الفقه                                       الشيخ : محمد رضا الدكسن

 

سيكون الكلام في هذا العدد المبارك في محورين :ـ
المحور الأول
أداب التجارة

ما نذكره من أمور مستحبة يرتكز على روايات شريفة وردت عن الرسول ألأكرم (ص) وأهل بيته الأطهار (ص)  الالتزام بها والمداومة عليها يزيد في الرزق ويبارك فيه .
أولاً: يستحب للمكلف وأعني البائع ـ ذكراً كان أم أنثى ـ أن يتعلم أحكام التجارة التي يتعاطاها ليكون ذلك حصانة له من أن يقع في معصية حيث انه قد يشك مثلاً في أن هذه المعاملة من الناحية الشرعية صحيحة أم لا عندئذ لا يحق له أن يبني على الصحة لأنه يجهل الحكم أساساً وهذا يترتب عليه فيما لو اخذ الثمن فلا يجوز له التصرف به ، إذن لابد له من أن يتعلم أو لا أقل أن يحتاط كما لو تصالح مع المشتري أي انه لو شك في صحة المعاملة أو فسادها لا أقل يحصل التراضي والصلح بينه وبين البائع وبهذا نقطع دابر الشك والريب كما يقولون .
ثانياً: يستحب أن يساوي بين المبتاعين في الثمن فلو جاءه زيد لغرض أن يشتري هذه السلعة أو تلك فنبيعها عليه بنفس السعر الذي باعها على عمرو ، وقد يأتي شخص يكثر من التعامل ويطلب من البائع أن يبيعها بأقل مما ذكر وهكذا فيبيعها عليه مثلاً بأقل مما يبيعها على الآخرين وإن كان له ذلك لكن يستحب له أن يساوي بين الجميع . ذكرت أن له ذلك كما لو أراد أن يراعي زيداً من الناس لورعه أو لعلمه أو لفقره فهذا أمر لا بأس به ويستحب أن يقيل النادم ، أي فيما لو أخذ زيد السلعة ودفع ثمنها لكنه بعد ساعة ندم لسبب أو لآخر هنا لابد من الإشارة أن البيع لازم أي بمعنى أن البائع له أن لا يرد السلعة ولكن لو قبل ندمه وأعادها فهذا مما ذكر أنه مستحب كما ذكر الفقهاء أنه يستحب له أن يشهد الشهادتين عند الجلوس في السوق للتجارة أي يقول [ اشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ] ، وأن يكبر الله تعالى عند العقد أي في حال نقل المباع وهو السلعة إلى المشتري وأخذ الثمن سواء كان عند اللفظ أو كتابة العقد أن يكبر الله تعالى - الله أكبر - وأن يأخذ الناقص ويعطي الراجح كما لو زاد بالميزان فأعطى مثلاً كيلو وزيادة وأخذ ما يقابل ثمن الكيلو فقط ووهب الزيادة .
ثالثاً: ذكر الفقهاء الأعلام أعلى الله مقامهم ورحم الماضين منهم أنه :ـ يكره للبائع أن يمدح سلعته فيقول هذه جيدة ولا يوجد مثلها وإنها فريدة الصنع وتتمتع بالمواصفات الكذائية وهكذا كما في المقابل يكره للمشتري أن يذم السلعة ولها نظائر كثيرة في المقام حيث مؤدى ذلك أن يخدش مشاعر الكسبة ويستهين ببضاعتهم وبالجملة فهو مخالف للأدب والذوق السليم ، كما ذكروا أيضاً يكره للبائع أن يكتم العيب لدرجة يعتبر غشاً كما لو جعل الرديء أو الغير صالح في الأسفل وأظهر ما هو أفضل فيخدع المشتري ويتصور أن الجميع كهذا كما هو الحال في الخضروات وما شابهها فهذا من الحرام بلا إشكال ، كذا يحرم الحلف في المعاملة هذا إذا كان