|
أثارت مسألة انتقال الخلافة الإسلامية من المدينة إلى
الكوفة تساؤلات كثيرة ,تسأل تارة عن مغزى هذه الانتقال , وتارة أخرى فإنها
قد أثارت ردود فعل مناوئة تبناها الدعاة إلى عودة الخلافة الإسلامية إلى
موطنها الأصلي وقد تبنى هذه المسألة جمع من المسلمين. فقد عرف في تاريخ
الإسلام إن الرسول (صلى الله عليه وآله) انتقل من مكة إلى المدينة المنورة ليؤسس للدولة
الإسلامية ذات الدستور وليعط الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) لهذه المدينة القدسية
والأهمية في نفوس المسلمين عامة ,وقد أعقبه بعد وفاته (صلى الله عليه وآله) من جاء من بعده
الذين بقوا على اتخاذهم للمدينة المنورة عاصمة للدولة الإسلامية التي أخذت
شيئا فشيئا بالاتساع لتضم حواضر متعددة لقوميات وديانات متعددة .وبعد ذلك
جاء إجماع المسلمين بصورة انتخابية لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه
السلام) الذي
حفظ لهذه الأمة هيبتها وأسس لتطورها ورقيها ,فعلي (عليه السلام) عرف برؤاه و أراءه
القيمة وقراراته الصائبة السديدة إبان تواجده مع الرسول الكريم (صلى الله
عليه وآله) وما أعقب
ذلك.ولعل من أهم ما اتخذه (عليه السلام) من قرارات هو نقل موطن الخلافة الإسلامية من
المدينة المنورة إلى العراق إذ تعد هذه الخطوة غير مسبوقة من سابقيه, وعند
تتبع هذه الخطوة نجد إن فيها من الكياسة وبعد النظر ما يلحظ في أسبابها،
ولعل هذه الأسباب تقسم على قسمين، أولها مرحلي والثاني لما يعقب هذه
المرحلة من تطورات .وان الحديث عن هذه الأسباب بقسميها يمكن إجماله في
الأتي:ـ
1ـ حرب الجمل : لعل أهم الأسباب المنظورة التي أدت إلى الانتقال المؤقت من
المدينة المنورة إلى مقربة من البصرة هو خروج طائفة ممن قالوا ببيعة
الأمير (عليه السلام) ثم نكثوها وتجمعهم بالقرب من البصرة وتأجيج الناس على الخليفة الذي
أنتخب أول مرة في الإسلام مما جعله (عليه السلام) يعزم على الذهاب إلى إخماد الفتنة
بنفسه يعود لعدة أسباب منها :ـ
أـ حرص الإمام (عليه السلام) على تواجده في مقدمة جنده لتقديم الدعم النفسي والسياسي
والعسكري لهم.
ب ـ انتقال الأمير (عليه السلام) من المدينة في مجموعة صغيرة تمثل القيادة لتأخذ لها
النصرة من قبائل العراق الموجودة هناك ومن ثمة تجنب المشقة لانتقال جيش
إسلامي من المدينة إلى العراق أي تجنب المشقة المادية والجسدية والزمنية,
وان مثل هذه المسألة أي مسالة جمع عسكر من القبائل الكوفية لهذه القيادة
المنتقلة من المدينة إلى العراق يحتاج إلى تواجد لشخصية ذات ثقل إسلامي
كبير .
ج ـ حرص الامام (عليه السلام) على تواجده المادي امام المناوئين وفي مقدمتهم طلحة
والزبير ليذكرهم بخصوصيته (عليه السلام) وببيعتهم له (عليه السلام) وبالاحاديث النبوية التي قيلت في
حقه، وان قتالهم له (عليه السلام) يعني قتالهم لرسول الله (صلى الله عليه
وآله), وليذكر الخارجين على الخلافة الاسلامية ويدمغهم بالحجة وليقم عليهم الدليل كي لا تبقى لهم حجة في ذلك.
2ـ نصرة قبائل الكوفة : لقد اسس طائفة من محبي الامام علي (عليه السلام) دعائم المولاة
لهذه الشخصية في الكوفة بعد فتحها فيما يحسبه هؤلاء المحبون انه امر الهي
امر به الباري وبلّغه نبي الامة نبينا محمد (صلى الله عليه وآله).
3ـ اهمية الموقع :لعل اهمية الموقع لاتقتصر على الجانب الجغرافي للمدينة
حسب او انها تعتمد على الجانب العسكري , بل ان اهمية مدينة الكوفة ترجع الى
هذه الاسباب فضلا عن اسباب اخرى يمكن اجمالها في :ـ
أـ الموقع العسكري للمدينة : تعد مدينة الكوفة ذات موقع عسكري مهم ولاسيما
بعد خلع الامام علي (عليه السلام) لمعاوية ورفض الاخير لمبايعة خليفة المسلمين علي
(عليه السلام)
وقتها. مما ادى الى حدوث انقسام في الصف الاسلامي ولّد جبهة معارضة او
منشقة يتزعمها معاوية ومقرها الشام , هذه الجبهة الدامية التي استمرت سنوات
عدة تربو على سنين اربع ,استنزف فيها الكثير من موارد المسلمين البشرية
والاقتصادية والفكرية. وشكلت فيما بعد عداء متوارثا في كل من البلدين
العراق والشام فضلا عن التداعيات الاخرى.
وان هذه الجبهه كان لابد لها من موقع عسكري مناسب لها , فكان ان رصدت
الكوفة كي تكون مصدا وهذا جاء من قبل الذهنية العسكرية التي هضمها الامام
علي بن ابي طالب (عليه السلام) في حروبه وغزواته المتعاقبة مع رسول الله
(صلى الله عليه وآله).
ب ـ الموقع السياسي : وهو موقع تلحظ اهميته مما أشير اليه سابقا ومما رصدته
مدونات التاريخ العربي والاسلامي.
4 ـ التهيئة لظهور الامام المهدي (عليه السلام): لقد اتخذت مسائل التبشير بظهور الامام
المهدي (عليه السلام) جوانب عدة اولها ما قال به الرسول الكريم (صلى الله
عليه وآله) من حتمية الظهور وان
عاصمة هذا الظهور هو العراق بشكل عام والكوفة بشكل خاص، ثم اعقب ذلك
التأسيسات التي رسخها الامام علي (عليه السلام) بتأسيس الكوفة الفكرية والثقافية والادارية.
من كل هذا نجد دقة القرار الذي اتخذه الامام علي (عليه السلام) في نقله لمقر الخلافة الى
العراق وتحديدا الى الكوفة . |