حواريات                                     السيد حسين المرسومي                                 

تحدثنا في مواقف سابقة عن الخوف وذكرنا بانه من أفضل الفضائل ،لكن ثمة تأمل بعد ذلك المطلب والكثير من علامات الاستفهام ..!! مفاده هل اقتصرت الشريعة المقدسة في مقام تقويم وإصلاح الإنسان على سوط الترهيب والتخويف فقط وتذكير الإنسان بالنار وما فيها من ويلات ..!!ألا يوجد في هذا المقام غير ذكر العذاب والنار ام هناك سبيل آخر وطريق ثانٍ سلكته الشريعة في إخراج الناس من الظلمات إلى النور ..
سنحاول خلال هذه الحوارية بين والد وولده الاجابة عن كل هذه التساؤلات راجين منه جل جلاله التوفيق والإعانة والعصمة.

الرجاء وحقيقته
علي : السلام عليك يا أبي.
الأب : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
علي: أتأذن لي بالسؤال يا أبي؟
الأب : تفضّل يا قرة عيني.
علي :هل هناك سبيل آخر وطريق ثانٍ سلكته الشريعة في إخراج الناس من الظلمات إلى النور غير ذكر العذاب والنار..؟
الأب: بالتأكيد ياولدي هناك سبيل آخر انتهجته الشريعة
علي : ما هو؟
الأب: سبيل الرجاء يا ولدي.
علي : وماذا تقصد بالرجاء يا أبي؟
الأب: عرف الرجاء بانه (ارتياح القلب لانتظار المحبوب) فإذا خاف الإنسان شيئاً رجا عدمه كالخوف من السلطان وإذا خاف من عدم شيء رجا وجوده كالخوف من عدم الغنى والصحة.
علي: وهل يحصل الرجاء اعتباطاً؟
الأب: اعلم يا بني انه لابد ان تحصل اكثر اسباب حصول المحبوب حتى يصدق اسم الرجاء على انتظاره.
علي: هلاّ أزدتني توضيحاً لهذا الكلام.
الأب: الدنيا مزرعة الآخرة وقلب الإنسان كالأرض والإيمان كالبذرة والطاعات هي الماء الذي تسقى به الأرض فتطهير القلب من المعاصي والأخلاق الذميمة بمنزلة تنقية الارض من الشوك والاحجار والنباتات الخبيثة ويوم القيامة هو وقت الحصاد فينبغي ان يقاس رجاء العبد (المغفرة) برجاء صاحب الزرع (التنمية) فكما ان من ألقى البذر في الأرض الطيبة وساق اليها الماء في وقته ونقّاها من الشوك والاحجار والنباتات الخبيثة ثم جلس ينتظر كرم الله جلّ جلاله مؤمّلا ان يحصل من زرعه على اطنان سُمّي انتظاره رجاء ممدوحاً فكذلك العبد اذا طهر ارض قلبه عن شوك الأخلاق الرديئة وبث فيها بذر الإيمان بماء الطاعات ثم انتظر من فضل الله جلّ جلاله ان يثبته على الإيمان ويرزقه حسن الخاتمة المفضية إلى المغفرة كان انتظاره رجاءً حقيقياً محموداً وكما إذا تغافل الفلاّح عن الزراعة وأخلد إلى الراحة طول السنة او القى البذرة في ارض سبخة مرتفعة عن الماء ولم يتعاهدها بالاصلاح من الشوك وغيره ثم جلس منتظراً ان ينبت له زرع سمي انتظاره حمقاً وغرورا فكذلك من لم يلق بذر الإيمان في قلبه او القاه فيه مع كونه مشحوناً برذائل الاخلاق ولم يسق إليه ماء الطاعات ثم انتظر المغفرة كان انتظاره حمقاً وغروراً وتمنياً باطلاً.
فالنتيجة والخلاصة يا بني ان اسم (الرجاء) انما يصدق على انتظار محبوب تمهدت جميع أسبابه الداخلة تحت اختيار العبد ولم يبق الا ما هو خارج عن اختياره وهو فضل الله جلّ جلاله بصرف ودفع العوائق والقواطع والمفسدات.
فضل الرجاء
علي : هل ورد في الرجاء مدح في الشريعة المقدّسة؟
الأب: إعلم يا بني ان ما ورد في مدح الرجاء على ضربين الضرب الأول يمدحه مطلقاً وهو أمر قد يدفع كثيراً من البسطاء إلى الاغترار بالركون إلى هذه النصوص في الرجاء بلا عمل والضرب الثاني قُيد فيه الرجاء بالعمل وإنه لا معنى للرجاء بدون العمل ومن المعلوم يا بني ان المطلقات في الشريعة تحمل على المقيدات فلابد من حمل الضرب الأول على الثاني.
علي : ما هو الضرب الأول يا أبي؟
الأب: الضرب الأول طوائف من الروايات نكتفي لكل طائفة بنص واحد.
الأولى: ما ورد في النهي عن القنوط واليأس من رحمة الله جل جلاله كقوله جل جلاله (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ).
الثانية: ما ورد في الترغيب في الرجاء وأنه سبب النجاة كما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) (إن رجلا يدخل النار فيمكث فيها الف سنة ينادي يا حنان يامنان فيقول الله لجبرئيل: اذهب فأتني بعبدي فيجيء به فيوقفه على ربّه فيقول الله له: كيف وجدت مكانك فيقول شر مكان فيقول: رده إلى مكانه قال: فيمشي ويلتفت إلى ورائه فيقول الله عزوجل: إلى اي شيء تلتفت فيقول: لقد رجوت الا تعيدني إليها بعد إذ اخرجتني منها فيقول الله تعالى: إذهبوا به إلى الجنة).
