التفسير                                                        الشيخ ناجح العبودي

بسم الله الرحمن الرحيم               

((يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ{31} قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ))

31-32 الاعراف

 شرح المفردات
(خذوا) امر باتخاذ الزينة يحمل على الندب والاستحباب على تفصيل يذكر في كتب الاصول.
(زينة) بحسب قرائن المقام ومقامات اخرى المراد منها الاعم من الزينة الجسمانية التي تشمل لبس الثياب المتناسقة والجميلة والطاهرة ومشط الشعر وترتيبه واستعمال الطيب والعطر وما شابه ذلك، وكذلك يشمل الزينة المعنوية اي كالتحلي بالصفات الانسانية من طلاقة الوجه عند لقاء المؤمنين وابتداء السلام وحسن الجواب والمشي المعتدل وسائر الاخلاق الحسنة التي عمدتها صدق النية وخلوصها في جميع الاقوال والافعال.
(مسجد) مكان السجود قيل أخذ الزينة في صلاة العيد وقيل صلاة الجمعة وقيل المراد اخذ الزينة في كل صلاة سواء كانت عيد او جمعة او جماعة او فرادى في كل مسجد صغيراً كان أم كبيراً.
(تسرفوا) الاسراف مجاوزة الحد وقيل يكون بالمجاوزة الى الزيادة وقد يكون بالمجاوزة الى التقصير والمعنى لا تجاوزوا الحلال الى الحرام وقال بعضهم وهو مجادهد لو انفقت مثل جبل احد في طاعة الله لم تكن مسرفاً ولو انفقعت درهماً او مداً في معصية الله كان إسرافاً.
وقيل معناه لا تخرجوا عن حد الاستواء في زيادة المقدار فيكون الاسراف في كل شيء بحسبه، ومن الامور المحكية المشورة ان طبيباً نصرانياً عند الرشيد العباسي قال في احد الايام انه ليس في كتب المسلمين شيء من الطب والعلم علمان علم الاديان وعلم الابدان فقال له علي بن الحسين بن واقد جمع الله تعالى الطب كله في نصف آية من كتابه وهي قوله تعالى ((كُلُواْ وَاشْرَبُواْ.....الآية) وجمع نبينا9 الطب في قوله المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء، فقال الطبيب ما ترك نبيكم وكتابكم لجالينوس طباً.
(قل من حرم...) استفهام من علام الغيوب والمطلع على السرائر فلا يحمل على معناه الحقيقي بل يحمل على المبالغة في نفي التحريم الذي ألزم بعضهم نفسه وحرم عليها بعض طيبات الدنيا لان هذا التحريم من وساوس الشيطان ولم يأت امر بالترك او نهي عن الفعل.
(الطيبات) في معناها قولان: الاول: ألطيب هو المستلذ من الرزق والثاني هو الحلال من الرزق والذي يرجح المعنى الثاني عدة امور منها : (1) عطفها على قوله (زينة) وهي مضافة ومنسوبة الى الباري سبحانه وتعالى. (2) الطيب بذاته يدل على الحلية لان ما هو محرم فهو خبيث بقرينة اية اخرى ان المحرم هو الخبائث. (3) لمناسبة هذا المعنى للمقطع التالي وهو كونها خالصة للذين آمنوا...
(خالصة يوم القيامة) وفيه قولان : الاول انها خالصة للمؤمنين دون اعداءهم من المشركين. الثاني: هي خالصة للمؤمنين صافية دون شوائب مضرة بخلاف غيرهم فانها مشوبة.

