مقالات                 رئيس جمعية نحالي النجف: منتصر صباح الحسناوي

 

كرّم الله سبحانه وتعالى النحـل بالوحـي وجعل فيما يخـرج من بطونها شفـاء للناس وجعله سبحانه من طعام أهل الجنة،وبلغ هذا التكريم عظمته حين خصص الله عز وجل سورة في القرآن عرفت بإسم سورة النحل، ومن خصائص الدين الإسلامي انه لا يتعارض مع العلوم التجريبية بل انه يدعو للنظر في ملكوت السماوات والأرض والتبصر في خلق الله وبدائع صنعه.

 

العلاج بالعسل
يمكننا القول بأن تاريخ العلاج بالنحل بدأ في أول يوم وجد فيه الإنسان نفسه في مواجهة مباشرة مع مستعمرة النحل،اللقاء الأول كان دون شك مؤلما ،لكن رغم ذلك شكرا للسعات النحل ! فقد لاحظ المريض دون شك بأن قدرته على الجري أصبحت أفضل و تنفسه أصبح أحسن و درجة حرارة جسمه إرتفعت .
كذلك يمكننا تخيل و بروح دعابة ، أن أول ملسوع من النحل هو أول مريض خضع للعلاج بالنحل !
لاحقا اكتشف الإنسان منتجات أخرى للنحل ، خاصة العسل و عذوبته ، الطلع و مرارته ويرقة النحل بطعمها الحامض الأخاذ .
يمكننا تقدير أنه بمجرد شروع الإنسان في إستهلاك هذه المنتوجات و لسعه بإنتظام من النحل بدأ تاريخ العلاج بالنحل وكان العسل طعاماً مفضلاً لدى الناس في كل العصور، فبردية إبـيرز فـي الإهرامات منذ (3500)عام أشـارت إلى استعمـال العسل في علاج الجروح ولإراحة الأمعاء،أما في الأساطير الهندية القديمة تمثلت السماء (فيثو) التي تمنــح الحيــاة للعالم في شكل نحلة تقف على زهرة اللوتس وكان الدواء الذي يهب السعادة للناس ويحفظ الشباب شراب مجملهُ من العسـلِ ،وفي اليونان القديمة يعتبر العســـل أغلى منح الطبيعة وكانوا يعتقدون بأن آلهتهم خالدة لأنها أكلت طعام الآلهة الذي يظن انه يحتوي على العسل ، كما تغنى هوميروس بمدح العسل و بخصائصة الممتازة في ملحمتهِ الإلياذة والأوديسة كما أشار بيليني صاحب الكتاب العظيم والتاريخ الطبيعي إن للعسل خواص شفائية ممتازة، وكان إبن سينا ينصح كبار السن بأكل العسل لإطالـة العمر وحفظ القدرة على العمل و أعتاد القول ( إذا أردت أن تحتفظ بشبابك فأطعم العسل )ولا يقتصر إنتاج النحل على العسل فقط على الرغم من إنهُ المنتج الأهم و الأكثر شهرة فهناك :
1- الغذاء الملكي ROYAL JELLY[1] 2- حبوب اللقاح POLLEN GRAIN 3- شمع النحل BEEWAX 4- صمغ النحــل PROPLIS 5- سم النحل BEEVENOM
وكل هذه المواد عظيمة الفائدة للإنسان غذائياً وعلاجياً فالتداوي بمنتجات النحل علم جديد يسمى APITHERAPIA يحتضنه العالم الإنساني ويطوره ويحصل منه على أحسن النتائـج الغذائيــة والعلاجية في الماضي والحاضر
احتل موضوع العلاج بالعسل مكانة فريدة في السنوات الأخيرة حتى أنه أصبح من الأدوية الرئيسية في الصيدليات العالمية، بل أن الأطباء العالميين يعالجون به الآن أخطر الأمراض والجراحات التي يصعب التئامها, مما فتح اسواقا جديدة لاستهلاك العسل ففي الولايات المتحدة وحدها بلغ مجموع مبيعات منتجات النحل 62 بليون دولار اميركي سنة 1998 .
وسنتناول موضوع العسل كأهم طرق لعلاج الأمراض وفق المنظور العلمي الحديث.