صادقاً فمن باب أولى أن يكون حراماً فيما لو كان كاذباً ، كما يكره البيع في المكان المظلم حيث يكون البيع عرضة للخلل فقد يكون المبيع معيباً والمشتري لايرى ذلك ، وهكذا يكره للبائع أن يربح زيادة على مقدار الحاجة فلو كان ربحه في هذه السلعة عشرة آلف دينار يحقق له نفقات الإيجار والحمولة وشبهها فيكره له أن يأخذ زيادة على ذلك . وعلى المكلف أن يلتفت إلى أن هنالك فترة زمنية يكره فيها ذكر الأسعار أو الإعلام بها أو التعامل عليها وهي ــ ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس ــ وكذا يكره أن يدخل السوق قبل غيره ومن جملة ما ذكر هو طلب تنقيص الثمن بعد العقد كما لو اشترى بيتاً وتحقق العقد وقبض الثمن عند ذلك يبدو له كما حدث أن يؤثر على البائع بوجاهة أو شبهها طلباً لتنقيص ما اتفق عليه من الثمن . كما يكره أيضاً للمكلف أن يتعرض لبيع الأشياء التي تباع بالكيل أو الميزان أو العقد كبيع البيض في بعض البلدان أو المساحات كما في بيع الأراضي وشبهها هذا بشرط إذا كان يحل البيع في هذه المجالات فقد يؤدي إلى المحذور فعليه يكره له ذلك . ومن الحالات المكروهه أن يدخل في سوم المؤمن بل الأحوط استحباباً تركه والمراد به أن زيداً يبدل سعراً لتلك السلعة فتأتي أنت فتعطي سعراً زائداً على ما بدله الأول أولا يبدل للمؤمن مبيع فيقول له مثلاً هذه السلعة أفضل من تلك فانا أبيعك إياها وهو يرجو أن هذا سيترك تلك ويأخذ هذه الأخرى .
الاحتكار
قبل أن انتقل إلى المحور الثاني في موضوع عددنا هذا لا بأس في التطرق إجمالاً إلى موضوع ما له علاقة في المقام وهو الإحتكار ونعني به حبس السلعة والإمتناع عن بيعها فهو حرام إذا كان حبسها لإنتظار زيادة القيمة مع حاجة المسلمين ومن يلحق بهم من سائر النفوس المحترمة كحيواناتهم ـ إليها ـ قد يكون حبسها في وقت الغلاء غايته أن يستعملها في حوائجه وحوائج متعلقيه ولحفظ النفوس المحترمة عند الاضطرار والحكم بحسب الظاهر يختص بالطعام وما المراد بالطعام ؟! المراد منه القوت الغالب لأهل البلد وهذا يختلف باختلاف البلدان فقد تجد بلداً قوته الغالب هو الرز والآخر الحنطة وهكذا ويشمل الحكم ما يتوقف عليه تهيأته كالوقود وآلات الطبخ أو ما يعد من مقوماته كالملح والسمن ونحوهما فهي من الأمور الواضحة ولا تحتاج مزيد بيان والضابط في ذلك ( هو حبس ما يترتب عليه ترك الناس وليس لهم طعام ) والأحوط استحباباً ترك الإحتكار في مطلق ما يحتاج إليه الناس ، كالملابس والمساكن والمراكب والأدوية ونحوهما ، هذا ما ذكرناه من المستحب والمكروه .
أما ما يجب فعله فهو النهي عن الإحتكار المحرم كما ذكرنا في الشروط المقررة في النهي عن المنكر وليس للناهي تحديد السعر للمحتكر ، نعم لو كان السعر الذي اختاره مجحفاً بالعامة ألزم على الأقل الذي لا يكون مجحفاً أي أن الحاكم له أن يلزمه بما لا يكون مجحفاً وفيه كلام قد نتكلم عنه بشيء من التفصيل في الأعداد القادمة .

