مقالات                                                  الشيخ محمد رضا الدكسن                                 

الحج هو حسن السعي إلى معالم المعبود ومشاعره وإتيان مراسم العبودية فيه بولهٍ وعشق وانقطاع ..كيف لا وهم يقصدون بيتا جعله الله مباركاً وهدى للعالمين واستعبد الله به خلقه ليختبر طاعتهم في اتيانه فحثهم على تعظيمه وزيارته وجعله محل أنبيائه وقبلة للمصلين له.
بيت من نظر إليه لم يزل تكتب له حسنة وتمحى عنه سيئة حتى ينصرف بصره عنه..

الحج: هو القصد والسعي إلى شيء غلب
في اصطلاح الكتاب والسنة والمسلمين على القصد إلى بيت الله تعالى لإتيان أعمال خاصة في أوقات مخصوصة وينبغي تقديم أمور: الأول: حسن السعي إلى معالم المعبود ومشاعره وإتيان مراسم العبودية فيها من فطريات كل عابد بالنسبة إلى معبوده ولا تختص بملة دون أخرى والشوق إلى معالم المحبوب فطري لكل حبيب وإلا لكان في أصل الحب خللاً وتكون دعوى المحبة باطلة ولذا كان البيت المعمور في السماء الرابعة مزدحماً بالملائكة بحيث كل من طاف منهم حوله مرة لا تصل إليه النوبة مرة أخرى إلى الأبد، والكعبة المقدسة مزدحمة بطواف الملائكة والمسلمين من البشر وهم يسعون إليها بولهٍ وعشق وانقطاع ويرون جميع المتاعب خفيفةً في جنب الوصول إلى أهم معالم ربهم ومشاعره ولا يزال في ازدياد عاماً بعد عام وبيت المقدس مقصد أهل الكتاب وهناك معالم أخرى موجودة في ظهر الأرض يقصدونها العباد ولقد كان الطواف حول البيت العتيق وهذا المحل الرفيع قبل هبوط آدم وخلقه .. ففي الصحيح عن الصادق (عليه السلام): لما أفاض آدم من منى تلقته الملائكة فقالت: يا آدم بر حجك فإنا قد حججنا هذا البيت قبل أن تحجه بألفي عام)).
الثاني: كل ما ضبطته الكتب في فضل البيت العتيق والطواف حوله والوقوف في تلك المشاعر العظام ليس إلا كقطرة من البحر ولمعة من الشمس : وماذا يقال في بيت جعله الله مباركاً وهدى للعالمين واستعبد الله به خلقه ليختبر طاعتهم في اتيانه فحثهم على تعظيمه وزيارته وجعله محل أنبيائه وقبلة للمصلين له، فهو طريق يؤدي إلى غفرانه منصوب على استواء الكمال ومجمع العظمة والجلال خلقه الله قبل دحو الأرض بألفي عام فأحق من أطيع في ما أمر وانتهى عما نهى. وماذا يقال: في بيت من نظر إليه لم يزل تكتب له حسنة وتمحى عنه سيئة حتى ينصرف بصره عنها وماذا يقال في بيت احد أركانه يمين الله في أرضه يصافح بها خلقه وأنه باب من أبواب الجنة لم يغلقه الله تعالى منذ فتحه وأن عليه ملك موكل منذ خلق الله السموات والأرض ليس له عمل إلاّ التأمين على دعائكم وعنده نهر من أنهار الجنة تلقى فيه أعمال العباد عند كل خميس وقال نبينا الأعظم5 ((وما أتيت الركن اليماني إلا وجدت جبرائيل قد سبقني الله يلتزمه وفي ركن آخر حجر استودع الله تعالى فيه ميثاق عباده اذ أخذ ميثاقهم)) كما في قوله تعالى: ((وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ)) الأعراف172.