أهم صفات العسل
العسل مضاد حيوي طبيعي ،فقد استخدم قدماء المصريين واليونان العسل لتحنيط موتاهم , فقد وجد الطبيب العربي الرحالة عبد اللطيف،أناءً مُحكم الإغلاق في أحد إهرامات الجيزة وبه جثة طفل محفوظة جيداً في العسل .وكذلك جثة الأسكندر الأكبر الذي مات بعيداً عن مكان دفنه قد غمس في العسل حتى وصلت إلى المقر الذي دفنت فيه , و حديثاً وجد ان العسل يحتوي على المضادات الحيوية ( Antibiotics ) وتأتي من النباتات , ومن إفرازات النحل وبعضها من غدد في أرجل النحل , كمفصليات الأرجل وهذه الأخيرة ذات أهمية كبرى وحديثه في مجال المضادات الحيوية وهي تؤثرعلى جراثيم معقدة للمضادات الحيوية، كبعض أنواع السيدوموناس((Pseudomonus كما يمنع العسل بسكرياتهِ نمو الجراثيم وعلى تركيز (17 -20%) من الماء بينما يحتوي العسل على حوالي 75% من السكريات , كما يوجد عنصر البوتاسيوم والماء الأوكسجيني المتولد في العســل أهمية في تكوين بيئة غير مناسبة لنمو الجراثيم والفطريات إضافة لوجود مادة (Inhibine) والفلافونويد .فالعسل أيضاً عامل نمو هام حيوي طبيعي هو البيوس الذي لم يستطع العلم أدراك ماهيته أو تصنيعه كما في الطبيعة حتى تاريخه , وللدلالة على أهميته إذا وضعنا في محلوله عقل نباتات صعبة التجذير وأغصان أشجار مقطوعة حديثاً, كونت جذوراً وعاشت.
وقد أجرى الدكتور ( ف ج ساكيت ) وهو من علماء الجراثيم بجامعة كولورادو الأمريكية تجربة علمية حصل فيها على نتائج باهرة حيث قام بزرع جراثيم مختلف الأمراض في عسل النحل الطبيعي وكانت النتيجة كالآتي:
1- ميكروب التيفوئيد(Typhoid) مات بعد 48 ساعة.
2- ميكروب البراتيفود(Paratyphoid) مات بعد 24 ساعة , وهو الميكروب المسبب لحمى الأمعاء.
3- ماتت جراثيم الألتهاب الرئوي في اليوم الرابع.
4- ماتت جراثيم الدوسنتاريا بعد 10 ساعات .
5- ماتت جراثيم متعددة توجد في المعدة والأمعاء بعد 5 ساعات فقط .
و أعاد الدكتور لوكهيد التجربة و أكد النتائج التي توصل لها ساكيت من أن الجراثيم الممرضة للإنسان تموت بالعسل ولكنه أضاف بأن بعض الخمائر المقاومة للسكريات و غير ألممرضه للإنسان يمكنها أن تعيش بالعسل ولا تؤثر في طعمه .ويعلل المؤلفون خواص العسل المبيدة للجراثيم بآليات متعددة ، فالطبيب الإيطالي "أنجيلو دوبيني" يرجع ذلك لوجود حمض النمل (Formic Acid) والذي يعتبر من أفضل المواد المضادة للعفونة .أما الدكتور هوشستر ينسب قتل الجراثيم للبيئة السكرية العالية التركيز بالعسل . ونقض هذه النظرية دراسة قام بها ميلادينوف في كتابه (العسل والمعالجة بالعسل) حيث قام بدراسة الخواص الحافظة لخمسة أنواع من عسل النحل إضافة لعسل صناعي بنسب سكرية معادلة لتركيز العسل الطبيعي حيث وضعها بأواني معقمة ووضع في كل إناء أنواع من الحبوب وقطع حيوانية طازجة ، وكانت النتائج وجود تعفن في جميع المواد المحفوظة في العسل الصناعي منذ اليوم الخامس لحفظها على العكس من المواد المحفوظة في العسل الطبيعي التي حافظت على حالها دون تغيير في الشكل أو الرائحة لمدة أربع سنوات . أما ريمي شوفان فيؤكد

