|
كان الرعيل الأول من المسلمين قد واجهوا النوايا
الدنيئة التي تحملها لهم الفئة الكافرة، فحددت الآية لهم موقفهم من أجل
إنقاذهم من كيد كان مبيتا ضدهم، يهدف إلى تفتيت البنية الإجتماعية بإثارة
عوامل الإنحراف والتشتت والتشرذم فيها. وقد يبدو عنوان الحديث ملفتا للنظر،
ومثيرا لسؤال: هل أن خطر الإنحراف قضية خاصة بالشباب دون غيرهم؟، ولماذا لم
يعمم الحذر من هذا الخطر على كافة المستويات البشرية؟ ، فالجواب يتبين من
خلال الحديث في أربعة مجالات:
الأول: أهمية الشباب
لاشك في أن مرحلة الشباب هي من المراحل الحساسة في عمر الإنسان، وهي
المرحلة القمة، التي تعتبر محط الإنظار، وذخيرة المستقبل الذي تنتظره الأُم
في أبنائها، والرصيد الذي تعلق عليه آمالها، ومستودع الطاقات التي تدخل في
عملية البناء والتكوين الإجتماعي، ولذا جاء في بعض النصوص الشريفة: (بادر
اربعا قبل أربع، حياتك قبل موتك، وشبابك قبل هرمك، وصحتك قبل مرضك، وفراغك
قبل شغلك). فإن أيّة أمة من الأمم إنما تعتمد على شبابها لإحتضان رسالة
الحياة على مستوى كافة الإختصاصات، لذلك بدأت دعوة رسول الله5 إلى الإسلام
بكسب العنصر الشبابي، من عمار بن ياسر ، ومصعب بن عمير ، وصهيب الرومي ،
وبلال الحبشي، وغيرهم ممن ساهموا في إرساء وبناء قواعد الدّعوة الإسلامية،
في الوقت الذي تمرّد على الدّعوة كبار قريش وشيوخها.
الثاني : حجم الخطر الذي يهدد الشباب
لذا فقد أصبحت هذه الفصيلة من أبناء الأمة، هي المستهدفة لأن تركز عليها
اطماع الطامعين وذلك من ناحيتين:
الأولى: لما تملكه هذه الفصيلة من قوّة وطاقة، يمكن ان تستغل من قبل أصحاب
السوء لضرب رسالة الأمة.
الثانية: لما تملكه من ارضية سهلة مستعدة لتقبل كل ما يتأتى لها من غذاء
فكري خصوصا مع حالة الفراغ لدى الكثير منها، مما يدعوها إلى التطلع إلى كل
الأفكار والنظريات والطروحات والأنماط السلوكية، التي قد يصعب على المربين
تغييرها إذا ما خالفت جوهر الإسلام.
الثالث: العوامل التي تعمل على إنحراف الشباب
أما العوامل التي تعمل او تساهم مساهمة فعالة في إنحراف الشباب عن جوهر
الخط الإسلامي، فتتمثل في ما يلي:
اولاً: تخلف الأسرة عن واجبها، إذ جعل الله عزوجل البيت والأسرة، المدرسة
الأولى التي تغذي الأبناء بالخلق والمفاهيم وتلهمهم المعارف، وذلك عندما
يلتزم الأبوان بالمسؤولية تجاه الأبناء، ويتعهدان بتربيتهم وإعدادهم
الإعداد الصحيح، أما إذا أهمل الأبوان المسؤولية وانشغلا بالأعمال الدنيوية
التي تستهلك كل الوقت، فسيؤدي إلى كارثة التسيب والإنحراف الأخلاقي. ويدخل
ضمن هذا السبب، إتساع الخلافات والخصومات واختلال الرابطة الأسرية ،و
إرتفاع نسب الطلاق، وتمرّد الأبناء على ضوابط الأسرة، تحت عنوان الإستقلال
الذاتي:
ثانياً: الزمالة السيئة، إذ ان كل شاب يأنس إلى زميله، ويألف قرينه، وكل
قرين بالمقارن يقتدي، فإذا ما كان قرين المرء سيئاً عديم الأخلاق والقيم،
فسوف تقع الكارثة الإنحرافية. ومثال ذلك: إن الذين أدمنوا الخمرة او غيرها
من المسكرات أو العادات السيئة ـ ومن خلال المتابعة ـ تجدهم من أصحاب
الزمالات والعلاقات، التي تشكل أهم الأسباب لحرفهم عن الخط الصحيح.
ثالثا: الحالة الإقتصادية، وذلك لو أجرينا إحصاءات ميدانية، وتم دراسة
حالات الإدمان، لوجدنا أن العامل الإقتصادي يشكل أحد الأسباب الرئيسية
لإنتشار هذه الحالة، سواء على مستوى الفقر أو الغنى. وذلك لأن مع فقدان
الوعي الديني، وانعدام التوجيه الروحي للإنضباط الشرعي في حالتي الفقر
والغنى، تجد الفقير والغني معا عرضة للإنحراف. أما الفقير الذي يعاني واقعاً
مرّا ومرهقا، يلجأ إلى الإدمان على الخمر، لأنه يجد فيه طريق الخلاص من
الواقع المرير، كما أنه إذا أدمن احتاج إلى المال، وهو ما يضطره إلى أخذ
المال بطريقة غير شرعية. وأما الغني، فهو يجد المال مبذولا له ، ليغرق في
الشهوات واللذائذ، ويبحث عن اللذائذ والمتع المادية غير المشروعة، ما لم
يحجزه حاجز من تقوى الله عزوجل وما لم يلتزم بضوابط الشريعة في الكسب
والصرف.
