حواريات                                     السيد حسين المرسومي                                 

 عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (الغضب يفسد الايمان كما يفسد الخل العسل)، وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام : (الحدة ضرب من الجنون).
وروي عن الإمام الصادق عليه السلام  أنه قال: (كان أبي عليه السلام  يقول: أي شيء أشد من الغضب؟ إن الرجل يغضب فيقتل النفس التي حرم الله ويقذف المحصنة)

 هذا كلام عن رذيلة شائعة البلوى الا وهي الغضب نستجير بالله منه ومنه نستمد التوفيق.
بينما كان ابو حسن جالساً في مكتبته متأملاً في المطالب العلمية واذا بصوت شجار من داخل الدار وأخذ الصوت يعلو شيئاً فشيئاً الى انفتحت باب المكتبة أمُّ حسن وهي مضطربة قالت:
يا ابا حسن أنا أعلم أن طلب العلم فريضة، ولا أحب ان اشوّش ذهنك بكل صغيرة وكبيرة ولكني في هذه المرة انا مضطرة لان أقطع عليك خلوتك وتفرغك لدرسك وليعذرني ربي فما باليد حلية.
ابو حسن: على رسلك يا أم حسن خيراً؟
ام حسن: ولداك حسن وحسين.
ابو حسن: ما بهما؟"
ام حسن: هما كأي صبيين تحصل احياناً بينهما مشادة صغيرة غالباً ما أنهيها بينهما بالمحاكة والمعانقة لكن في هذه المرة عجزت عن فضّ ما دبّ بينهما.
ابو حسن: وما الذي وقع بينهما.
ام حسن: أفضل ان تسمع الامر منهما مباشرة .
ثم نادت ام حسن: حسن حسين تعاليا، دخل حسن وحسين على ابيهما على حياءٍ مطأطأي رأسيهما مُسلمين وبعد ان رد السلام قال الاب لهما.
ابو حسن: اخبراني ما الذي حصل.
حسن: ألم تخبرنا يا أبي بأن على الاخ الصغير ان يحترم أخاه الاكبر كأحترامه لابيه.
ابو حسن: بلى يا بني.
حسن: قل ذلك لحسين فأنا ألف مرة قلتُ له: لا تلعب بحاجياتي التي رتبتها ولكن ما ان اعود من المدرسة حتى أجد قصصي مبعثرة ولعبي مكسرة.
ابو حسن: بم تجيب اخاك يا حسين.
حسين: ألم تقل لنا يا أبي مراراً احترم الكبير واعطف على الصغير.
ابو حسن: بلى يا بني.
حسين: قل لحسن أذاً لم يمنعني من الاستمتاع باللعب ، وانا ابقى في الدار لوحدي بعد ذهابه للمدرسة فلم لا يعطف عليّ حسن.
ابو حسن: فهمت الامر ولكن كلاكما مخطئ.
فقال حسن وحسين بصوت واحد: ولِمَ يا أبي.
ابو حسن: لان الامور لا تُحل بالغضب.

حقيقة الغضب

فقالا: وما الغضب؟
ابو حسن : الغضب كيفية من كيفيات النفس تُوجب اضطراب وخوران النفس وتدفعها نحو الانتقام.
حسن: وكيف تدفعها نحو الانتقام؟
ابو حسن: عند ما ترى يا بني حسن اخاك حسيناً يلعب بحاجياتك يتحرك في داخلك شعور بالانتقام منه وعندما يرى حسين أنك تمنعه من اللعب وتعنفه وتوبخه يتحرك في داخله شعور بالانتقام منك فيندفع نحو تكسير لعبك وبعثرة حاجياتك.

ذم الغضب

حسين: وهل الغضب من الامور القبيحة؟
ابو حسن: وكيف لا يا بني وهو من المهلكات العظيمةالتي ربما تؤدي بصاحبها الى الشقاوة الابدية بل قد تدفع صاحبها الى القتل - نستجير بالله-.
حسن: وهل ورد يا ابي ذمه في الروايات الشريفة.
ابو حسن: بلى يا بني فالاحاديث التي وردت في ذمه كثيرة منها قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الغضب يفسد الايمان كما يفسد الخل العسل( وروي عن امير المؤمنين عليه السلام (الحدة ضرب من الجنون) وروي عن الامام الباقر عليه السلام (ان هذا الغضب جمرة من الشيطان توقد في قلب ابن آدم وان احدكم اذا غضب احمرت عيناه وانتفخت اوداجه ودخل الشيطان فيه) وروي عن الامام الصادقA انه قال: (كان ابي عليه السلام يقول: اي شيء اشد من الغضب؟ ان الرجل يغضب فيقتل النفس التي حرم الله ويقذف المحصنة).. وروي عنه عليه السلام انه قال: (الغضب مفتاح كل شر) وقال:(الغضب ممحقة لقلب الحكيم) وقال عليه السلام :(من لم يملك غضبه لم يملك عقله).

