|
كثيرة هي المفاهيم التي تمتلك تصوراتٍ مشتركة في أذهان
الناس نحو الصدق، والكذب، والوفاء، والغدر، والخيانة، وأمثالها فلا يختلف
في الوجود اثنان أنّ الكذب قبيح والغدر بشع وأنّ الصدق حسن مستحسن.
وددت هنا ان ألقي بظلال حديثي على قيمة من القيم الذميمة وصفة من الصفات
التي تأباها الفطرة الانسانية لما تتركه من آثار بالغة في هدم الكيان
الاجتماعي لكن المجتمع لم ينبذها في مراحله التأريخية، تلك الصفة هي
التخاذل شأنها شأن غيرها من الصفات الذميمة الأخرى التي أسهمت في إفساد
القيم الأخلاقية.
ولا بأس ان نقف على معنى الخذلان وما يحتمل من الأوجه مشفوعا بالشواهد
القرآنية والتاريخية..
الخِذلان بكسر الخاء معناه: ترك النصر والمعونة، إذ نفيد هذا المعنى من
الآية الكريمة في سورة آل عمران في قوله تعالى: (إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ
فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم) آل
عمران/160
وللخِذلان بحسب التعريف المتقدم وجهان:
الوجه الأول:
ترك النصر بمعناه الواضح من تحويل النصر الى هزيمة وانكسار وهو يشير بوضوح
الى العرف العسكري للخِذلان، ولعل هذا ما يتبادر الى ذهن السامع من التخاذل
في أرض المعركة وتحويل النصر كما قلنا الى هزيمة مما يصدر من قادة الجيش
وأمراء الجند، وسياسة الإنقلابات، وقد زخر التأريخ الانساني والاسلامي
بمواقف الخِذلان التي ظلت شاهدة البصمات على الانتكاسات التي مرت بها
الأمم.
شواهد من التأريخ الإسلامي
الشاهد الأول: فمن شواهد الخذلان في تأريخنا الإسلامي ما حصل في معركة أحد
وكاد المسلمون يمسكون بزمام النصر لولا تقاعس كتيبة من المسلمين عن
الامتثال لأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما أمرهم أن يلتزموا مواقعهم عند سفح جبل احد
وألا يعصون له أمرا فحصل لهم ما حصل من الانكسار، فكان هذا النوع من
الخذلان فرع المعصية او مبعثه المعصية و عدم امتثال لأمر رسول الله وليس
فرع تدبير وتخطيط مسبق لإيقاع الهزيمة.
الشاهد الثاني: وشاهد آخر من شواهد الخذلان ما حصل لسفير الإمام الحسين
مسلم ابن عقيل (عليه السلام) من اهل الكوفة لمّا دعاهم الى نصرة الحسين
(عليه السلام) وبيعته فكانوا
ثلاثين ألفا خذلوه وتركوا نصرته-وهنا يتردد معنى ترك النصرة- ولم يجد عند
وصوله الى قصر الامارة إلاّ نفسه، فكان هذا خذلاناً وقع تحت وطأة السيف،
وضعف العزيمة والارادة في نصرة مسلم (عليه السلام).
الشاهد الثالث: أما الشاهد الثالث من شواهد الخذلان في تاريخنا الإسلامي
والتي مبعثها التدبير والتآمر فهو ما حصل مع سبط النبي الحسن المجتبى (عليه
السلام) من
امة جدّه (صلى الله عليه وآله) التي لم تحفظ ذريته فيه وقد قيل "المرء يحفظ في ولده" فما رعوه
والصورة تبدو واضحة للقارىء لمّا يطّلع على تخاذل جيشه وخذلانه له (عليه
السلام)
وإيثارهم المال والجاه على نصرته - لوعود قطعها لهم معاوية- حتى جرأوا
وسعوا الى اغتياله، وانقلاب كثير من جيشه وتقاعسهم عن نصرته فما وجد الامام
(عليه السلام) بدا من الصلح.
