الأدبية                                                إعداد : فائق الشمري

أسئلة مثقلة بمشهد الشعر

 لحداثة الشعرية كانت إحدى تجليات التغير الجذري في الواقع الاجتماعي الإنساني وتفتّح العقل - الذي بدأ يتحرر من هيمنة المعرفة الغيبية والفكر الخرافي - على منطلقات جديدة للنظر إلى الإنسان والكون والقيم السائدة التي بدأت تتحول إلى قيم وحقائق نسبية ومتغيرة ، وهو التحول الذي أفضى بدوره إلى أن المفهوم الجوهري للحداثة في الفن عموماً يتمحور حول كونها احتجاجاً مستمراً على الواقع السائد في إطار من التطور المعرفي المساهم في تكوين العقل الحديث والذي تمثل في الغرب عبر إحداث عدة صدمات نوعية زحزحت بنية هذا العقل ، وأفضت في تراتبها إلى إمكانية الانتقال من مرحلة الفكر المدرسي إلى الفكر العلمي الوصفي ، ومن ثم إلى المرحلة اللاحقة التي قادتها حركة التنوير ، وتوجت بالثورة الفرنسية ، وما تمخضت عنه من طرح أيديولوجيا للتقدم التاريخي ، إلى أن وصلت إلى مرحلة انفجار التقنيات المعقدة وظهور وسائل الإعلام الحديثة ،وهذه المرحلة الأخيرة هي التي تمارس تأثيرها من خلال هذه التقنيات على حداثتنا العربية مع ملاحظة أن الواقع العربي مشابه في بنيته الداخلية للمظاهر الاجتماعية والثقافية التي مر بها الغرب في أواخر القرن الثامن عشر ، وتحت هذا التأثير المرتبك برز مع بداية القرن العشرين المشروع النهضوي العربي بانواعه المختلفة فيما يخص الشأن الاجتماعي والخطاب الديني وتطوير آليات العلاقات الاقتصادية ومغامرة العقل المكبل بالتراث في تربة التجديد المفخخة، ووسط هذه المغامرات الملتبسة ظهرت تيارات عدة في الشعر العربي تطرح رؤاها المختلفة فيما يتعلق بشرعية تطوير الأداء الشعري العربي الذي أصبح لا مناص منه انطلاقاً من الجدلية التاريخية بين الواقع الاجتماعي والإنتاج الفني عموماً الذي شهدته أوروبا في ظل متغيراتها المتلاحقة ، تقول سوزان برنار ( إذا سلمنا بأنه في الوقت الذي تتطور فيه المفاهيم السياسية والاجتماعية والأذواق والمفاهيم الفنية والحاجات الفكرية والروحية للأفراد ، فلا نرى تطوراً في فكرة الشعر فقط وإنما في الشكل الشعري ايضاً ، ونرى أنه يوجد ارتباط متبادل لا مرئى ولكنه ضروري بين العصر والشعر الذي ينتجه ذلك العصر ) وانطلاقاً من هذا الارتباط الجدلي ، فإن الرؤى التي اختلفت في مرجعياتها المعرفية فيما يخص تطوير القصيدة العربية تبنت عدة تيارات تحديثية : تيار حداثي تشريقي يستمد حيويته من الحقل المعرفي الشرقي والتراث الشعري العربي ،وتيار آخر معاكس حداثي تغريبي استقى جذوره ، من حقل الترجمة للشعر الغريب المثقل بأسئلة مغايرة ، وتيار ثالث يراوح بين التشريق والتغريب ، تجاذبته تعارضات فكرية وجمالية مشرقية وغربية وهو في المحصلة كان التيار الأكثر حيوية وقدرة على الاستقطاب الأدبي وفعل التغيير في بنية القصيدة العربية المعاصرة نظراً لواقعيته وانفتاحه واتساع رؤيته وفي مجملها تمثل هذه التيارات تنوعاً خصباً يزيد المشهد الشعري ثراءاً ويشحن التجربة الشعرية بأسئلة المرحلة المثقلة بهواجس الإنسان الواثق من عالمه والمرتاب في الوقت نفسه وعوده .

