مقالات             شاكر القزويني                                          

 

 

 

الجمال والفن

 جمال هو الدليل على الحقيقة المطلقة لله. والذوق الجمالي هو قدرة الانسان على التمييز بين الجميل والقبيح بالحواس والعقل، والانسان هو الكائن الوحيد الذي لديه ذوق جمالي، اما الحيوان فدوافعه غريزية، لا تخرج عن اطار التكاثر الذي تحكمه هو كذلك الدوافع الغريزية الطبيعية. والفن هو توليد الجمال على حد قول المفكر والفيلسوف الفرنسي (كوزان) وان القوة الكامنة فينا القادرة على توليده تدعى (العبقرية).
وقد يرد سؤال مهم عن مدى اهمية الجمال ومقدار حاجة الانسان اليه وما هي ابعاد ومديات هذا الجمال وماهية اثره فيه؟ وقد شغل هذا الامر الانسان منذ اقدم العصور، حتى اصبح محط خلاف وجدل بين اصحاب الرأي من فلاسفة ومفكرين والمعنيين بهذا المجال الانساني المبدع حتى يومنا هذا، ورغم تداخل المقالات والفرضيات والاراء الا انه يمكن تمييز ثلاثة اتجاهات حددت الحاجة والاثر للفن والجمال هي :
1- التطهير النفسي : وكان رائد هذا الاتجاه الفيلسوف اليوناني (ارسطو) الذي اعتقد في قدرة تجليات الجمال والفن القادر على اظهارها وصياغتها بفعله المبدع على تطهير النفس الانسانية، وما تلك الآهات والدموع التي تستنطق الا متنفساً او قوة طاردة للهم والكرب والتعب النفسي الانساني، تاركة النفس لتعود الى نقائها وصفائها المرتجى.
2- النفع : اما اصحاب هذا التوجه فهم من يعتقدون بان للجمال والفن طرائقاً وسبلاً كثيرة لتحقيق الخبرة والمعرفة الانسانية التي تتيح لنا حل الكثير من المشاكل الاجتماعية والازمات النفسية وحتى بعض الامراض العضوية، وبطرق شتى، وكان من رواد هذا التوجه الفيلسوف اليوناني (سقراط) والذي كان يدعو الى توظيف الفن لخدمة البشرية لارشادها نحو الفضيلة، وكان قد توصل بعض علماؤنا المسلمون العرب الى علاقة هذا بالطب والتطبيب، ومن اصحاب هذه الفرضية ايضاً جماعة (الفن للمجتمع).
3- المتعة الخالصة : وهي فرضية وفهم يدعو الى عزل الفن والجمال عن محيطه ومديات تأثيره المزعومة وحبسه في اروقته الذاتية فلا يرى ولا يسمع الا نفسه لينطلق من داخل نفسه وجوهره المبدع داخل اطاره الذاتي وبالشكل الذي ينسجم مع ابداع المبدع بالتعامل مع ادواته الفنية واحساس ينطلق من واقع الفن وإليه لغاية جمالية لا تفضي الا للمتعة فحسب، وكان الفيلسوف (كنت) الرائد لنظريات (الفن للفن) التي فتحت الباب على مصراعيه للمدارس التي افترضت ان الحكم الجمالي غير ذي نفع في واجبه المستحق، وان الفن قائم لذاته للامتاع الخالص، و(السريالية) هي احدى تلك المدارس.
وتنقسم النظريات الجمالية الى قسمين وبنفس اتجاهات مذاهب الفلسفة، الى مادية ومثالية.
فالمثالية : ترى ان الجمال والقيم الجمالية في الفن تنبع من الوعي كليا، أي ان مصدرها ليس الواقع او الحياة البشرية، فهي عند (افلاطون) إلهام إلهي، وهي عند الفيلسوف الالماني (هيكل) تعبر عن الروح المطلق.
والمادية : فهي عند (ارسطو) و(دافنشي) وغيرهما، ترى ان الواقع هو اصل الوعي الجمالي عامة، والفن خاصة، بالاضافة الى كونه يسهم في تربية الشخصية الانسانية، فهو اذاً وسيلة لادراك العالم والوجود وحركته اللامتناهية، ومن اصحاب هذا المنهج (جان جاك روسو) صاحب اول مذهب فلسفي دعى فيه الى الطبيعة او العودة الى الطبيعة كما تصورها، وكان (فخنر) اول رائد تجريبي في الفن والجمال بالقرن التاسع عشر، تلخصت مدرسته التجريبية في كتابه (مقدمة في علم الجمال) واطلق اسم علم الجمال الاستقرائي (علم الجمال السفلي) على مدرسته هذه مميزا اياها وفي مقابل علم الجمال الميتافيزيقي (علم الجمال العلوي).
اما فيما يتعلق بالفن وارتباطه بالخيال او اللاشعور الانساني، يرى (ارسطو) ان (المستحيل المقنع) ولا سيما في اغراض الشعر افضل من (الممكن غير المقنع)، ويمجد (اندرة بريتون) في كتابه (دراسات نفسية) 1924، في موضوعه اللاشعور، انه يمكن ان يتاح للفن امكانيات هائلة في ارتياد عالم اللاشعور، وذلك باطلاق الوجدان على سجيته دون قيد او كبت، ويقول (محمد زكي عشماوي) في كتابه (فلسفة الجمال في الفكر المعاصر) "ان اطلاق الفنان لمثل هذه الملكة من شأنها ان تتيح للقوى الخفية الحسية في اعماق النفس الانسانية ان تعمل عملها من غير ضابط فينتشر في نفس الانسان العاقل كل ما ينافي العقل" وهذا الرأي هو على النقيض تماماً مع من سبقوه من اصحاب المدرسة (الرومانسية) الذين اطلقوا العنان لهذه الملكة لاخراج مكنونات النفس الانسانية وكل نوازعها المضطربة في الداخل، فيقول (ارنست كاسيرر) في كتابه (مدخل الى فلسفة الحضارة الانسانية) "تظهر عملية الخيال في كل عصر ولدى كل فنان عظيم صور جديدة مؤيدة لقوى جديدة، ونحن نحس بهذا البعث والتجدد على اقوى صورة لدى الشعراء الغنائيين، انهم لا يحسون شيئاً الا ويقحمونه بحياتهم الداخلية الذاتية". ولكن مهما كانت اهمية المخيلة في عملية الابداع الفني، الا انه يجب على الفنان ان يستخدم (تكتيكا) او صنعة، من اجل تحقيق اخيلته واظهارها بشكل ملموس او مجسم، فلا يكفي ان يتخيل الانسان بعض الصور او يشعر ببعض الاحاسيس الدفينة في اعماق نفسه، بل الامر يحتاج الى (تخريج) هذه الصور او الاخيلة الى المتحقق الملموس في عالم الواقع.