وجود مواد مانعة لنمو الجراثيم في العسل و ليس كونه ذا تركيز سكري عالي فقط ،كما أكد كل من
موهريغ و ميستر أن خميرة الحالة (Lysorym) و الموجودة في كل من العسل وسم النحل هي المسؤولة عن خاصية إبادة الجراثيم و هي موجودة أيضاً في معي النحل و معدته. و أثبت العالم دولد وزملائه برهاناً على وجود مواد مضادة للجراثيم في العسل الطبيعي سمّاها (Inhibine) ووصفت بأنها تتأثر بالحرارة و الضوء ، وإن هذه المادة المانعة توقف نمو العصيات التيفية ونظيراتها وكذلك المكورات العنقودية سواء البيضاء (Albus) أو المذهبة (Aureus) ، وكذلك عصيات شيغا الزحارية السامة (Shiga) وعصية فلكسر (Flexer) الزحارية غير السامة وعصيات القيح الأزرق وضمات الكوليرا ، كما تؤثر بوضوح تماماً على عصيات الخناق (الدفتريا) وغيرها .
وفي تفسير التأثير المانع أو المثبط لنمو الجراثيم في العسل الطبيعي نظرية أخرى ترجع هذا التأثير إلى ما يحويه العسل من الماء الأوكسجيني (Hydrogen Peroxide) وهو قاتل للجراثيم وأول من اكتشف و برهن على وجود الماء الأوكسجيني في العسل هو الدكتور جونثان وايت وذلك في مختبر أبحاثه في مدينة فلادليفيا الأميريكية. ودلت الأبحاث إن المواد المانعــة لنمو الجراثيم تــزول أو تتبدد بالحـــــرارة ، ولكنها تظل فعالة عند جعل العسل معتدلاً (Neutralistion).
وقد نجح العسل فيما فشلت فيه جميع أنواع المضادات الحيوية الجديدة وذلك فيما يخص القضاء على (السوبر بكتيريا) البكتيريا الحارقة، والتي تعرف مختصرة بـ : (Methicillin Resistant Saphylcoccos Aureus (mrsa وتتمثَّل خطورة هذه البكتيريا في أنها تنتشر في المستشفيات،وتقاوم أحدث وأقوى المضادات الحيوية. وقد استعمل الباحثون مزيجاً من عسل نحل خاص أطلقوا عليه اسم (عسل سوبر)، وقد أثبتت التجربة أن البكتيريا التي تقاوم كل المضادات الحيوية الحديثة تستجيب للعلاج المكوّن من العسل وليس كاملاً فقط 4% والباقي ماء.وبدأ عسل النحل يمثِّل سلاحاً طبياً جديداً وفعَّالاً لكثير من الأمراض وأهمها (السوبر بكتيريا) التي تودي بحياة أكثر من 6 آلاف شخص سنوياً في بريطانياوحدها.و في ابحاث نشرت مؤخراً (2007) من قبل البروفيسور بيتر مولان وفريق بحثي برئاسة البروفسور توماس هينلي ، رئيس معهد الكيمياء الغذائية في درسدن ،. و كانت تجاربهم مركزة على عسل المانوكا الذي اثبت فعاليته على الجروح و الجروح الملوثة أو المفتوحة و خصوصا على الميكروبات الأنتهازية أو اللاإنتهازية الملوثة للجروح و المؤخرة في شفاءها و بذلك انتجوا العسل المعتمد من مركز البحوث المشرف عليه د. مولان و يباع بأغلى الأثمان للمستشفيات في العالم مما يضيف الى كل ما سبق ان هناك بعض المضادات الحيوية الموجودة في العسل مصدرها نباتي و نسبتها تختلف في الأعسال تبعاً للتنوع النباتي .