 

مهيار الديلمي شاعر أهل البيت (367 - 438 هـ) 

 هو أبو الحسن مهيار بن مرزويه الديلمي البغدادي ، وُلد في سنة ( 367 هـ ) ، وهو من عائلة فارسية مالكة من أشرف عائلات فارس ، ومع ذلك فقد هاجر إلى بغداد وسكن فيها وكان مجوسياً ، ولكنه حينما سكن بغداد وفي العقد الثاني من عمره اتصل بالشريف الرضي ( رضوان الله عليه ) الذي كان يوم ذاك حجة الأدباء والأشراف .فأثَّر هذا الاتصال بشخصية مهيار وشاعريته ،وكان إسلامه وتَشَيُّعِهِ سنة ( 394 هـ ) على يد الشريف الرضي ( رضوان الله عليه ) فتغيّرت عقيدته من المجوسية إلى الإسلام ،ومن المعاجز أن فارسياً يحاول قرض الشعر العربي ، فيفوق أقرانه ولا يتأتى لهم قرانه .فقد تخرج على أئمة العربية من بيت النبوة F وعاصرهم ، وآثر ولائهم ، واقتصَّ أثرهم كالشريف المرتضى ، والشريف الرضي ، وشيخهما الشيخ المفيد ونظرائهم ( تغمدهم الله جميعاً برحمته) .. يقول في ابيات له:
أحبكم مـــــــــــــــــا سعى طائف
وحنت مطوقة في الهتوف
وإن كنت من فارس فالشريف
معتلق وده بالشــــــــــــــريف
وقال البعض واصفا فحولته في نظم القريض بقوله : ( لا أستطيع أن أتمثل له ندا سوى ابن الرومي ، وإن كان ابن الرومي يقصر عنه في بعض الأحيان ، ولا يجاريه في الإسهاب والتطويل ، فقد كانت بعض قصائده تقارب الثلاثمائة من الأبيات ) .فهو كنز من كنوز الأدب والفضيلة ، وفي الرعيل الأول من ناشري لغة الضاد وموطدي أسسها ..توفّي الشاعر مهيار الديلمي ( رحمه الله ) ليلة الأحد الخامس من جمادى الثانية عام 428 هـ .

في رحاب الحسين                                                  حامد البياتي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

زهو قبابك بالضياء وترفع
ترد الدهور الحالكات مع المدى
ويحفها سرب الملائك بالسنا
فتضج في حشد الأنام تقرباً
هذا لأنك للنبوة ظلها
ففدى ضريحك في ضريح خالد
ينساب من ظهر الجلال وأنه
يا من ضريحك للكرامة منهل
وملاذا من يستجار بظله
يابن الرسول المصطفى وابن الذي
من امه الزهراء فاطمة التي
لله جرحك ما يزال مخضباً
شتى الجراح تفاوت في عمقها
فيمر في حلك الظلام مشاعلا
هي من مصابيح الرسالة أشرقت
من بعد ما فسقوا الطغاة وأوغلوا
طلقاء مكة والخلافة أصبحت
هم ساوموك على الرذيلة ويحهم
فغضبت لا طمعاً نويت ولا هوى
إذ قلتها مسموعة والله لا
فأغظتم قدر الشجاعة واقفا
ووقفت والنفر الكرام ولم تهب
حتى ما استيأسوا نيل المنى
جالوا عليك بحدقهم وتجاهلوا
فسقطت لا سقط الجبان مهابة
يا سيد الحزن المقيم بكربلا
هانت ذا مل القلوب مكانة
ولسوف تبقى في الزمان مخلداً
 

انوارها من عرش ربك تنبع
وتموج بالالق المضيء وتسطع
ما مر ليل او نهار يطلع
من كل حدب في رحابك خشع
بل ينتهي علم الكتاب ويجمع
بك ينتهي علم الكتاب ويجمع
ليفيض من عليا الجنان ويترع
ثر لم يقفو خطاك ويتبع
رحب المدى للخافقين ومفزع
حذو الرسول اذ القيامة يشفع
ما مثلها في الخلق أم أرفع
يمضي الزمان ونزفه لا يقطع
لكن جرحك في التفاوت أوسع
تخبو الشموس لضوءها بل تخنع
ومداها دمك الطهور الأضوع
لهوا بدين الله وهو الأمنع
بيد القرود فكيف مثلك يهجع
حاشا لمثلك بالرذيلة يقنع
الا الشهادة كنت فيها تطمع
أعطي يدي كيد الذليل وأخضع
جبلا أشم وانت انت الاشجع
وقف الغضنفر عن عرين يدفع
وحشدوا عليك الصافنات وجمعوا
نور الرسالة في جبينك يسطع
بل ليث غاب اذ يصول ويفزع
حزن له تبكي السماء وتجزع
اما خصومك في القذارة أودعوا
طوبى لعين في رثائك تدمع