الثالثة: ما ورد في استغفار الملائكة والانبياء على نبينا وآله وعليهما الصلاة والسلام للمؤمنين كقوله تعالى : (وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الْأَرْضِ).
الرابعة: ما ورد في تأجيل المذنب إلى ان يستغفر كقول الإمام الباقر (عليه السلام) (إن العبد إذا اذنب أجل من غدوه إلى الليل فإن استغفر لم يكتب عليه).
الخامسة: ما ورد في شفاعة النبي (صلى الله عليه وآله) كما روي عنه (صلى الله عليه وآله) (أوفرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي).
السادسة: ما ورد من ان النار أعدّها الله للكافرين وإنما يخوف بها اولياءه كقوله تعالى: (وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ).
السابعة: ما ورد في سعة عفو الله جل جلاله ومغفرته ووفور رحمته كقوله جل جلاله: (إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ).
الثامنة: مادل على ان ابتلاء المؤمن في الدنيا بالبلايا والامراض كفارة لذنوبه كما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) الحمى من قيح جهنم وهي حظ المؤمن من النار).
التاسعة: ما ورد في الترغيب على حسن الظن بالله كقوله5 يقول الله تعالى: (أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء). وغيرها من الطوائف كالمبشرات للمؤمن ونحوها اعرضت عن ذكرها مخافة التطويل.
علي: افأتكل على الرجاء يا أبي واترك العمل؟
الأب: وهل سهوت يا ولدي عن الضرب الثاني الذي قلت لك انه قيد الرجاء بالعمل.
علي: وماذا ورد فيه.
الأب: ما ورد في الضرب الثاني دل على ان رجاء المغفرة والعفو والرحمة إنما هو بعد العمل وهو نصوص كثيرة كقوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ) وقول النبي (صلى الله عليه وآله): (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والأحمق من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الجنة) وروي عن الصادق (عليه السلام) انه قيل له قوم يعملون المعاصي ويقولون نرجوا فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم الموت فقال (عليه السلام) (هؤلاء قوم يترجحون في الأماني كذبوا ليسوابراجين ان من رجا شياً طلبه ومن خاف من شيء هرب منه).
وروي عن الإمام علي الهادي (عليه السلام) أنه قال: (لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يكون خائفاً راجياً ولا يكون خائفاً راجياً حتى يكون عاملاً لما يخاف ويرجو).
الخوف والرجاء
علي : نتيجة كلامك اليوم يا أبي ان الشريعة قوّمت الإنسان بالرجاء ونتيجة المجالس السابقة انها عالجته بالخوف فهل من ضابطة لهذا الأمر؟
الأب: قد عرفت يا بني ان الخوف والرجاء محمودان لكونهما باعثين على العمل ودواءين يداوى بهما امراض القلوب ففضل كل منهما إنما هو بحسب ما يترتب عليه من فائدة العمل ومعالجة المرض وهذا يختلف باختلاف الاشخاص فمن كان تأثير الخوف في بعثه على العمل اكثر من تأثير الرجاء فيه فالخوف له اصلح من الرجاء ومن كان بالعكس فبالعكس ومن غلب عليه مرض الأمن من مكر الله والاغترار به فالخوف له اصلح ومن غلب عليه اليأس والقنوط فالرجاء له اصلح ومن انهمك في المعاصي فالخوف له اصلح ومن ترك ظاهر الإثم وباطنه وخفيّه وجليّه فالأصلح له ان يعتدل خوفه ورجاؤه.
علي: وهل ذكرت هذا الشريعة المقدسة؟
الأب: روي عن امير المؤمنين (عليه السلام) انه قال لبعض ولده: (يا بني خف الله خوفا ترى انك ان أتيته بحسنات اهل الأرض لم يتقبلها منك وارج الله رجاء كانك لو اتيته بسيئات أهل الارض غفرها لك) وروي عن الإمام الباقر (عليه السلام) (ليس من عبد مؤمن الا وفي قلبه نوران نور خيفة ونور رجاء لو وزن هذا لم يرد على هذا وقد جمع الله سبحانه بينهما في وصف من اثنى عليهم فقال: (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا) وقال: (وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا). وعن الحارث بن المغيرة قال: قلت للصادق (عليه السلام) ما كان في وصية لقمان قال (عليه السلام): كان فيها الأعاجيب وكان أعجب ما كان فيها ان قال لابنه خف الله عزوجل خيفة لوجئته ببر الثقلين لعذبك وأرج الله رجاء لوجئته بذنوب الثقلين لرحمك) وقال (عليه السلام): (الخوف رقيب القلب والرجاء شفيع النفس ومن كان بالله عارفاً كان من الله خائفاً وإليه راجياً) والحديث طويل.
علي : أراني اثقلت عليك فأرجو ان تسامحني.
الأب: ما أنت يا بني الا مؤمن عامل بتكليفه من السؤال عمّا أبهم عليه من امر دينه فجزيت خيرا وبورك فيك.
علي: والآن أتأذن لي في الانصراف؟
الأب: تفضل يا بني.
علي: السلام عليكم.
الأب: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته