|
إنّ جلّ الدارسين من الآثاريين والباحثين عن الحقيقة
يؤكدون على أهمية الوثيقة التأريخية من آثار او منحوتات في الكهوف
والمغارات وفي دراسة اي شعب من الشعوب او القبائل. فالوثيقة التأريخية لها
قوة دلالية وإشارة دقيقة على وجود ذلك الشعب أو الثقافة السائدة والقيم
المعتمدة عندهم بعد دراسة الوثيقة وتفكيك شفراتها ومعرفة تأريخها والحقب
الزمنية السابقة واللاحقة لحضارة وثقافة ذلك الشعب موضوع الدراسة ... ومن
دون تلك الوثيقة او مجموعة العناصر الآثارية بمختلف اشكالها التأريخية من
نقود أو آثار او وسائل حربية او رسومات على الكهوف ... من دون هذه الأمور
يجد الباحث او دارس الحضارات امراً عسيراً او صعباً التأكيد عليه، فضلاً عن
الإيمان بوجود دور حضاري لهم... ان العلوم الطبيعية كانت تضفي على الفكرة
السببية طابعاً تأريخياً أو زمنياً لأن السبب ينظر إليه على أنه (السابق
المتكرر أو الدائم) وأخذت علوم إنسانية كثيرة فكرة التفسير التأريخي فأصبح
من الضروري من أجل فهم أية ظاهرة أو دراسة اي شعب من الشعوب حضارةً وسلوكاً
وإنتاجاً مادياً آخراً لابد من الرجوع إلى سوابقها الماضية ... كما أصبح
النقاد والأدباء والفنانون يفسرون عمل الكاتب من خلال تاريخ حياته ... أي
ان التاريخ وآثار الماضي ما لبثا متغلغلين في كل شيء.
لكن بعد هذه المقدمة نرى ان القرآن الكريم قدم لنا اخباراً شتى عن قرى ومدن
وشعوب انكرت نعمة الله وجحدت آلاءه وقتلت الأنبياء وطغت في الأرض فجاءها
عقاب الله بياتاً. كقوله: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ
وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ
وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ
{الأعراف/96}) وقوله (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ
بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ {الأعراف/97}) (أَوَ أَمِنَ أَهْلُ
الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ
{الأعراف/98}) وقوله تعالى (أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن
قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ
وِأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم
بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُواْ
أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ {التوبة/70}) صدق الله العلي العظيم.
من خلال الإطلالة الفكرية على تلك الآيات وهناك آيات أخرى لا يتسع مجال
الدراسة لذكرها وهي في سورة هود ويونس والكهف والنحل ومريم وطه والأنبياء
والأسراء والحج وغيرها تؤكد بدلالة قاطعة على عمق الانذار الإلهي الذي يتسم
بالجد والصرامة من خلال الأنبياءF والذين يتلقون الوحي والإلهام من الله جل
شأنه... لكن الأخبار والقصص القرآني لكل الأمم البائدة التي أخبرنا القرآن
الكريم عنها وعن سلوكها وطغيانها تلك الأخبار تتسم بالدلالة العميقة
والإشارة الموحية لكل من يقرأ القرآن ويمر بقصص وأخبار الأقوام والشعوب
البائدة من دون ان يطالب بوثيقة او دلالة تؤكد على وجود تلك الأقوام في
فترة من فترات التاريخ الإنساني لأن اخبار القرآن ليس كأخبار الناس واصحاب
الملاحم والاساطير وانما هو نص الهي من لدن حكيم خبير لا يأتيه الباطل من
بين يديه ولا من خلفه ... فلا يعني انعدام الوثيقة التاريخية من آثار او
عُمَل نقدية او وسائل حربية لجميع الامم البائدة التي أخبرنا القرآن الكريم
عنها إنها لا أصل لها ولا دليل عليها فعدم وجود الدليل لا يؤكد دوماً على
عدم وجود المدلول عنه لأن العلاقة السببية من العلة والمعلول قد ذهب بها
العقاب الإلهي وتوالي الدهور وتعاقب القرون.. ان الأخبار عن الامم والشعوب
البائدة أرادها الله سبحانه وتعالى ان يكون لها فهماً إيجابياً عميقاً في
نفوس المؤمنين ليزدادوا إيماناً وقناعةً بأن الله سبحانه وتعالى صادق في
وعده ووعيده جادٌ فيما أخبر به انبياؤه (وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ
إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ * مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا
وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ {الحجر4/5}).
ان تصور آيات الله العظيم في الأخبار عن الأمم والقرى التي دوماً ما تشكل
درساً على قدرة الله على العقاب الصارم الذي لا يبقي ولا يذر وكأن الدلالة
التي نستوحيها من أخبار اهلاك القرى والشعوب البائدة كقوم نوحA توحي من
خلال الأخبار بفشل تلك الأقوام تأريخياً وإنسانياً وخسارتهم بعدم فهم عمق
الفرصة التي منحها اللطف الإلهي لتلك الأقوام التي اختارت الطغيان على
التعقّل والتواضع فكان العقاب الإلهي وزوال تلك الأقوام الطاغية، وهذا
العقاب المتواصل لا يشكل تراكماً تدريجياً لشعوب وأقوام تتجدد... بل كانت
دروساً بالغة لمن أراد ان يتجاوز ذاته ويحقق غاية الخلافة الإلهية على
الأرض... ومعظم آيات الأخبار في القرآن الكريم توحي بالموقف السلبي والشائن
لكثير من القرى والأقوام التي كانت هدفاً لعقاب الله سبحانه وتعالى بسبب
تعنتهم وطغيانهم ونكرانهم لأمر الله تعالى فضلاً عن شركهم. كقوله تعالى
(مَا آمَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ
{الأنبياء/6}).
ان وضوح الرؤية وعمق الدلالة وقوة النص القرآني في أخباره وقصصه يعطي
نموذجاً مصوراً وواقعاً معاشاً في ذات الإنسان الذي يتأمل في اخبار القرآن
فكأنه يرى مسرحاً أمام عينيه وفي قلبه تتمسرح عليه قصص الشعوب المعاقبة لما
يكتنزه الخبر في القرآن من قوة الأثر وعمق الإشارة وسطوة الدلالة
الروحية... |