|
روي أنه في سنة ست للهجرة، وفي أعقاب غزوة بني المصطلق
ـ وفي أثناء العودة ـ أدّى تزاحم على الماء في بعض منازل الطّريق بين أجير
لعمر بن الخطاب من بني غفار اسمه جهجاه، وبين أحد حلفاء الخزرج واسمه سنان
بن وبر الجهني، واقتتلا، فصرخ حليف الخزرج: (يا معشر الأنصار) وصرخ أجير
عمر بن الخطاب (يا معشر المهاجرين). عندها نشط المنافقون، وعلى رأسهم عبد
اللّه بن أبي سلول، لاستغلال التّوتّر الّذي ولّده هذا النّزاع البسيط بين
المهاجرين والأنصار، وهدّد ابن أبي سلول بأنهم إذا عادوا الى المدينة (ليُخرِجنَّ
الأعزُّ مِنها الأذلَّ)، وكادت الفتنة أن تجرف الكثيرين...
ولكن حكمة الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) قضت على هذه الفتنة في مهدها،فأنزل اللّه تعالى
في شأن هذه الفتنة سورة المنافقين فضح فيها نوايا المنافقين وأساليبهم،
وجعل منها درساً تربويّاً إيمانيّاً وسياسيّاً للمسلمين عمّق وعيهم، وزاد
يقظتهم، وعزّز صلابتهم أمام أساليب النّفاق والمنافقين .
من هنا يمكن أن تكون الفتن ـ وخصوصاً العامة ـ ذات وظيفة تربوية تعزز صلابة
المؤمنين، وترفع درجة وعيهم وتميّز عنهم الدّخلاء والمنافقين.
لهذا نرى أن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) يُنزّل الفتن بمنزلة البشرى للمؤمنين ، وإن
وجدت روايات تحذر من الفتن فهي تحذير لضعاف العقول والجهّال من الوقوع فيها
لأنهم أسرع للوقوع في الفتن بسبب جهلهم وعنادهم وعدم انصياعهم للحق فيضّلون
سبيل الهداية .
والمجتمع الذي غالباً مايكون فريسة للفتن يكون ذا سمات وصفات عدّة وهي
حينما يكون منقطع الصّلة عن قادته الروحيين، ومن ثمّ فهو لا يتمتع بنظام
روحي وأخلاقي فتعصف ـ حينئذٍ ـ بافراده براثن الجهل والفوضى.
وكذلك حينما تسيطر على أفراده وفئاته روح الشّك والسلبية الفكرية من أثر
تمسكهم بالبدائل القلقة وتركهم للثوابت والمبادئ الحقة فتنشط بين أفراده
التخيّلات والأفكار المنحرفة. وأخيراً حينما يكون المجتمع منقسماً على نفسه
إلى شيَعٍ وأحزاب، تمزقه الصّراعات والنّزاعات فتجعله خالياً من روح
التّضامن والتّكافل ، لا توجّهه الإ الرّغبات الفرديّة والفئويّة والمنافع
الذاتية . فعليه من يخاف الوقوع في مضلاّت الفتن عليه أن يكون تقياً ورعاً
ومتمسكاً بالحق وأهله، ذا بصيرة بمن يتبع، طيّعاً لأحكام دينه وابناء جلدته،
حذراً من المتلونين والدخلاء، كارهاً للباطل واهله .
أعاذ الله تعالى أبناء هذه الطائفة المحقّة شرور مضّلات الفتن، وحفظهم من
كل سوء ومكروه، ووفقّهم لكل خير وصلاح إنه ولي التوفيق. |