علاج الغضب

حسن: لقد اخفتنا يا ابي بهذه الاحاديث التي تذم الغضب ولكن ما هو السبيل لمعالجته؟ فانا لا أكاد ان ألزم نفسي عن الهياج اذا ما رأيت حاجياتي محطمة مبعثرة.
حسين: وانا كذلك يا أبي اذا ما سمعت اخي الاكبر يصرخ في وجهي ويُعنف ويوبخ لا أكاد ان اسيطر على نفسي في الرد عليه فما هو العلاج؟
ابو حسن: إعلما يا ولدي ان الغضب من الرذائل التي تكاد ان تكون مستحكمة في نفس اكثر الناس وما ذلك الا لابتعادهم عن الدين الحنيف وتعاليمه واخلادهم الى الارض واذعانهم لاهوائهم الشيطانية.
وطريق العلاج بعد الاتكال على الله جل جلاله منبع كل خير ومصدر كل رحمة وبعد التوسل اليه جل جلاله باحب الخلق اليه محمد وآله صلوات الله عليهم اجمعين في ان يزيل عنا هذا الرذيلة طريق العلاج يتوقف على امور ربما زال الغضب ببعضها.
[الاول] إزالة الاسباب المهيجة للغضب اذ علاج كل علة باستئصال مادتها وهي العجب والفخر والكبر والغدر واللجاج والمراء والاستهزاء والتعبير والمخاصمة وشدة الحرص على المال والجاه والمنصب وهي باجمعها رذائل مهلكة ولا خلاص من الغضب مع بقائها.
[الثاني] تذّكر الاحاديث الشريفة التي تذمه.
[الثالث] تذّكر الاحاديث الشريفة الواردة في مدح ثواب من دفع الغضب في موارده كقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (من كف غضبه عن الناس كفّ الله تبارك وتعالى عنه عذاب يوم القيامة). وكقول الامام الصادق عليه السلام (سمعت ابي يقول اتى رسول الله صلى عليه وآله وسلم رجل بدوي فقال اني اسكن البادية فعلمني جوامع الكلم فقال صلى الله عليه وآله وسلم : آمرك ان لا تغضب، فأعاد الاعرابي عليه المسألة ثلاث مرات حتى رجع الرجل الى نفسه فقال: لا أسأل عن شيء بعد هذا ما أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا بالخير) وقال عليه السلام (من كفّ غضبه ستر الله عورته) الى ذلك من الاخيار.
[الرابع] تذّكر فوائد ضد الغضب اعني الحلم وكظم الغيظ وما ورد من المدح عليهما في الاخبار كالذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحلم (اللهم أغنني بالعلم وزيني بالحلم) وكالذي روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم في كظم الغيظ (من كظم غيضاً ولو شاء ان يمضيه امضاه ملأ الله قلبه يوم القيامة رضا).
[الخامس] تقديم الفكر والروية قبل صدور العمل حذراً من الغضب .
[السادس] الاحتراز عن مصاحبة اصحاب الغضب.
[السابع] اذا علم الانسان ان ما يقع في الدنيا انما هو بقضاء الله وقدره ((قل لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا)) وان كل الاشياء مسخرة في قبضته وان الامر كله لله فاذا علم الانسان ذلك سكنت نفسه عن الغضب ولا ننسى ما قاله سيد الشهداء عليه السلام يوم عاشوراء ((هوّن ما نزل بي انه بعين الله)).
[الثامن] ان يعلم ان الله يحب منه ألاّ يغضب والحبيب يختار ما يحبه محبوبه وهناك امور اخرى كثيرة ذكرها العلماء شكر الله مساعيهم في علاج هذه الرذيلة ولعل فيما ذكرناه كفاية.
والآن بعد كل هذا فهل كان تصرفكما صائباً فنظر حسن وحسين كل واحد منهما الى الآخر نظرة خجل ومحبة وعانق احدهما الآخر وهو يسأله براءة الذمة ففرح الاب وفرحت الام التي قالت والدموع في عينيها.
ام حسن: شكر الله لك كلامك ولا حرمهما ولا حرمني الله منك.
ابو حسن: وانا احمد الله الذي منَّ علينا بهذا الدين العظيم والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله.
ثم أستأذنت ام حسن وولداهما بالانصراف وعاد ابو حسن الى كتابه حامداً مصلياً مسلماً.
والحمد لله رب العالمين.