الوجه الثاني:
وهو أعم معنى من ترك النصرة بالمعنى الأول، واشمل في مصاديقه، ويراد منه
ترك النصرة والمعونة في مواطن البلاء ومواقف الشّدة ممّا يتوقف عليها ّّّ
ذهاب الدين وتفكيك الوحدة الاجتماعية وضياع المصالح العليا للناس، فنجد
إشارات لهذا المعنى في الخطاب القرآني نحو ما جرى في قصة ميقات موسى (عليه
السلام)
واستخلاف اخيه هارون (عليه السلام) إذ كان موقف الخذلان واضحا من لدن السامري حين اتخذ
العجل إلها له ولقوم موسى (عليه السلام) فكان منه موقف التخاذل المشهود الذي قصه القرآن
في قوله تعالى: (قال يأبن أم ّإنّ القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا
تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين) وقد أشارت آية أخرى الى
نكتة تشير فيها الى حكمة هارون (عليه السلام) في حفظ الوحدة الاجتماعية لبني إسرآئيل مع
انقلابهم العقائدي الخطير مّما جعل موسى (عليه السلام) بعد أن سكت عنه الغضب يمضي فعل
هارون (عليه السلام) كما قص القرآن في قوله تعالى (قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ
بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ
بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي {طه/94}) وقوله تعالى: إشارة الى إمضاء موسى
(عليه السلام) لفعل هارون (عليه السلام) (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي
وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
{الأعراف/151}
ولايبعد أن يقع التخاذل مشتملا على معنى الغدر، وعدم الوفاء، والخيانة، بل
هو أعظم الخيانة إذا توقف عليها هدم الكيان الاجتماعي وضياع المصالح العليا
على نحو ماتقدم في القصة المذكورة,لكن الخيانة تشمل المعنى الأخلاقي من
قبيل الخيانة الخلقية نحو قوله تعالى في سورة يوسف: (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ
أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ
الْخَائِنِينَ) {يوسف/52}) والمعنى الاجتماعي من قبيل الخيانة الاجتماعية
نحو ما قصه القرآن من حال زوجة نوح ولوط (عليهما السلام) قال تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ
مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ
كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا
{التحريم/10}).
الباعث للخذلان
والتخاذل ليس ظاهرة يعتادها المجتمع في سلوكه اليومي وإنما نحو تصرّف نوعي
للمتخلِّق به يكون الباعث اليه الطمع أوالحسد أونزعة انتقام فيصدر ذلك
الفعل في ظرف مباغت لايبدو المتخاذل في مراحله الأولى خصما أو عدواَ وإنما
هو في ظاهر حاله صديق أو حليف أو قريب في المنزلة والمكانة، والخذلان اشد
وقعا في النفس وأعظم أثرا وألما في نفس المخذول عندما يلتمس المتخاذل القرب
والصحبة منه فيطمأن إليه ويأتمنه فيأته من حيث اطمأن ومن مأمنه وقد أشار
سيد الشهداء (عليه السلام) وقد اعتلج بصدره الألم وانكسر قلبه بخيبة الأمل لأن ما وصلت
اليه (عليه السلام) من الكتب والمواثيق التي يطلب فيها اصحابها منه المجيء لنصرته تجعله
في ظاهر الأمر يطمئن اليها لكنهم خذلوه لذا نجده (عليه السلام) في دعائه يوم عاشوراء
يقرن صفة الخذلان بالصديق إذ يقول (عليه السلام) (كم من همٍّ يضعف فيه الفؤاد وتقلّ فيه
الحيل ويخذل فيه الصديق ويشمت فيه العدو).
سوى من ثبت معه من أصحابه بعدما خبر نواياهم وعلم الاخلاص منهم.
وتلحظ في منطق المتخاذل صفة الانكار الفعلي وقد بدا منه ما بدا، وصفة
الانكار القولي لتبرئة نفسه وهذه صفة تلازم سلوكه نفيدها من إقرار الامام
الحسين (عليه السلام) لأمثال شبث بن ربعي وحجار بن ابجر إذ انكروا عليه قوله وهم يعلمون
انه (عليه السلام) صادق مصدق.
نعم يتحول الخذلان الى سلوك تحكمه عقلية جمعية نحو افراد القبيلة اوالجماعة
الضالة أو الأمة، نحو ما حصل مع الأنبياء والأئمة والأولياء في مجتماعاتهم
وانكارهم لمنطق التوحيد وسخريتهم من نبيهم كما هو حال قوم نوح وقوم هود،
وقوم صالح، او إنكار الأمة لمنطق الاستخلاف الشرعي كما هو حال الامة بعد
وفاة النبي (صلى الله عليه وآله).
فيصح منّا إذاً ان نصف خط الأنبياء والأولياء الرسالي بالخط المخذول ودونك
أيها القارىء ما يقصه القرآن الكريم من تجارب الأمم السالفة مع أنبيائها
وتخاذلهم في نصرتهم إذ لم يؤمن بهم الا الصفوة المخلصة نحو قوله تعالى في
وصف حال قوم نوح: (فما آمن معه إلا قليل) وغير ذلك من عظيم الآيات وجليل
العظات ولكن من ذا يفقه ويسلك المحجة البيضاء؟
ومن المؤكد بعد هذا البيان ان يكون التخاذل ذا آثار عظيمة الفساد والأضرار
بالكيان العقائدي والاجتماعي والخلقي حتى على صعيد الفرد، وعليه ورد في
الروايات الشريفة من مغبة هذا السلوك وضرورة نصرة المؤمن وعدم ترك إعانته
واصفة جزاء الخذلان له ألا يجد من ينصره في الدنيا وفي الآخرة مشيرة
الرواية الى جزائه الدنيوي بما فيه الجزاء الاجتماعي من نبذ المجتمع له
واستصغاره والحذر منه، وجزاءه الأخروي لما انطوت عليه سريرته من فساد
وإفساد. |