ولادته
ولد في أصفهان 12 ربيع الأوّل سنة 1266هـ ونشأ بها ، قرأ المقدّمات
الشرعية والأدبية ثمَّ حضر دروس العلماء البارزين ومجالسهم النافعة ،
حتّى ارتقى سُلَّم الفضيلة ، وخلال هذه الفترة من حياته العلمية سافر
إلى مدينة مشهد المقدَّسة ، والتقى بأجلَّة علمائها وحاورهم ، فكشف
بذلك عن مواهبه العلمية الرفيعة . بعدها عاد إلى موطنه إصفهان
متصدِّياً للتدريس ، بعد أن نال درجة الاجتهاد ، فانصرف إلى البحث
والتعليم ، وحضر مجلسَه العلمي جمع من الفضلاء والأساتذة الذين أُعجبوا
بطريقته ، ثمّ سافر إلى العراق عام 1295 هـ وأقام بها مجداً في الحضور
على أشهر مدرسيها أمثال الشيخ حبيب الله الرشتي والشيخ محمّد حسين
الكاظمي
مكانته العلمية
بعد عام 1313 هـ انحصر نشاطه في التدريس ، والبحث ، والتأليف ،
والإفتاء ، والاهتمام بشؤون المسلمين ، لقد احتلَّ شيخ الشريعة ( قده)
مكانة علمية رفيعة بين أقطاب الفضيلة ، وأعلام الفقه ، وتخرَّج على
يديه عدد من كبار العلماء والمحقِّقين ، وقد مالَ الناس إلى أخذ
الأحكام الشرعية عنه بعد وفاة السيّد محمّد كاظم الطباطبائي اليزدي عام
1337 هـ . حتَّى إذا توفِّي الشيخ محمّد تقي الشيرازي عام 1338 هـ أصبح
شيخ الشريعة المرجع الديني الأعلى لأتباع أهل البيت (ع) ، فنهض
بمسؤوليته ، وخرَّج أجيالاً على طريق المعرفة والعمل ، وترك مؤلَّفات
ورسائل عديدة .
يمتاز الشيخ على كثير من الفقهاء المعاصرين له بالموسوعية والمطالعة
الطويلة في العلوم التي لا تدخل في نطاق الفقه من قريب ، فقد كان كما
ينقل قوي الحافظة ، مرهف الشعور ، سريع الإنتقال ، كثير القراءة ،
ومداوم النظر في الكتب المتفرقة ، وتجمع هذه الصفات فيه خلقت منه عالما
يلم بفروع العلوم المتداولة في بيئته وغير المتداولة . تخرج على يديه
المئات من العلماء ونذكر منهم رعاية للايجاز الشيخ محمّد محسن المعروف
بآقا بزرك الطهراني السيّد عبد الحسين شرف الدين الموسوي العاملي
السيّد عبد الهادي الشيرازي السيّد محسن الأمين السيّد حسين الطباطبائي
البروجردي السيّد أبو القاسم الخوئي
الاحتلال الانكليزي
ثلاثة أيام بعد بدء إنزال القوات البريطانية ـ الهندية إلى ميناء الفاو.
وصلت إلى العتبات المقدسة وسائر المدن العراقية في 9 تشرين الثاني 1914
برقيات جاء فيها:
(ثغر البصرة الكفار محيطون به ، الجميع تحت السلاح ، نخشى على باقي
بلاد الإسلام ، ساعدونا بأمر العشائر بالدفاع) انتشرت أخبار احتلال
الإنكليز لجنوب العراق، الأمر الذي أدى إلى حدوث زلزال سياسي سريع لجهة
الواجب والولاء والميول، فقد كان العدو المشترك، قبل احتلال
البريطانيين للفاو والبصرة، هو الحكومة المركزية العثمانية في بغداد،
وكانت الشيعة نظرا للمظالم، من أشد الطوائف كرها للعثمانيين، لكن زلزلة
الحدث الأكبر، وما عكف عليه المجتهدون الكبار من إزالة ستر الغشاوة،
ومن أعمال لروح الشريعة واستثارة نصوصها، وتبيان أولوياتها ومقاصدها،
قلب الموقف رأسا على عقب، فالجهاد بمعنى القتال، ماض إلى يوم القيامة
طالما أن هناك اعتداء على المسلمين باحتلال أرضهم أو ظلمهم أو فتنتهم
عن دينهم وانتهاك أعراضهم واستباحة أموالهم. ((وقاتلوا في سبيل الله
الذين يقاتلونكم، ولا تعتدوا انه لا يحب المعتدين - سورة البقرة)).
