|
حث الدين الاسلامي الناس على الانفاق حثاً لا مزيد عليه
لو عملوا به لسادت الطمأنينة في العالم ولما وجد على وجه الارض فقير وهذا
معنى قوله تعالى (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ{1} فَذَلِكَ
الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ{2} وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ)
فجعل الله مآل: دع اليتيم وعدم الاهتمام بطعام المسكين: التكذيب بآياته
تعالى ورسله وكتبه فكان من دع اليتيم ولم يرّفه عنه من فضول ماله ولم يحض
على طعام المسكين تنسلخ عنه العقيدة الدينية شيئاً فشيئاً تتوارد عليه
الشكوك والاوهام وهو لا يعلم من اين أتاه هذا الانقلاب وكيف امسى مظلماً لا
يرى الاشياء وراء المادة الزائلة فلا تتسلى نفسه الا باتخاذ مبادئ فاسدة
تتناسب ونفسه المريضة الطائشة ويزعم انه بلغ من التفكير مرتبة او وجد
طريقاً جديداً يحل به مشاكل الحياة وهذا عقاب لمانع اليتيم حقه والمسكين
طعامه وابتعاد عن رحمة الله وانطماس في ظلمات ما فوقها ظلمات (كَلَّا بَلْ
رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ).
ولو فتشنا عن اناس سخت نفوسهم فاهتموا بأمر اليتيم وحضوا على طعام المسكين
ترى نفوسهم منيرة وضاءة تحب الله وتحب الحق وتميل الى الخشوع وتتوجه نحو
صانعها وتعبده على قدر ما قامت بالاعمال الصالحة لوجه الله الكريم.
فالايمان اذن عصارة الاعمال الصالحة والتصديق بالدين مآل الاهتمام بأمر
اليتيم والحض على طعام المسكين لذلك كله حث الدين الاسلامي على الاهتمام
بأمر الفقراء والمساكين وندب الى العطف على الضعفاء والايتام باعطاء زكاة
واجبة او مستحبة ونفقات كذلك وصلة الرحم ولقد قال الامام ابو عبد الله
(عليه السلام):
(لا يكمل ايمان العبد حتى يكون فيه اربع خصال: يحسن خلقه، وتسمو نفسه،
ويمسك الفضل من قوله، ويخرج الفضل من ماله).
ولقد كان في وصية رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه
السلام): اوصيك في نفسك بخصال احفظها
عني ثم قال: اللهم اعنه.. الى ان قال:
(واما الصدقة فجهدك جهدك حتى تقول قد اسرفت ولم تسرف ) لذلك يبيع علي (عليه
السلام)
بستاناً له فيعلم بذلك فقراء المدينة فيرجع الى بيته وليس معه شيء..
ويستأجر داراً للسكنى في الكوفة وهو خليفة المسلمين ويحمل الطعام الى فقراء
الكوفة في جوف الليل حتى ان الحسن (عليه السلام) بعد رجوعه ليلاً من دفن والده كما قرأنا
ذلك في حادثة اغتيال أمير المؤمنين (عليه السلام) انه سمع انين مسكين عاجز في احدى خرائب
الكوفة فجاءه يسأله عن حاله، فقال كان لي رجل يأتيني كل ليلة بما احتاجه من
طعام وشراب وقد مضت ثلاث ليال ولا اراه يأتيني، فقال الحسن (عليه السلام): ذاك أبي ، قد
قتل في محرابه.
وقد جعل الدين الاسلامي التصدق بالليل أفضل من الصدقة بالنهار لان صدقة
السر تطفيء غضب الربّ كما جاء في الحديث كان ابو عبد الله الصادق (عليه
السلام) اذا أعتم
وذهب من الليل شطره أخذ جراباً فيه خبز ولحم واوردهما فحمله على عنقه ثم
طاف به على اهل الحاجة من اهل المدينة فيقسم فيهم وهم لا يعرفونه فلما مضى
جعفر فقدوا ذلك فعلموا انه كان ابا عبد الله (عليه السلام) اي الصادق. نعم هذا دين مَنْ
يقول:
اصنع المعروف الى من هو اهله والى من ليس من اهله فان لم يكن هو اهله فكن
انت من اهله.
نعم ايها القارئ العزيز نحن نعتنق ديناً يقول : ان الصدقة بالليل تدفع ميتة
السوء وتدفع سبعين نوعاً من البلاء وانها تطفيء غضب الرب.
فهذه دعوة وقد ودعنا شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار دعوة الى كل
المؤمنين، اقول: اتقوا الله ولو بشق تمرة فيتامى ومساكين العراق احوج ما
يكونوا اليه اليوم الى مد يد العون والمساعدة ولاشك ان زكاة الفطرة لها
الدور الكبير والمؤثر في تحقيق معاناتهم، الا يمكننا ان نقرأ الزكاة
بموضوعية لنقف على اسرارها ولماذا الشارع المقدس يدعو ويشدّد ويرغّب فيها
لدرجة ان الرسول الاكرم كما قرأنا في كثير من الاحاديث التي ذكرتها يقول9 :
(داووا مرضاكم بالصدقة) فهنا يؤكد على انها شفاء من كل داء .
ماذا يعني هذا ايها المؤمن...
اما علمت انه يستحب للمتصدق ان يقبل يده بعد العطاء قبل ان يردها اليه
فالامام علي (عليه السلام) يقول: اذا ناولتم السائل فليرد الذي ناوله يده الى يده
فيقبلها فان الله عز وجل يأخذها.
هذا ما اردت ان اسلط الضوء عليه في عددنا هذا ولو فتحنا الباب على مصراعيه
لوجدنا اسراراً كبيرة تدعو المؤمنين للاسراع آملين ان نقف موقفاً موحداً
لنأخذ بيد المساكين واليتامى الى ما يرضي الله ورسوله والائمة الاطهار
(عليه السلام) انه
نعم المولى ونعم النصير.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. |