مقالات                        الشيخ عبد الرزاق فرج الله الاسدي

الأطروحة التربوية

                                       للزهد في الإسلام

بسم الله الرحمن الرحيم
(قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ {الأعراف/32})

قد يقول القائل: بما ان مفاد الآية الكريمة هو الحث على التمتع بنعم الله عزّوجل، وجميع سبل الرفاه والراحة التي هيأها الله في الحياة الدنيا، فكيف نوفق بين هذا المفهوم وبين النصوص التي حثت على الزهد، واعتبرته نظاماً اخلاقيا في سلوك الإنسان المؤمن؟
نقول في إيضاح الجواب على هذا التساؤل: ان الزهد يعتبر احد اركان الوعي الإسلامي من حيث أهميته ونتائجه التربوية في حياة الفرد والأمة، وذلك بعد معرفة معناه لغة واصطلاحاً، بما يحدد إطروحته التي تنسجم مع مفهوم النعمة وحق التمتع فيها.
معنى الزهد
أمّا معناه لغة: فهو يعني الترك، والإعراض والقلة، تقول : زهد فلان في الشيء اي تركه وأعرض عنه وقلل من وجوده وأهميته.
معنى الزهد اصطلاحاً
وأمّا معناه اصطلاحاً: فللزهد إطروحتان: الأولى: الإطروحة المتحنثة، التي تعني ترك حلال الدنيا واللجوء إلى التحنث والإنقطاع التام عن الدنيا، والتضحية بجميع متطلبات الغريزة التي أودعها الله عزوجل في الإنسان، ويلازم ذلك الإنطواء والإنقطاع عن المجتمع، والخروج عن إطار الحركة الطبيعية للحياة. وقطعا أن مثل هذا الزهد مرفوض إسلامياً، لأنه قد يكون مانعا عن أداء الواجب الإسلامي وليس ناتجا عنه كما قد يتصور، فإذا شكل هذا الزهد عقبة في طريق العمل للإسلام والأمة، فهو زهد حرام لا تقره الشريعة.
الثانية: الإطروحة المطابقة للوعي الإسلامي، وللفكرة العامة، التي لا تخطي النظرية الإسلامية للزهد في القرآن الكريم ونصوص أهل البيت (عليهم السلام) ، لإنسجامها ـ دائماً ـ مع طرق الحفاظ على المصلحة الإسلامية التي تتفق مع مصلحة الأمة.
وعلى هذا الأساس، فإن ترك اللذة بمنطق هذه الأطروحة، يصب في إطار المصلحة الإسلامية والإجتماعية، وفي ما يقتضيه المنهج التربوي للأمة، وذلك وفق المفاهيم والمقتضيات التالية:ـ
أولاً: إن الإنسان المؤمن لا كغيره من الناس، إذ ان الله عزّوجل قد تعاهده بأشكال عدّة من البلاء والإمتحان، وفي هذه الحالة فهو يحتاج إلى عملية ترويض للنفس على تحمل الشدائد والصعاب والمشاق.
قال الإمام الصادق (عليه السلام): (إن الله تعالى ليتعاهد المؤمن بالبلاء، إما بمرض في جسده، أو بمصيبة في أهله أو ماله، أو مصيبة من مصائب الدنيا ليؤجره عليها) بحار الأنوار: 81 / 198.
وقال (عليه السلام): (ما من مؤمن إلا وهو يُذكر في كل أربعين يوما ببلاء، إما في ماله، أو في نفسه، فيؤجر عليه، أو هم لا يدري من أين هو). فلكي لا تختلف في حياته الأحوال، ولا تحرفه الحالات الإستثنائية التي يمر بها، عن أهدافه وغاياته الرسالية، فقد احتاج إلى هذا المنهج التربوي على ضوء قوله عزّوجل : (لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم). فقد ورد عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) قوله : (الزهد كله بين كلمتين من القرآن، قال الله تعالى : لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما أتاكم، فمن لم يأس على ما فاته ولم يفرح بما أتاه فقد أخذ بطرفيه) ـ أي بطرفي الزهد ـ . فمن أجل الحفاظ على ثبات شخصية الإنسان المؤمن وسلامتها من الإهتزاز والتزلزل والإحباط في أداء الواجب الرسالي، لابد من ترسيخ هذا المفهوم الإسلامي للزهد، وهو: استواء حالات الشدّة والرخاء، والتعب والراحة، والمصاعب والسهولة، والمآسي والأفراح في نفسه.