رابعاً: الإضطراب النفسي، وهو ما ينتج غالباً من حالات الإحباط والفشل،
سواء على مستوى المراحل الدراسية، أو على مستوى العلاقات العاطفية، أو من
خلال ممارسة الأسرة للضغوط الخانقة في حق الأبناء، وتردّي علاقة الآباء
بالأبناء، فينمو الولد ويترعرع في جوّ مشحون بالخوف والرّعب، ممّا يولّد
الخيبة والإحباط، وانطفاء جذوة الشعور بالسّعادة. وبذلك يتحوّل هذا الإحباط
الى عقدة نفسية خانقة، قد تدفع الكثير من الأبناء إلى الإنحراف والشذوذ،
لتعويض ما فاتهم من الحب والهدوء، وإملاء وعلاج هذا الفراغ والإضطراب
النفسي بالشذوذ عن الضوابط الإجتماعية والأخلاقية.
خامساً: الفراغ الذي يستهلكه شبابنا وأبناؤنا، وهم بعيدون عن المكتبة
الإسلامية من ناحية، وعن مراكز التوعية والتوجيه من ناحية أخرى، معتمدين
على الوسائل المزدوجة كالانترنيت والفضائيات، والتي تلقي اليهم الغث
والسمين، والسم والعسل في آن واحد. والعوامل الأدهى خطرا هي : وسائل
التمييع ـ خصوصاً على مستوى وسائل الإعلام ـ التي تتبنى إشاعة الأخلاق
السيئة والقيم الهابطة والبذيلة، وتتاجر بالإنحراف والإباحية، من خلال ما
تبثه من أفلام الخلاعة والعنف واساليب الجريمة والجنس، ومن خلال عرضها لقصص
بعض المتشائمين واليائسين الذي يجدون في تعاطي المخدرات وسيلة للتخلص من
واقع معين.
الرابع: ما يستدفه خطر الإنحراف
وبما أن الذي يغذي هذه العوامل لإنحراف شبابنا، خصوصا العامل الخامس، هو
المخطط الإستعماري الهادف إلى تغيير المسار الإسلامي للأمة، فإن المحاور
التي يستهدفها الإنحراف في حياة أبنائنا هي:
اولاً : محور العقيدة : وهو القاعدة الفكرية التي تدور حولها مكائد الكفر،
بغية حرفها عن مسارها وتغيير الوجهة الإسلامية الصحيحة إلى وجهة الشرك
والعولمة في كل معالمها النظرية والعملية.
ثانياً: محور الثقافة العامة: لأن الأسس الثقافية التي تتبناها الأمة، هي
منبع حضارتها وسموّها، فيحاول الكفار والمستعمرون التسلل إلى المفاهيم
والثوابت الثقافية المستقاة من النظرية الإسلامية، من أجل سلخ الجيل
الشبابي من مفاهيم عقيدته التي يؤمن بها.
ثالثاً: محور الأخلاق والقيم الإجتماعية التي تؤمن بها الأمة، والمستقاة ـ
أيضا ـ من منبع دينها وعقيدتها، فيحاول الكفار والمستعمرون إستبدال هذه
القيم والأخلاق بقيم أخرى متهرئة، نابعة من ثقافات وأفكار بعيدة عن واقع
الإسلام وأسسه الفكرية الرصينة، وقد إعتمد الكفار في هذه المحاولة ضد هذه
المحاور الثلاثة إسلوبين:
الأول : ما أشرنا إليه من إشاعة وسائل التمييع التي تغذي بتوجيه خارجي،
وتتسق مع أهداف الأجنبي، ليسير الجيل في طريق الفوضى والإباحية، وتتسع
الهوة بينه وبين دينه وعقيدته وثقافته وأخلاق رسالته.
الثاني: إشاعة وسائل التدمير، وزرع بذور الشغب والنزاع بين المذاهب
الإسلامية، بل في ضمن المذهب الواحد، بهدف إغراق الأمة بالأزمات، وإشغال
قادتها عن دور التربية والتهذيب، وغلق ذهنية الجيل عن التقبل لمفاهيم
وتعاليم رسالته. فمنذ سنة 1879 م، يعرض (هرتزل) في مؤتمر بازل هذا المشروع
بقوله : (لقد شجعنا كل مشروع باتجاه السيطرة، ووضع الأسلحة في أيدي كل
الأحزاب، وقد أقمنا ميادين تشتجر فيها الحروب الحزبية بلا ضوابط ولا
إلتزامات) أنظر كتاب (العرب واليهود في التاريخ) ط2 للدكتور أحمد نسيم سوسه.
فمتى ـ يا ترى ـ نصحو ونلتفت لتضييع الفرصة على الأعداء، لتهدأ هذه الرياح
العاتية، وتتظافر الجهود من أجل بناء بلد آمن ـ حر ، يعمل ويفكر ويبدع
وينتج، ويربي هذا الجيل المحروم من فهم رسالته وثقافته وأخلاقه؟. يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا
وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ
لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ {التحريم/6} |