|
حوارات حوار: حيدر الطريحي |
|
|
| لايزال ينبوع
الاصالة يحتفظ باريجه ويصب في نهر الذكريات والمشاهد العذبة . ولا زال
النجفيون يتذكرون تراثهم ويجدون فيه صحة العقول وحديقة للعلم والابداع . وفي اسواق النجف ودكاكينها اول ما يستوقفك عرض بديع من القطع المطرزة او كما يسميها بعضهم (برجم) فيدخلك هذا المنظر الى عالم ملون سحري تطالعك الالوان وتأخذك الى اجواء ملكوتية بعيدا في سماء المدينة المقدسة فتدخلك الى عالم بديع وربيع دائم .. عالم زواره من انحاء البلاد ومن ارجاء المعمورة كافة ترى فيه ما يشد نظرها ودهشتها .. يقوم بهذه المهنة ويمسك عنانها طرازون اكفاء تتلمذوا على ايدي صناع مهرة . تمتاز هذه القطع الفنية المطرزة بكونها تصنع من خيوط حريرية ينسقها الطراز وفق ذوقه الخاص وبأشكال وتصاميم جميلة جداً وبسيطة بنفس الوقت ويتمثل فيها (السهل الممتنع) بوضوح. |
|
تنفرد بهذه المهنة مدينة النجف الاشرف كونها تمثل تراثاً شيعياً اسلامياً
خالصاً وتمتاز هذه المهنة الرائعة بمتانتها ودقة صناعتها وتطريزها. حيث
يبتدأ العمل باختيار الطرّاز لقماشه ، ويفضل الطرّازون قماش (القديفة)
ويختارون لونه وفقاً لموضوع القطعة المطرّزة حيث يكون في الغالب اسود في
القطع ذات الطابع العزائي المتناغم مع اجواء الحزن في عاشوراء ويكون لونها
اخضرعندما تعد للاحتفالات الدينية التي يقيمها محبوا اهل البيت بمواليد
المعصومين(ع). وخلال جولتي بين اصحاب هذه الحرفة النجفية العريقة التقيت الطراز منير الإبراهيمي احد العاملين في هذه المهنة الجميلة وكان لنا معه هذا الحديث: سمعنا كثيرا عن التطريز الاسلامي والطرّازون ، حدثنا عن هذه المهنة ؟ ان التطريز عملية ممتعة برغم صعوبتها. حيث يبدأ العمل بوضع الخطّاط لتصميم معين يمتزج به الذوق الاسلامي النجفي الخالص بالاضافة الى ما طلب منه صاحب
الموكب من آيات قرآنية وعبارات او كلمات يرغب في كتابتها فضلاً عن اسم
الموكب او الهيئة ناهيك عن الأحاديث النبوية او أحاديث أئمة أهل البيت(ع).
وبعد إكمال الخطاط لعمله بوضع تصميمه ..يأتي هنا دور الطرّاز حيث، يحوّل
تلك الخطوط والتصاميم إلى واقع ملوّن جميل. فتبرز هنا مهارة الطرّاز بتحويل
تلك الحروف إلى خيوط حريرية ملموسة وبطريقة فنية بالغة الروعة والجمال
ويعتمد الطرّاز على ذوقه الخاص ومهارته في اختيار الألوان وتنسيقها ومزجها
مع بعضها البعض .. كما أن انسيابية الحرف أو المقطع ودقة تنفيذه تنم عن
مهارة الطرّاز... ويستغرق هذا العمل ساعات طويلة ومتواصلة يبذل فيه الطراز
كل جهده لإخراج ذلك العمل بشكل يناسب ومكانة العمل الحسيني في نفوس محبي اهل البيت(ع).منذ متى وانت تعمل بهذه المهنة ؟ في الحقيقة أنا لا اذكر بالتحديد وقت بدايتي.. ولكنه بالتأكيد منذ أكثر من ثماني سنوات. وكان الطرّازون في تلك الأيام يعانون من مضايقات النظام السابق ومطاردته لهم لان التطريز الإسلامي كان ممنوعاً تلك الفترة ويحاسب الشخص الذي يطرّز هكذا أعمال لذا اضطررنا إلى الادعاء بان عملنا ظاهرياً هو (التطريز النسائي) حتى عنوان المحل كان تحت يافطة (طراز لكافة الملابس النسائية..!! لكن عشقنا لهذه المهنة وايماننا بقضية الحسين(ع) ونشر شعائره دفعنا للمخاطرة بالغالي والنفيس. فكان أصحاب المواكب والهيئات الحسينية يدفعون لنا بطلباتهم لتطريزهذه القطع الحسينية وكان هذا العمل يجري بسرية تامة وحذر شديد . ما هو عمر هذه المهنة ؟ وهل لها جذور تاريخية؟ ان التطريز الاسلامي مهنة نجفية عريقة وضاربة بالقدم .. حتى انني اذكر قطعة حسينية شاهدتها في جامع الترك يعود تاريخها لثلاثينيات القرن الماضي .. وكانت مطرزة بطريقة الاغاباني. وما هو الا غاباني؟ ( الاغاباني) هي تسمية (ايرانية) لنوع من التطريز الاسلامي حيث يعد هذا النوع هو بدايات هذا العمل الابداعي حيث يتم التطريز من خلال ماكنة تعمل يدوياً وبصورة بطيئة حيث توضع (لفة) الخيط على الارض لكبر حجمها ومن ثم
تسحب الماكنة ذلك الخيط بالتدريج .. ويكون خيط الاغاباني عبارة عن ضفيرة من
الخيوط الناعمة ، ويبلغ سمك الضفيرة (سمك عود الثقاب ) وهو سمك كبير قياساً
مع الخيوط الحريرية المستخدمة في ايامنا هذه ويحتاج طرّاز (الاغاباني)
لانجاز عمله يوم أو يومين لإنتاج قطعة حسينية واحدة أما اليوم ومع تطور
المكننة الحديثة .. فقد استعاض الطرازون عن تلك المكائن بهذه الجديدة
واستبدلت تلك الخيوط السميكة بخيوط الحرير ذات الألوان الجيدة والثابتة
أمام عوامل الزمن.قبل قليل ذكرت لي ان عملك يشترك فيه الخطاطون ؟ فمن ابرز أولئك الخطّاطون ؟ لقد كان للخطّاط المبدع (عبد الامير النجفي) الباع الاطول في هذا المجال حيث رفد التطريز النجفي باروع التصاميم واجملها وهو يمتلك خيالاً خلاّقاً يدخلك من خلال تصاميمه الى اجواء الملحمة الحسينية .. كما لا يمكنني ان أنسى الخطّاط المبدع فاضل السلامي . ![]() من هم زبائنك ؟ ان زبائني هم من محبي أهل البيت(ع) ، حيث يتوزع هؤلاء في كل ارجاء المعمورة وبالخصوص البلدان الاسلامية حيث اذكر انني طرّزت قطعاً حسينية للعديد من البلدان الاسلامية ومنها (ايران ، وباكستان ، ودول الخليج العربي كالبحرين والسعودية، وقطر وعمان، فضلاً عن لبنان وسوريا وحتى دول اوربا من الجاليات المسلمة الساكنة هناك حيث ارسلنا قطعاً مطرّزة اليها كـ (بريطانيا ، والسويد والدنمارك واستراليا وغيرها الكثير..) هل مررت بمواقف صعبة اثناء عملك؟ في الحقيقة ان الصعوبة الوحيدة في عملنا هو ارضاء الذوق لان التطريز يتعامل مع اذواق مختلفة وعليه ان يقنعها ويرضيها ، كما توجد هناك صعوبة اخرى عندما يطلب الزبون قطعاً ذات احجام كبيرة .. حيث اذكر انه طلب مني في يوم من الايام قطعة طولها (25م) وهو قياس كبير جداً على ماكنة تطريز يتراوح قطر الابرة التي يطرز بها الطراز مليمات قليلة. وفي يوم طلب مني تطريز (راية) قياس طولها(5م) وعرضها (3م) .. لكن عشقي للحسينA هوَّن كل ذلك في نظري حتى اكملت العمل وصار بالنسبة لي ذكرى جميلة . هل من كلمة أخيرة؟ لايسعني الا ان اشكر جهودكم الطيبة وسعة صدركم وحسن استماعكم لي وانا اتكلم .. دامت بركاتكم ووفقتم لكل خير.
|