ثانياً: في كثير من الأحيان تكون الملاذ الدنيوية وكثرة الإمتلاء من عرض الحياة الدنيا، عاملاً من عوامل البعد والصدود عن الله عزوجل. فإذا ما شعر الإنسان المؤمن بنوع من الخمول الروحي، وفتور حرارة الصلة بالله تعالى، فعليه ان يقتصر على ما تمس إليه الحاجة من المأكل والملبس، بل حتى على مستوى مزاملة اهل الغنى والثراء. كما ورد في الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) (اياكم ومجالسة الموتى)، قيل : يا رسول الله، من الموتى؟ قال : (كل من أطغاه غناه) مجموعة ورام : 2 / 32. ثالثاً: من المقتضيات لإلتزام الزهد، هو شعور الإنسان المؤمن بمعاناة الطبقة المحرومة من المؤمنين وصعوبة عيشهم، فيقتصر على الحاجة الضرورية، ويترك عملية الإلتذاذ بمتع الحياة الدنيا، توفيرا لما يسدّ به حاجة إخوانه، بحكم مبدأ التكافل الإجتماعي. وقد أراد الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) ترسيخ هذا المفهوم في نفس الأمة من خلال قوله: (أأبيت مبطانا وحولي أكباد حرّى وبطون غرثى) وقولهA: (ولو شئت لإهتديت إلى مصفى هذا العسل ولباب هذا القمح، ولكن هيهات ان يغلبني هواي او يقودني جشعي إلى تخير الأطعمة، ولعل في الحجاز أو اليمامة من لا طمع له بالقوت ولا عهد له بالشبع). فبهذه المبررات الثلاثة يتبلور مفهوم الزهد المطابق للواقع الإسلامي والمفاهيم الرسالية، والنابع عن الفكرة الإسلامية، وعن حجم الواجب الملقى على عاتق الإنسان المؤمن تجاه الرسالة والأمة، ولهذا الزهد على مستوى التكليف الشرعي مقتضيان:
الأول: الزهد وترك اللذة عند المقتضي الوجوبي والإلزامي، حيث توجب المصلحة الإسلامية على المؤمن ان يترك ما يزيد على الحاجة الملحّة، بحكم مقتضيات الواجب الذي يحمله، بحسب موقعه في الأمة، وحجم مسؤوليته في الحياة، فيكون المكلف بهذا الشكل من الزهد عند المقتضي الإلزامي على ثلاثة مستويات:
أـ مستوى الإنسان العادي المكلف بالواجبات الاعتيادية ـ كالصلاة والصيام وغيرها من الواجبات، التي قد تملي عليه نوعاً معيناً من الزهد، بما يقتضيه الإلتزام بهذه الواجبات كما ذكرنا في النقطة الثانية من المفاهيم والمقتضيات.
ب ـ مستوى المفكر والداعية الإسلامي، الذي يحمل على عاتقه مسؤولية نشر الإسلام وتبليغ الرسالة، والقيام بمهمات تعرضه لمحن ومصاعب ومتاعب، فإن هذه المسؤولية تجعله يتحمل من الزهد أكثر مما يتحمله المستوى الأول.
ج ـ مستوى رئيس الدولة، بإعتبار ان مسؤوليته أضخم وأكبر، فهو يضحي بكل ملذاته وراحته في سبيل رسالته التي لابد ان يتسع لها قلبه وفكره وصبره، حيث تملي عليه المصلحة الرسالية ان يأكل من الطعام ما جشب، ويلبس من الثياب ما خشن، تبعا لشعوره بالمسؤولية، ويضيق المجال عن ذكر الشواهد التأريخية من حياة الرسول (صلى الله عليه وآله) والإمام علي (عليه السلام) والقادة المسلمين، فيترك ذلك للمطالع الكريم.
الثاني: الزهد وترك اللذة عند المقتضي الإستحبابي، أي ما ينبغي للإنسان المؤمن أن يضعه على ذهنه من سائر الإحتمالات السيئة التي قد تعترضه في حياته، فعليه ترويض نفسه لملاقاة ما يتوقعه بصبر واحتساب وإن لم يكن واقعاً فعلاً. وهذا أدنى ما هو مطلوب من الزهد، ولكن لا على حساب الواجبات والإلتزامات التي تحتاج إلى حوافز ومشجعات من نعم الله عزوجل ومواهبه للإنسان (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ {الأعراف/32}) وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 مقالات                      سليم الجصاني

