|
أحلام اليقظة
علقتُ معطفي على مسمار
الأيام وخرجت متأبطاً براءتي وأحمل على اكتافي رأساً فوضوياً محشّواً
بأحلام اليقظة فهو يتمنى أن يقف على أرضٍ مرتفعة ويحلم بسماء واطئة ليلتقي
بالصدق وحاشيته.
كانت الخطوة الأولى في شارع معتوه إذا انحسر ثوب الليل عنه يغطي امتداد
اسفلته وأرصفته بالأحذية والبصاق والباعة المتجولين. خوفاً ان تكتشف عين
الشمس المتسكعين والمتكّلين على العطف الإجباري.
وبما ان بلاد الله ضيقة على الفقراء ففي هذا الشارع تتلاشى الفوارق الطبقية
فلا ميّزةَ لعصفور يحلق بعنفوانه على خنفساء تتصور عندما تفرش اجنحتها
بأنها سحابة سوداء تحمل المطر لبني المزابل! وقبل ان يرخي تعبي سدوله على
أحد الأرصفة وإذا بفم أدخّرته البلدية للفائض من النفايات وصوت كبوق افريقي
في حفلة رقصة الموت صارخاً مات الغريب ... مات الغريب!!
وكنملٍ شم رائحة عصفور ميت تجمع حشدٌ من الجباه المتهرأة حياءاً حول جسد
غطى وجهه استحياءاً من الموت الواطئ، ووقفت أقرأ ما تيسر على هذا المسجى
الغريب. وبما اني من العشّاق البدائيين ولي موعدٌ مع من أحب، حملتني خطواتي
بعيداً عنه وجلست على رقبة الشارع بانتظار حبيبتي (وفاء) التي ضاعت مني بين
النوم والحلم عند مطلع الفجر، لم تكن مرآتي قد مارست معها عشق العيون وانما
هاتف من الجن الذي تركه نبي الله سليمان يستفزنا ملأ أذني بكلمة، وفاء ...
وفاء ... وفاء ... فرسمتها مخيلتي كجو (كندا) أميرةً للإزهار والحب وتصورت
ان الليل يتجول على مرايا شعرها والقمر يهبط ليغتسل بماء ورد قدميها، كانت
(الموناليزا) تتجسد أمامي وأنا اطارح الانتظار والإحتضار (والأذن تعشق قبل
العين أحياناً). وبعيون ادخرت الضوء لظلام الذات فتشت عن (وفاء) في كل طرق
الابجدية وفي أزقة العلاقات فلم أجد أثراً حتى لحذاءها وإذا بالجن
السليماني تهوي يده على كتفي كطّفٍ من النحاس أدار قفاي إلى وجهه فوجدته
قداً أخفى قرونه وذنبه وظهر لي بهيئة إنسان مالئاً شدقيه سخريةً مني فقال
لي يا هذا إذا كنت فقيراً فاحلم بمائدة لا يوجد عليها لحم إنسان وان كنت
ملكاً فاحلم بأنك لا تظلم احداً وإن كنت غبياً فاحلم بأن تأخذ (وزنك ذهب)
أما إن تكون مستيقضاً وتدعي الذكاء فستأخذ (وزنك نعــ....) وأما حلمك
بالوفاء فهذا دليل على امتلاء عقلك بالهراء، فمنذ زمن بعيد إنقرضت هذه
السلالة وآخر (وفاء) أغروها بابتسامات داعرة وذبحوها على الطريقة
الشهريارية كانت طاهرة كالملائك ولكن اشبعوا عفّتها جوعاً وعندما قطعت
نهدها ورمته إلى كلب من كلابهم وقفوا كسيّاح يابانيين تلتقط عيونهم صوراً
للدم المسفوح تحت أقدام الشمس وعندما تقمّصت روحها جسد رجل (وامتدت قامته
شارعأً للمجتمع مزّقته مسامير أحذية المجتمع وأخيراً قال لي الجن السليماني
ارجع يا ولدي إلى رقبة الشارع فستجد الوفاء مات غريباً ولهذا غطى وجهه
استحياءاً من الموت الواطئ فلا تبحث عن حبيبتك (وفاء) الخيالية فاذهب إلى
قارئة الفنجان لتتأمل رأسك بالمقلوب. |