المحور الثاني
البيع الفضولي

هذا الباب مترامي الأطراف وفيه مسائل متنوعة قد يقع الكلام في جزء منه والجزء الآخر نكمله في العدد القادم بمشيئة الله تعالى ولا بأس في تحديد المراد بالمثال التالي من بين الأمثلة الكثيرة :ـ فلو وضع احمد سلعة تحت يد محمد وقام محمد ببيعها ثم علم المالك وهو احمد فقال رضيتُ أو أجزتُ أو لا عندما جاءه محمد وأعطاه ثمن تلك السلعة أخذه أحمد وهو مالك السلعة كما ذكرت فهذا بمثابة القبول أو هو القبول بعينه وبعبارة الفقهاء أنه أمضى البيع بأخذه للثمن الدال على رضاه هذا القدر - أحمد في المثال يسمى بائعاً فضولياً - أي أقدم على البيع قبل أن يأخذ الإذن من المالك. هذا المعنى إذا فُهم ، فلو باع أحمد السلعة في الثاني من جمادي الأولى وعلم محمد بالبيع في الثالث من جمادي الآخرة فقبل فماذا يعني هذا ؟! والجواب عنه بلا حشو في الكلام هو ان إجازة محمد في التاريخ الثاني هي كاشفة عن صحة العقد أي نعتبر عقد بيع أحمد صحيح وأن المشتري من أحمد يملك من التاريخ الأول ، فلوكانت السلعة التي تحت يد أحمد وهي لمحمد كما ذكرت ( كانت شاةً) وكانت قبل شهر وفي حين بييعها نحيفة وقيمتها سبعة آلاف دينار لكنها عندما علم صاحبها بالبيع صارت سمينة وهذه تسمى في لسان الفقهاء أعلى الله مقامهم زيادة متصلة مما أدت إلى زيادة الثمن فهل لمحمد أن يوافق على البيع ولكن يطالب بقيمة الزيادة فيما لو كان سعرها بالتاريخ الثاني (عشرة آلاف دينار) فالفارق ثلاثة أو لا بمجرد ما أن يوافق أو يأخذ السبعة آلاف هو إمضاء وقبول بالبيع من حينه فالثلاثة آلاف في مثالنا هي للأول أي للمالك وهو المشتري من أحمد وهكذا يمكن لنا أن نتخذ أمثلة كثيرة لكن المقام لا يسع في هذا العدد حيث أن بعض الأمثلة يقتضي تفصيلها أكثر والموضوع الفقهي كما يعلم المتتبع الكريم مبني على السلاسة والسهولة لتبسيط الأحكام الشرعية ، هذا المثال على مستوى المقدمة والتهيأة لكن لايفوتنا ذكر الشروط التي تسهم في بيان الموضوع:
أ- المالك لابد أن يملك على نحو يمكنه أن يتصرف تصرفاً ناقلاً ونعني بالناقل أي أن يكون مالكاً لشيء غير محجور عليه لكثرة ديونه مثلاً فلا يحق له التصرف بما يملك بقرار وحكم من الحاكم الشرعي حتى يؤدي دينه أو أنه سفيه أو غيرها من الأسباب التي يمكن للمتتبع أن يراجع باب (الحجر) الذي سنتكلم عنه إذا وفقنا الله تعالى لذلك وهو حسبنا واليه ترجع الأمور .
ب- أو أن البائع أو الناقل هو وكيل عن المالك أو مأذون من قبله أو ولياً عنه إذن صار واضحاً إن الذي يجري العقد إذا لم يكن مالكاً للتصرف لم يصح البيع بل تتوقف الصحة على إجازة المالك للتصرف به وإلا لم يصح التصرف وإذا كان سفيهاً فالإجازة من وليه وأما المفلس فصحة عقده تتوقف على غرمائه فإن أجازوا فالعقد صحيح وإن لم يجيزوا فالعقد غير صحيح . وستأتي جملة من المسائل المتعلقة في المقام .