تناست الشيعة آنذاك، كل ما لقيته من جور على أيدي الولاة العثمانيين،
خاصة في القرن الأخير من عمر الإمبراطورية العثمانية، وزاد في الضرام،
لدى شعب العراق كله، إن يهود بغداد، باتوا في هرج الابتهاج وثمالة
السعادة، حين أقاموا الاحتفالات تكريما لاستقبال قائد القوات الجنرال
ستانلي مود. وفي ضحى الحدث وجلبته سارعت المرجعية الدينية في النجف
الأشرف بعقد اجتماع في مسجد الهندي حضره الكثير من العلماء والوجهاء
ورؤساء العشائر. وصدرت فتاوى الجهاد لتعبئة الناس وتشجيعهم على
المشاركة في الجهاد ضد القوات البريطانية .
وفي مرقد الإمام علي بن أبي طالب (ع) ارتقى المرجع الديني السيد محمد
كاظم اليزدي المنبر وحث على الدفاع وأفتى بالجهاد ،وأرسل السيد اليزدي
فتواه إلى أبناء العشائر والمدن وكذلك افتى بالجهاد الميرزا محمد تقي
الشيرازي والشيخ شيخ الشريعة الاصفهاني ولم يكتف المجتهدون الشيعة
بالفتاوى وحث الناس على الجهاد ، بل إندفعوا على رأس كتائب المجاهدين
التي إنبرت لمواجهة الغزاة. من النجف تقلد السيد محمد سعيد الحبوبي
سيفه وإنطلق في 15 تشرين الثاني 1914 ، أي بعد أسبوع من بدء الغزو ،
برفقة جماعة من أصحابه متوجها إلى الجبهة عن طريق السماوة والناصرية .
وتبعه موكب السيد عبد الرزاق الحلو في 17 تشرين الثاني 1914 وفي 19
تشرين الثاني 1914 إنطلق السيد مهدي الحيدري من الكاظمية متوجهاً إلى
جبهة القتال .
وفي 28 تشرين الثاني 1914 ، توجه المجاهدون عن طريق بغداد بقيادة شيخ
الشريعة الأصفهاني وخاض المجاهدون معارك غير متكافئة العدد والعدة
إستمرت ثلاث سنوات . إنتصر المجاهدون في أول مواجهة عسكرية مع القوات
البريطانية في معركة الروطة في 20 كانون الأول 1915 وأرغموا الغزاة على
الإنسحاب وكانت المعركة الثانية في الشعيبة في 12 نيسان 1915 كانت
الغلبة فيها للغزاة
بعد عودة شيخ الشريعة الى النجف الاشرف تبلورت زعامة المعارضة في شخص
الشيخ محمّد تقي الشيرازي، والشيخ فتح الله الإصفهاني , وقد كتبا
ووجّها معاً رسالتين يطلبان فيهما تأييد حقوق الشعب العراقي في الحرية
والاستقلال.
واقعة الرارنجية
في يوم 7 ذي القعدة سنة 1338هجرية وقعت معارك دامية في نواحي الرستمية
التي تبعد عن الحلة اثني عشر ميلاً في جنوبها بين الجيش البريطاني
والمجاهدين، ادت إلى القضاء على اكثر من ثلثي القوة البريطانية
ومعداتها واشتهرت هذه الواقعة بالرارنجية وترك الجيش البريطاني ما يزيد
على الألف قتيل واكثرهم من الانكليز وغنم الثوار اثنين وسبعين رشاشاً
من نوعي (فيكرس ولويس) ومدفع عيار 17 بوند وأرزاقاً واسرى بلغ عددهم
160 اسيراً منهم 79 بريطانياً والباقون من الجنود الهنود وعندما وصل
اسرى الجيش البريطاني إلى النجف الاشرف كتب شيخ الشريعة إلى المسؤول عن
الاسرى الكتاب التالي:
بسم الله الرحمن الرحيم
سلام عليك وثناء على اخلاصك وبعد فغير خفي على نباهتك أن للاسرى في
الشريعة الإسلامية مكانة عالية فالعناية بهم فرض والتوجه إلى اكرامهم
حتم واني اوصيك اطال الله حياتك بتعهدهم على الاتصال وتفقد أحوال صحتهم
ومعاشرتهم ما داموا وديعة مقدسة وأمانة محترمة فيلزمك البذل لهم
والتوفير عليهم ويجب تصديك لتحقيق راحتهم اكثر من الأيام الماضية واني
قوي الامل بانك تنشط إلى هذا التكليف لأنه شرعي مدني انساني فواظب على
الانفاق عليهم حتى يتعين لنفقاتهم مورد خاص فقد اعتمدت وأوكلت ذلك إلى
عهدتك والزمتك به ولا عذر لك ودم مؤيداً.
