فقال عزوجل :
(وظنوا انهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في
قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بايديهم وأيدي المؤمين فاعتبروا يا أولي
الأبصار ) الحشر :2 0
ثالثا: الأنانية : وهي رؤية الإنسان نفسه ومصالحه فوق كل الإعتبارات ,
وإيثار مصلحة الذات على مصلحة الأمة ,
فقد يمنح الإنسان العلم والثقافة والقدرة على تسنم هرم الحياة , فيصبح عضوا
في جمعية أو ناد أو مؤسسة أو حركة إجتماعية او سياسية , فيتحول جهده وذكاؤه
وعلمه وثقافته وقدرته على التخطيط والإبداع , الى سلوك أناني وهو خدمة
الذات.
وإن من اخطر عوامل الهدم والتخريب هو (الأنا ) , إذ ينتهي بالإنسان الى
ثلاثة أنماط من السلوك والتعامل مع الغير هي :
أ - الإستبداد بالرأي : وتجاهل آراء الآخرين بعيدا عن الحكمة القائلة : (
من شاور الناس شاركها في عقولها ) ,
والإستبداد بالرأي نابع عن إيثار النفس على الغير بعيدا عن الأخلاقية
الإسلامية العالية , التي تنص على إيثارالآخرين ( ويؤثرون على أنفسهم ولو
كان بهم خصاصة ) والخصاصة هي الحاجة,
فكما أن خصاصة الإنسان وحاجته الى الطعام واستفحال نهمة الجوع , تتصاغرأمام
هذه الأخلاقية العالية , فيقدم الإنسان ما لديه لضيفه , فإن نفس الإنسان
المؤمن وذاته ورأيه على مافيه من القوّة والجودة , يتصاغرأمام الآخرين
وآرائهم.
وإن بحكم سيادة هذا الخلق الإسلامي العالي , ستنتهي الأمة الى الراي الأصوب
والأجدى في هذا أو في ذاك , أما إذا فقد عنصر الإيثار للآخرين واستبد كل
برأيه , فسوف تنحدر الأمة أي انحدار , وتنهار مصالحها كما ينهار البناء إذا
جرفته السيول العشوائية 0
ب- النهم السلطوية: والدكتاتورية السياسية أو الإقتصادية , فكما أن
الأنانية تتجسد في سلوك الإنسان الأناني بإحتكار الطعام والدواء والسلع,
ومصادرة مصالح الأمة في المجال الإقتصادي , فكذلك تتجسد الأنانية على
المستوى السياسي , في الإستئثار بالسلطة والمنصب , وعدم فسح المجال أمام
الطاقات والإمكانات التي يمتلكها الغير, بل الأكثر من ذلك، ما يفرزه النهم
السلطوي من قمع الآخرين , ومصادرة حريّاتهم , والإستحواذ على مقدّراتهم ,
وعدم الإهتمام بهم , قال رسول الله (ص) : (مـن
لم يهتم بأمور المسلمين فليس منهـم).
فالسياسة في منطق الدين , هي الرعاية والحب للآخرين , وتوفيرالسلام والحرص
على الصالح العام , أما في منطق الذات والأنا , فالسياسة هي احتكار المنصب
واحتلال مركز الصدارة لخدمة المصلحة الشخصية , وهذا هو الفرق في كون
السياسة والمنصب وسيلة أو غاية, حيث رفضها الإمام أمير المؤمنين
(ع) في مضمون قوله: (ما إمرتكم عندي إلا كشع هذا النعل ما لم أقم
حقا أو أبطل باطلا ) 0
كما قدم لنا رسول الله (ص) حكومة الإنقاذ من
واقع الذات والضمير الإنساني قبل أن يفكر الناس في حكومة الإنقاذ الوطنية ,
وقدم لنا (ص) مثالا لخدمة الجماعة والدفاع حتى
وإن كلف ذلك الحياة , إنطلاقا من قول الله عزوجل :
( وما لكم لاتقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان
الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك
وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا ) , فـقال5: (من رد عـن قـوم عادية ماء أو
نار وجبت له الجنة ) 0
ج- الحسد : وهومن مظاهر السلوك الأناني , فإن الحسود هو الذي لايستطيع أن
يرى أحدا ينعـم بالخير, ولايحب لغيره التفوق الفكري أوالإجتماعي أو السياسي
0
فهو بدلا من أن يقوم بإسلوب المنافسة المشروعة , تراه يدخل في عملية تخريب
وهدم لكيان الآخرين , وإسقاط لكل الإعتبارات التي تمت الى بناء شأنهم 0
بل قد تصل الحالة الى إلغاء الذوات الخيرة من هذا الوجود نهائيا , بهدف
الإعاقـة لكل مشروع يصب بإتجاه صالح الأمة , كما أشار القرآن الكريم الى
أول جريمة قتل في التأريخ , كان دافعها الحسـد الأناني فقال عزوجل :
( واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قـربا قربانا فتقبل مـن أحدهـما ولـم
يتقـبل مـن الآخر قال لأقـتلنك قال إنـّما يتقـبل الله مـن المتقـين * لئن
بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسـط يدي إلـيك لأقـتلك إني أخاف الله ربّ
العالمين * إنّي أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكـون من اصحاب النار وذلك جزاء
الظالمـين * فطـوّعت له نفسه قـتل أخـيه فقتله فأصبح من الخاسرين ) المائدة
: 27-30 0
وهكذا يمكن للذات الإنسانية أن تنتكس في الحضيض البهيمي المذموم , كما يمكن
لها أن ترتفع الى قمة الخلود الممجّد على مرّالتأريخ، وآخر دعوانا أن الحمد
لله رب العالمين. |