أتباع أهل البيت(عليهم السلام)

                                          منتج حقيقي للحضارة الإسلامية

سياسة التجهيل منهجية اعتمدتها الحكومات التي تعاودت على سكان وادي الرافدين ولاسيما الباحة الوسطية والجنوبية لسهل الفراتين، وتحديداًَ ضد مكوّن واحد من مكونات هذا البلد العريق. والتجهيل الممنهج ليس على وفق ما يصوره البعض من أنه حالة متجذرة في سكان هذه المناطق المنتمية إلى العراق بمدنه وأهواره التي حملت اسرار الحضارات .
بساتينه التي أطعمت الأجيال البشرية ،وعذب مائه الذي روّي التاريخ، وبسالة رجالاته التي جعلت من دمائها مداداً تدوّن به ثقافة السماء وحكايات الأنبياء وطراوة أحاديث الإمامة فضلاً عن عفة نسائه التي ألبست هذه الأرض حياءً وخلقاً. ودليل ما نذهب إليه من ان هذا الشعب الذي قطن الوسط والجنوب هو شعب يحمل معلوماتية عالية ومهنية متألقة هو ما أنتجه من حضارات، فحضارة سومر التي علّمت البشرية الكتابة وحضارة بابل التي علّمت المجتمعات الإنسياق نحو تفعيل القوانين والتمدن وغيرهما حضارات لم تنشأ في وسط الجزيرة او الخليج، حتى مدن أوربا لم تستطع ان تنجب ذلك. وتفرد ابناء هذا المناطق بانجاب اولى حضارة عرفها التاريخ وسجلتها حروف نحتت في ثنايا هذه الأرض وتلالها. وقبل سومر وبابل كانت الأهوار التي تمتد إلى أكثر من خمسة عشر ألف سنة لتتوغل في عمق التاريخ. ولا نذهب بعيداً إلى العصور التي سبقت الإسلام ولنتناول الحقب الإسلامية بشيء يسير من امعان النظر لنجد ان جلّ الدراسات والأساسات واللبنات الأولى للعلوم قد نشأت في هذا المنبع ابتداءً من إرساء الحدود النحوية ووضع المعايير الصرفية والتقعيد الصوتي ووصولاً إلى علم الكيمياء والفلك والحديث والفقه وغيرها: فالمصنفات على اختلافها تجمع على ان علوم العربية نشأت في البصرة والكوفة ولم تنشأ في الشام او مصر او نجد او اليمن او غيرها وكذلك الأمر فيما يتعلق بنشوء الآراء الفقهية وفتح باب الإجتهاد وتعدد المذاهب الناتج عن رقي هذا العقل الذي راح يرصد الظوهر الفقهية والأصولية والفلسفية لينتج آراءاً شكلت فيما بعد ما يصطلح عليه بالمذاهب او المدارس، حتى ان أبناء هذا البلد قد سبقوا الدول المتحضرة في عصرنا هذا التي دعت إلى تعزيز الديمقراطيات واحترام حقوق البشر، وابو الأسود الدؤلي والفراهدي والكسائي والفراء وثعلب وغيرهم قد ارتضوا لانفسهم العيش في هذا المصر وجعله مدرسة علمية لهم لما وجدوا فيه من خزين ثقافي تأتي في بيئته وكونه مفصلاً لتعارف الثقافات والقوميات المختلفة، وهذا مما لم يجدوه في أي مصرٍ آخر، وقد وجد فيه الإمام علي موطناً لتفتق العلوم الأمر الذي حدا به (عليه السلام) إلى نقل الخلافة من المدينة المنورة إلى الكوفة.
بعد يسير ما ذُكِر من حقائقٍ لا تنكرها ذاكرة الدول والمكتبات والشواهد الملموسة أولت الدكتاتورية المهزومة جل جهدها للنيل من أبناء هذه المناطق من خلال وسائلها المختلفة وإظهار أبنائه بأنهم يعيشون حالة من الجهل والفراغ الذهني ،أناس شغلتهم النزاعات القبلية بعيدين كل البعد عن المدنية محاولين دون جدوى إخفاء ضوء الشمس بجماجمهم الخاوية ، وهو أمر ينساق وفقاً لمفهوم (عداوة السفهاء للعلماء والأشرار للأخيار فهو طبع لا يستطاع تغييره).
يجحدون فضل اتباع اهل البيت (عليه السلام) في تفضلهم بما وهبوا للبلد. فالآخرون وهبوه الحروب والدماء والخراب والفقر، وهذا هو ديدن آبائهم من قبل. وهو وهبنا المال والنفط وسهل رسوبي بما ينعم من خير وهوية ثقافية ضمتها حضارتنا ووهبناه ثقلاً سكانياً لا يتزحزح عن الأرض ممن اعتنقوا نهج الإسلام الأصيل ونهلوا من عذب رفعة محمد(صلى الله عليه وآله)