مقالات                          حيدر حسن الاسدي                                 

 

دعائم الإيمان

في فكر الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)

 

 

من الصفات التي لابد للانسان السعي لتحصيلها وكسبها هي صفة (الايمان)، في كثير من الاحيان نجد ان الساعي لتحصيل هذه المنزلة لا يمتلك المقومات الاساسية لها، بل أنّ الكثير من يفهم الايمان على انه اعتقاد لا يعدو غير ذلك.
والواقع ان الايمان لا يمكن ان يفهم هذا الفهم، اذن لابد من البحث عن البرنامج الذي يوصلنا الى فهم الايمان على حقيقته، بأعتبار ان الايمان قمة سامقة لا يبلغها الانسان ببساطة. فالايمان لغة وكما نص عليه اهل اللغة وعلماء التفسير يُطلق ويراد به (التصديق) كما ان له معنى اخر وهو (الاطمئنان).
واما المراد به اصطلاحاً هو الاعتقاد بالجنان، واقرار باللسان وعمل بالاركان، وعلى هذا فهو من افعال القلوب ومن افعال الجوارح.
الايمان بحسب بيان الامام امير المؤمنين (عليه السلام) له بعد ما سئل عنه قال : ((الايمان على اربع دعائم : على الصبر، وعلى اليقين، وعلى العدل، وعلى الجهاد)).
وعلى هذا فالايمان يستند على تلك الدعائم الاربع، وسنتعرض كل دعامة مع الايجاز:
الدعامة الاولى: الصبر
الصبر هو الامساك في ضيق، يقال: صبرت الدابة حبستها بلا علف وصبرت فلان خلفته خلفه لا خروج له منها، والصبر حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع او عما يقتضيان حبسها عنه. والصبر ضد الجزع وهو ثبات النفس وعدم اضطرابها في الشدائد والمصائب، بان تقاوم معها بحيث لا تخرجها عن سعة الصدر، وما كانت عليه قبل ذلك من السرور والطمأنينة.
وللصبر اقسام، اشهرها ما بينته الروايات الشريفة، فقد جاء عن الامام علي (عليه السلام) قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الصبر ثلاثة: صبر عن المعصية، صبر على الطاعة، وصبر على المعصية..).
الدعامة الثانية: اليقين
اليقين هو الاعتقاد باصول الدين وضروراته، اعتقاداً ثابتاً، مطابقاً للواقع لا تزعزه الشبهة فان لم يطابق الواقع فهو جهل مركب.
وعلى ضوء هذا التعريف يمكن طرح السؤال الآتي: هل ان اليقين درجة واحدة يتساوى فيها جميع العباد عندالوصول اليها؟ ، لا، بل ان اليقين على مراتب ودرجات واهم هذه الدرجات ثلاثة:
الدرجة الاولى: علم اليقين، وهو قبول ما ظهر من الحق، وقول ما غاب من الحق، والوقوف على ما قام بالحق، وكذلك: هو اعتقاد مطابق للواقع، ومثاله اليقين بوجود النار من مشاهدة الدخان.
الدرجة الثانية: عين اليقين، وهو الغنى بالاستدراك عن الاستدلال، وعن الخبربالعيان، ومعناه شهود الاشياء - كما هي- اي بالعودة الى الفطرة الاولى وادراك الحقائق في عالم القدس. والى هذه المرتبة أشار الامام امير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: (لم اعبد رباً لم اره) بعد سؤال ذعلب اليماني له (عليه السلام) أرأيت ربك؟
الدرجة الثالث: حق اليقين، ومثال هذه الدرجة ، هو اليقين بوجود النار بالدخول فيها من غير احتراق، وهذه الدرجة انما تكون لكل العارفين بالله المستغرقين في لجة حبه وانسه...
وهذا ما كان عليه الصديق الاكبر امير المؤمنين (عليه السلام) فعن الصادق (عليه السلام) قال: كان قنبر غلام علي يحب علياً (عليه السلام) حباً شديداً ، فاذا خرج علي (عليه السلام)، خرج على اثره ، فراه ذات ليلة فقال له : يا قنبر مالك؟ فقال: جئت لأمشيء خلفك يا أمير المؤمنين، فقال: ويحك أمن اهل السماء تحرسني ام من اهل الارض؟ فقال: لا، بل من اهل الارض. فقال (عليه السلام): إن اهل الارض لا يستطيعون لي شيئاً الا باذن الله فارجع ، فرجع.
الدعامة الثالثة: العدل
العدل ضد الظلم، وهو قناعة نفسية تردع صاحبها عن الظلم، وتحفزه على العدل، وهو رمز المعاجز وقوام المجتمع المتحضر، وسبيل السعادة والسلام.
وما للعدل من اهمية في صلاح البشرية، فقد اكدت الايات الشريفة عليه، قال تعالى: ((ان الله يأمر بالعدل والاحسان...)) وفي آية اخرى، قال سبحانه وتعالى: ((ان الله يامركم ان تؤدوا الامانات الى اهلها واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل...)) قال امير المؤمنين (عليه السلام): في بيان معنى العدل والاحسان في الاية الكريمة : (العدل الانصاف، والاحسان التفضل).
وفي حديث لرسول الله (صلى الله عليه وآله) نجده يضع للعدل اهمية كبرى حيث يقول (صلى الله عليه وآله): (عدل ساعة خير من عبادة سبعين سنة قيام ليلها وصيام نهارها).
وللوقوف على عدل أمير المؤمنين (عليه السلام) نذكر بعض الروايات التي بينت ذلك:
1- ما قاله (عليه السلام): (عليكم بالعدل على الصديق والعدو)، فالامام (عليه السلام) يأمر بالعدل على الصديق وعلى العدو ، العدل على الصديق قد يفعلها بعضهم ولكن عدل مع العدو وكيف يكون هذا العدل؟، ومن هذا العادل الذي يفعلها؟ نعم، فعلها الامام (عليه السلام) في مختلف مراحل حياته الشريفة.
2- ومن عدل أمير المؤمنين (عليه السلام): انه لم يبن آجرة ولا لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة وانهA أبى ان يسكن القصر الذي كان معداً له بالكوفة لئلا يرفع سكنه عن سكن اولئك الفقراء الذين يقيمون في بيوتهم البائسة. فهل يصنع حاكم هذا الصنيع اليوم؟
3- ومن عدل الامام علي (عليه السلام)، انه كان راكباً فمشى معه قوم فقال: ألكم حاجة؟ قالوا: لا، قال: انصرفوا، فان مشي الماشي مع الراكب مفسدة على الراكب ومذلة للماشي.
الدعامة الرابعة : الجهاد
من خطبة لأمير المؤمنين (عليه السلام) في الحث على الجهاد، قال (عليه السلام): ((اما بعد، فان الجهاد باب من ابواب الجنة فتحه الله لخاصة اوليائه، وهو لباس التقوى وهو درع الله الحصينة ، وجنته الوثيقة..)).
وهكذا يقول الامام (عليه السلام) في الجهاد، انه باب من ابواب الجنة وهذا الباب لا يفتح الا لخاصة اولياء الله، وهو لباس التقوى، وسر الله الوثيق، فاذا كان للجهاد هذه المزايا، فما المنطلقات التي تدفع الانسان الى المبادرة الى الجهاد؟
المنطلق الاول: منطلق الخوف من القوة الحاكمة، اذ نجد كثير من الجنود الذين يخوضون الحروب ، انما كانوا يأتون بالاجبار والاكراه.
المنطلق الثاني: منطلق الايمان والعقيدة، وربما تكون هذه العقيدة فاسدة فلا يسمى القتال من اجلها والايمان بها جهاداً.
وهناك نوع من التلازم بين الصبر والجهاد، قال تعالى : ((يا ايها النبي حرض المؤمنين على القتال ان يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين...))، فلابد ان يكون المجاهد صابراً ثابتاً، ومما يجعل المجاهد صابراً ثابتاً هي الخطب والوصايا، فلذلك نرى امير المؤمنين (عليه السلام) في احدى وصاياه الجهادية القتالية يقول: ((عض على ناجذك... اعر الله جمجمتك.. تد في الارض قدمك)).
وللجهاد صور مختلفة منها (جهاد النفس) وله فضائل كثيرة تفوق فضائل الجهاد المتقدم، فعن الامام الصادقA: (ان النبي9 بعث سرية ولما رجعوا قال مرحباً بقوم قضوا الجهاد الاصغر وبقي عليهم الجهاد الاكبر ، فقيل: يا رسول الله وما الجهاد الاكبر؟ قال: جهاد النفس).