اسباب النزول وبعض تطبيقات الايتين

الاول/ كان جماعة من الاعراب في عصر ما قبل الاسلام ولا سيما وقت الجاهلية والانحراف كانوا يدخلون المسجد الحرام ويطوفون بالكعبة المشرفة وهم عراة من دون ساتر يسترهم فكان الرجال يطوفون في النهار والنساء في الليل.
الثاني/ ان جماعة من الناس قبل الاسلام وكذلك بعده كانوا يدعون الزهد في الدنيا وكان مصداق الزهد عندهم وعنوانه ترك كل ما تتلذذ النفس به من مطعم ومشرب وملبس ومنكح وطيب واموال وغير ذلك ظناً منهم ان الزهد ان لا تملك شيء وفاتهم انه لا يملكه شيء كما قال ذلك امير المؤمنين
(ع)، فجاءت الاية تمثل رداً على اولئك من ان الحرام هو ما حرمه الله تعالى لحكمته ولعلمه بعواقب الامور، ومن يترك شيء من المباحات فضلاً عن المستحبات بداعي ونية التحريم يكون آثماً ومذنباً ومن المعاقبين.
الثالث/ ان جماعة من الناس كانوا لا يهتمون بالمساجد وتعظيم شأنها ولا يهتمون بحالهم عند دخولها والمكث فيها فكانوا يلبسون الملابس الرثة او التي تنبعث منها الوائح غير الطيبة عند دخولهم وحضورهم الصلاة فجاءت الاية تندب على اخذ الزينة الجسمانية والمعنوية وان امكان فلتؤخذ الزينة في كل مكان وحال، روى العياشي باسناده عن الحسن بن علي (ع) كان اذا قام الى الصلاة لبس اجود ثيابه فقيل له يابن رسول الله لم تلبس اجود ثيابك فقال ان الله تعالى جميل يحب الجمال فأتجمل لربي وهو يقول خذوا زينتكم عند كل مسجد فأحب ان ألبس اجود ثيابي.
الرابع/ انه كان جماعة من الناس وكذلك في هذه الازمان وفي كل زمان كانوا لا يظهرون نعمة الله تعالى عليهم ولا يحدثون عنها بالذكر والشكر بأقوالهم وأفعالهم بل بعضهم ان لم نقل جلهم يظهر خلاف ذلك، والى هذا المعنى وغيره وردت روايات عدة منها:
عن احمد بن ابي عبد الله عن محمد بن علي رفعه قال مرّ سفيان الثوري في المسجد الحرام فرأى ابو عبد الله الصادق (ع) وعليه اثواب كثيرة القيمة حِسان فقال (سفيان) لأتينه ولأوبخنّه فدنا منه فقال له يابن رسول الله والله ما ليس لرسول الله مثل هذا اللباس ولا علي ولا أحد من آبائك فقال ابو عبد الله (ع) كان رسول الله (ع) في زمان قتر مقتر وكان يأخذ لقتره وإقتاره، وان الدنيا بعد ذلك أرخت عزاليها واحق اهلها بها ابرارها ثم تلى (ع) ((قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ....الآية)) فنحن احق من أخذ ما أعطاه الله، يا ثوري ما ترى على من ثوب إنما لبسته للناس وأخرج ثوباً تحت ذلك على جلده غليظاً ثم قال هذا لبسته لنفسي وما رأيته للناس ثم جذب ثوباً على سفيان اعلاه غليضاً خشناً وأدخل ذلك الثوب لين فقال له لبست هذا الاعلى للناس ولبست هذا لنفسك تسترها.
ومنها عن ابن القداح قال كان ابو عبد الله (ع) متكئاً عليّ فلقيه عبد بن كثير وعليه ثياب مروية حسان فقال (اي عباد) يا ابا عبد الله انك من اهل بيت النبوة كان ابوك ما كان فما لهذه الثياب المروية عليك؟ فلو لبست دون هذه الثياب؟ فقال ابو عبد الله (ع) ويلك يا عباد من حرم زينة الله التي أخرج الى عباده والطيبات من الرزق. إن الله عز وجل اذا انعم على عبده نعمة احب ان يراها عليه ليس به بأس.
وفي الدر المنثور أخرج الترمذي وحسنه عن عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده قال قال رسول الله (ص) (إن الله يحب ان يرى اثر نعمته على عبده).
وفي قرب الاسناد للحميري عن احمد بن محمد بن ابي نصر عن الرضا (ع) في حديث طويل قال (ع) لي ما تقول في اللباس الخشن؟ فقلت بلغني ان الحسن كان يلبس وان جعفر بن محمد كان يأخذ الثوب الجديد فيأمر به فيغمس في الماء فقال لي: ألبس وجمّل فان علي بن الحسين كان يلبس الجبة الخز بخمسمئة درهم والمطرف الخز بخمسين ديناراً فيشتو فيه فاذا خرج الشتاء باعه وتصدق بثمنه وتلا هذه الاية ((قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ......الاية)).

المعنى الاجمالي

يخاطب الباري سبحانه وتعالى عباده الصالحين ويدعوهم ويندبهم الى افعال واحوال بها صلاحهم في الدنيا وبها سعادتهم وفلاحهم في الاخرة ومنه ما تؤشر اليه الايتان الكريميتان على ما يظهر منهما: وهو ان تجملوا وحسنوا شكلكم ومظهركم وهندامكم وريحكم عندما تقرعوا باب الملك الجبار المتعال بصلاتكم فتلك الزينة مباحة غير محرمة بل هي محبوبة له سبحانه وتعالى ما لم تتجاوز حد الاعتدال والاستواء فتكون إسرافاً مبغوضاً منه تعالى لا يحب فاعليه ومع ذلك فللذين آمنوا يوم القيامة الطيبات الخالصة من اي شيء منفر ومعكر في العاجل من الزمان او الاجل الكاملة الدائمة غير المقطوعة وغير الممنوعة كل نفس وما تشتيه ولا يشاركهم فيها احد من الكافرين وبها وبغيرها تقر الاعين وتستقر القلوب.