شيخ الشريعة الاصبهاني
ثورة العشرين
وعندما سيطر المستعمر البريطاني على العراق وسقط الحكم العثماني بعث
الشيخ محمد تقي الشيرازي وشيخ الشريعة الاصفهاني برسالة الى الرئيس
الامريكي ولسن والمؤرخة في 12 جمادى الاولى 1337هـ رغبة العراقيين
جميعهم بما انهم امة ان تكون حرية قانونية في اختيار دولة جديدة
اسلامية وملك مسلم مقيد بمجلس وطني .
فنهض علماء الاسلام يدعون إلى النهضة والتحرر من سيطرة الاستعمار
البريطاني وبعد ثلاث سنوات من سقوط بغداد بيده، وذلك في الثورة
المعروفة بثورة (العشرين) التي قادها المراجع، فتصدى المرحوم الميرزا
محمد تقي الشيرازي وشيخ الشريعة الاصفهاني قدس سرهما، ونتيجة لهذه
المواجهة الجهادية اضطر المستعمر الانكليزي أن يستجيب ولاول مرة بعد
الحرب العالمية الاولى ويوافق على قيام حكومة وطنية وعندما قامت هذه
الحكومة في العراق، كان رأي العلماء أن تكون حكومة إسلامية .
قال الزركلي في الأعلام : برز اسمه في ثورة العراق أيام الاحتلال
البريطاني سنة 1920 م ، وتناقل الناس ما أصدره من الفتاوى فيها ، وكان
في بدئها عونا لآية الله محمد تقي الشيرازي سنة 1338 ه انتقلت إليه
الزعامة وانتقل مركز القيادة من كربلاء إلى النجف.
ولما توفي المرجع الشيخ محمّد تقي الشيرازي في 1338هـ، انتقلت المرجعية
إلى شيخ الشريعة الإصفهاني وقيادة الثورة كذلك. وفي الصحن العلَوي
الشريف في النجف، ألقى شيخ الشريعة خطاباً قال فيه: إنّ الشيرازي انتقل
إلى رحمة الله، ولكنّ فتواه بقتال المشركين باقية، فجاهِدوا واجتهِدوا
في حفظ وطنكم العزيز وأخذ استقلالكم.
وقد قام بأعباء الزعامة والإمامة، وجابه الحكّام الغازين برجولة وشجاعة
نادرة فافلجهم ودحض حججهم ، وقد دعاه الحاكم المدني البريطاني للتفاوض
لوقف الثورة ، فكتب المترجم إليه مشترطا ( منح العراق استقلاله التام )
مواقفه الخالدة
1) أيَّد شيخ الشريعة الحركة الدستورية في إيران ، وساهم في الفُتيا
بإعلان الحكم الشرعي فيها ،
2) ساهم في رفض المدارس الحديثة التي أخذ المستعمرون يؤسّسونها في
البلاد الإسلامية لتبثِّ الأفكار الغربية ، فوقف في وجه الهجوم الثقافي
الغربي ، وضدَّ حملة التغرُّب والتغريب .
3) وله مشاركات في قضايا الجهاد الإسلامي التي عاصرها ، وقد برزت على
ساحات ليبيا وشمال إيران والعراق يومذاك ، فضمَّ اسمه وخطُّه إلى أسماء
أعلام العالم الإسلامي ، في الرسالة التي بعثها علماء مدينة النجف
الأشرف إلى صحف إسطنبول ، إعلاناً للزوم الجهاد من أجل تحرير ليبيا من
الاحتلال الإيطالي ، وتحرير إيران من الاحتلال الروسي ، وكان ذلك عام
1329 هـ .
وفاته
واصل شيخ الشريعة الإصفهاني دوره في قيادة الثورة حتّى توفّاه الله في
النجف الاشرف ليلة الأحد في 8 ربيع الآخر سنة 1339 ودفن في الصحن
الغروي الشريف في أحد الغرف الشرقية بحجرة رقم 22 أثر مرض مزمن كان قد
أصابه في سفره إلى الجهاد ضد الاحتلال الإنجليزي للعراق .