ورقة من معطفي

أرواح وأجساد

وقفت على شفا حفرة من السنين بعد إن اشتعل الرأس شيباً واتكأت على عمودي الفقري الذي عاد كالعرجون القديم لكثرة انحنائي على الأرض الملم شظايا مرآة الحقيقة التي تناثرت على تراب الشك وفي كل انحناءه يوقظني المعري الذي يصهل من خلف قضبان محبسيه (زجاج ولكن لا يعاد له سبك)!
وقفت تحت ضوء المظلمة اتحسس رأسي فوجدته لا زال على رقبتي وغرفة تفكيره مزدحمة بالشك واليقين.
تداولت أنا ورأسي الطيني بمسألة الروح والجسد فقلت له إن الروح من أمر ربي وهي نور والجسد ظلامه كمنجم أفريقي للنجم ويقولون إن تغلغلت به يشرق كوجه الفجر وإن نفرت منه تفسخ وسؤالي هو إذا وقعت الواقعة هل تحتاج الروح إلى جسد ذو رأس عاطل تحمله أقدام سلحفاتية إذا دعي للتسلق إلى سطح الخير ولكنها أسرع من (جلمود صخرٍ مطه السيل من علِ) في الهبوط الاخلاقي!!. وإذا اقتربت الساعة وانشق القمر هل تحتاج هذه الروح إلى فم يتسكع الذباب على أوساخ شتائمه العروبية ولكن هذا الفم ترتسم عليه ابتسامة الموناليزا امام الدولار الأرعن! وهل تحتاج هذه الروح يوم القارعة إلى عيون ترنوا إلى جنة تجري من تحتها الآبار بموهبة زرقاء اليمامة ولكنها تصاب بعمى الألوان كالثيران الأسبانية أمام السائل الأحمر المسفوح في كل شوارع التناحر والذي اصطبغت به كل الأرصفة التي يلوذ بأسمنتها الفقراء! وهل تحتاج هذه الروح إذا برزت للواحد القهار إلى ملابس دينية تغطي بها جسد يتصدر الجوامع إن أذّن بلال وبعد كل هذا هل تتمنى الروح ان تدخل جسدأً خُلق من طين ومن ماء مهين وهي قبضة من نور سماوي أرسلت إلى الأرض وإذا كانت هذه الأجساد تعرف مم خلقت فلماذا تصّعر عوراتها وتمشي مرحاً لطاووس هندي ناشراً ألوانه وكاشفاً مالا ينبغي كشفه، وإذا كان الدين لله والوطن للجميع فلماذا تناسى الغباء يوم لا ينفع مال ولا بنون ولا حزب ولا متحزبون! ولماذا تغافلوا عن يوم تذهل فيه كل فئة عما سرقت وتصنع كل اسلحة اسلحتها. فيا أخوة الدين والطين إن البئر فاغر فاه وقطيع الذئاب في حالة استنفار ويوسف في الطريق والباب بدون حيطان! وفي الأفق ثقب دموي كثقب الأوزون فان لم يعالج التلوث السياسي وإن لم تغلق الأفواه الداعرة فأن الثقب سيتسع وإن لم تقتلع الأعشاب المضارة فستزحف على كل الحقول التي سقيت من شرايين الولاء . ولا يزعم الماء عندما تسود الطحالب إن الركود فضيلة.