بحث وتطبيق

قالوا ان الحكمة هي وضع الشيء في موضعه واول الاشياء التي ينبغي للحكيم ان يضعها في موضعه هي نفسه بأن يجعلها معتدلة ومستوية في تحصيل مطالبها، ولايجل ذلك وغيره خلق الباري تعالى العقل تلك النعمة والقوة الهائلة فجعله ابتداءاً مهيمناً وحاكماً يستحسن بعض الافعال ويستقبح البعض الاخر قال امير المؤمنين (ع) كفاك من عقلك ابان سبيل غيك من رشدك فبحكم العقل والعقلاء بفعل بعض الافعال وترك البعض الاخر يتمكن الانسان ان يضع نفسه في موضعها، بل الباري تعالى وهوالكريم اللطيف لم يكتف بذلك بل ذكر في كتابه العظيم وعلى لسان رسوله الكريم واهل بيته المعصومين ما يقرب الى هذا الوضع وذكر ما يبعد عنه وينافيه سواء كان ذلك الذكر بتكليف ببعض الافعال وتكليفع بترك البعض الاخر او يندبه الى بعض منها واظهار كراهته تعالى للبعض الاخر وهذه الايات التي نحن بصددها تبين بعض ذلك، ففي الاية الاولى تقول يا ايها الانسان تجملك الجسماني وتجملك بالملابس المرتبة والمنسقة وزينتك بعطرك وألفاظك المتناسقة عند ذهابك الى حبيب وعزيز او لاستقبال مسؤول عظيم هنا في نفسه أمر حسن وجميل ولكن مالكم لا ترجون لله تعالى وقاراً فتفعلوا بعض ما تفعلوه لغيره عند لقاءكم به في الصلاة وهوالخالق والرازق والمحي المميت وغيره الفقير الذليل المحتاج الميت..؟ فخذوا زينتكم عند كل مسجد ولكن كل ذلك في المباح والمحلل لان الله تعالى لا يطاع من حيث يعصى.
وفي الاية الثانية وعلى ما ظهر في مطاوي شرح المفردات رد عظيم وبليغ لأولي الالباب ولمن يلقي السمع وهو شهيد حيث انها مسبوقة بأية تصرخ باعلى صوتها ان الله لا يحب المسرفين وهي متلوة بأية ان الذي حرمه الله تعالى هوالفواحش وما بين هذه وتلك قل من حرم زينة الله ومن حرم الطيبات من الرزق وبملاحظة لا تحتاج الى تجشم الاستدلال نشاهد ان الزينة منسوبة اليه فيظهر ان الزينة لغرض التباهي او لأحراج الغير او التي يطلب بها غير وجه الله تعالى او التي تحصل بأموال محرمة او بأفعال كذلك كل ذلك ليس من الزينة التي ندب الباري تعالى اليها.
وكذلك الطيبات فهي من الرزق المعهود وهو الحلال فترى بعض الناس في هذا الزمان يمنعون حقوق الله سبحانه وتعالى في اموالهم ويقولون قل من حرم ... فيتنعمون وتراهم يمنعون الحق المعلوم للسائل والمحروم في اموالهم ويتبجحون بـ : قل من حرم زينة... فهم يتلفظون بالحق ولكن تصحيحاً لباطلهم، هذه صورة والصورة الاخرى هي التي يرسمها اهل بيت العصمة (ع) لنا فترى أمير المؤمنين (ع) وهو صاحب الاوقاف والمزارع الكثيرة يتصدق بما يملك مع حلية الانفاق ولكنه يلبس ما خشن ويأكل ما جشب مراعاة لعامة المسلمين والمؤمنين في زمانه، وترى ابا عبد الله الصادق (ع) عليه في حال من احواله يلبس الفاخر من الثياب دفعاً للناس لأظهار النعمة الكبيرة والكثيرة التي رزعهم اياها الباري تعالى وكذلك حثاً لهم عند ارتياد المساجد للحق ومراعاة للخلق، وأحكم انت بنفسك على من يظهر النعم العظيمة في جو مشحون بالفقر والفقراء دون مساعدتهم وعلى من رزقه الله تعالى خير الدنيا ويظهر الفقر والعوز في وقت الخير والسعة إظهاراً للزهد وترك الدنيا، يخادعون الله والذين آمنوا...
اللهم اجعلنا من المعظمين لمحّال عبادتك وارزقنا الطيبات واجعلها خالصة لنا يوم القيامة وجميع المؤمنين.