الثالث: تشريع الحج كان بعد هبوط آدم بمباشرة جبرئيل ففي خبر أبي ابراهيم عن أبي عبد الله (عليه السلام): ((لما بلغ الوقت الذي يريد الله عزّوجل أرسل إليه جبرئيل، فقال: السلام عليك يا آدم الصابر لبليته التائب عن خطيئته ان الله عزّوجل بعثني إليك لأعلمك المناسك التي يريد الله أن يتوب بها عليك فأخذ جبرئيل (عليه السلام) بيد آدم (عليه السلام) حتى أتى ربه مكان البيت ..) والأخبار كثيرة في ذلك. وقد واضب النبيون على الحج بعد أبيهم آدم (عليه السلام)، قال أبو الحسن (عليه السلام) (أن سفينة نوح كانت مأمورة طافت بالبيت حتى غرقت الأرض ثم أتت مني في أيامها. وأما ابراهيم واسماعيل (عليهما السلام) فلقد تحملا المشاق في الحج وتشعير المشاعر بما ذكر في القرآن وفضل ذلك في الروايات المستفيضة بين الفريقين.
قال الإمام الصادق (عليه السلام): أمر الله عز وجل ابراهيم (عليه السلام) ان يحج باسماعيل معه فحجّا على جمل أحمر وما معهما إلاّ جبرئيل والخبر طويل فالتشريع وقع ثانياً اهتماماً للقضية بالوحي السماوي وأمين الوحي والنبي الخليل وقد تقدم في سفينة نوح التي كانت مأمورة.
وقال أبو جعفر: (حج موسى بن عمران ومعه سبعون نبياً من بني اسرائيل خطم ابلهم من ليف يلبون وتجيبهم الجبال وعلى موسى عبائتان قطوانيان يقول لبيك عبدك وابن عبدك).
ومرّ يونس بن متي بصفائح الروحاء وهو يقول: لبيك كشاف الكرب العظام لبيك ومرّ عيسى بن مريم بصفائح الروحاء وهو يقول: لبيك عبدك وابن أمتك لبيك ومرّ محمد (صلى الله عليه وآله) بصفائح الروحاء وهو يقول لبيك ذا المعارج لبيك. وعن أبي جعفر (عليه السلام) ان سليمان بن داود قد حج البيت في الجن والانس والطير والرياح وكسى البيت القباط وعنه (عليه السلام) أيضاً: صلى في مسجد الخيف سبعمائة نبي وأن ما بين الركن والمقام المشحون بقبور الأنبياء والمستفاد من مجموع الأخبار المستفيضة في الحج أن تشريعه وقع ثلاث مرات.
الأول بعد هبوط آدم، والثاني في زمان النبي الجليل ابراهيم الخليل، والثالث بعد بعثة نبينا الأعظم (صلى الله عليه وآله). نعم ان حج التمتع وقع في حجة الوداع ولم يفصل أحكام الحج والعمرة من نبي ولا وصي نبي كما فصله خليفة رسول الله جعفر بن محمد (صلى الله عليه وآله) قال أبو حنيفة لولا جعفر بن محمد (عليه السلام) ما علم الناس مناسك حجهم.
الرابع: ان سفر الحج كما هو من الأسفار الجسمانية هو سفر روحاني أيضاً لأنه الوفود إلى الله عزوجل. وأهم الأمور في هذا السفر:
1ـ التوبة عن المعاصي قبله وحين التلبس به.
2ـ وملازمة الهدوء والسكينة.
3ـ الاهتمام بالواجبات .
4ـ ترك المحرمات.
5ـ الانقلاع عن المعاصي.
6ـ الانقطاع إلى رب الخلائق والتخلق بأخلاق الله.
كما ان من أهم الأمور النوعية التي لابد للحجاج مراعاتها:
1ـ إظهار محاسن الآداب ومكارم الأخلاق وليس المراد بذلك كف الأذى عن الناس فقط بل المراد هو تحمل الأذى حتى يصير جميع أهل الجمع كنفس واحدة.
2ـ سعي الناس لقضاء الحوائج بعضهم عن بعض فإن لذلك فضل عظيم في هذا الجمع وقد سئل أبي عبد الله (عليه السلام) ذات يوم: اما إذا قدمنا مكة ذهب أصحابي يطوفون ويتركوني احفظ متاعهم قال (عليه السلام) : أنت أعظم أجراًَ. وقال (عليه السلام): من أماط أذى عن طريق مكة اتي الله له حسنة ومن كتب له حسنة لم يعذبه. هذا ما ذكره المقدس السبزواري (قده) في مهذبهِ.
وفي الختام أسأل المولى العلي القدير ان يمن علينا وإياكم بحج بيته الحرام في عامنا هذا وفي كل عام إنّه نعم المولى ونعم النصير.