مقالات              بقلم : الشيخ أحمد الكرعاوي

 أهل البيت ضرورة دينية وتأريخية
من السنن التأريخية الثابتة ان يكون للانبياء عليهم السلام اوصياء يشرفون على التجربة الإلهية التي شيدت من خلال الوحي ودعوة الناس الى العبودية الحقة ونبذ عبادة غير الله وتطهير النفوس من الرذائل الاخلاقية وتهذيب الناس والقضاء على الظلم الاجتماعي وتذكيرهم بالهدف الأسمى الذي خُلِقوا من أجله وهو العبودية [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ] الذاريات56.
فالاوصياء بما يتمتعون به من التكامل العالي والنفس الائقة كانوا يقومون بهذه الاعباء ولم ينقل لنا التاريخ ولا مرة واحدة في زمن اي نبي من الانبياء عليهم السلام ان يكون للناس حق انتخاب القائد للرسالة بعد رحيل انبيائهم بل الامر متروك للمولى هو الذي يعين الشخص الذي يليق بهذا المنصب [اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ] الأنعام124. لان الصفات اللازم توفرها بقائد على هذا المستوى ولهذا المنصب الخطير والمهم صفات باطنية تحتاج من له القدرة في الاطلاع على بواطن الامور كي يشخصه وهذا الامر مختص بالله عز وجل وبمن اظهره الله على علمه.
والحكمة في ذلك صيانة الامة من الاختيار الخاطئ او الوقوع في محنة الاختلاف بين افرادها والتمزق السياسي وبالتالي تكون مناخاً صالحاً لنشوب الفتن والحروب والتحزب وتدخل الاهواء وهذا ما حصل فعلاً عندما ابتعدت الامة الاسلامية عن اختيار المولى لها في بيعة الغدير واختارت لنفسها فحصل ما حصل من وصول اشخاص غير لائقين الى الحكم ويكفيك مراجعة بسيطة الى حكام بني امية والفترة العباسية المظلمة.
ومن هنا اتضح لدينا ان النبي لم يكن بدعاً من الرسل حتى يستثني من هذه السنة في ان المكمل للمشروع الالهي هم الاوصياء كما حصل لمن سبقه من الانبياء عليهم السلام فكان له اوصياء قاموا باعباء المهمة واقاموا الحجة على الناس [رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ] النساء165 ، وتوضيح معالم الدين ونشر الفكر السليم ويمكن تلخيص عمل الاوصياء بالهداية ، وهؤلاء الاوصياء كانوا يتمتعون بمزايا خاصة بهم تؤهلهم لقيادة الامة الاسلامية كالعصمة والعلم والتسديد من قبل المولى لانهم عباد اخلصوا اليه العبادة وقد ورد في الاثر الشريف (عبدي اطعني تكن مثلي او مثلي اقول للشيء كن فيكون وتقول للشيء كن فيكون) .
ومن هنا نستطيع ان نجزم حسب تجربة الانبياء السابقين ومنطق السنن الربانية وطبيعة حركة الرسالة والنصوص الواردة الينا ان يكون للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو خاتم الانبياء اوصياء يقومون بنفس المهمة التي جاء بها.
طبيعة عصر الامام
عاش الامام الهادي عليه السلام حياة صعبة ومريرة كحياة اباءه عليهم السلام بسبب الحكومات الظالمة والمنحرفة فكانت تضيق عليهم وتمنعهم حقوقهم فقد عاصر من حكام بني العباس ستة المعتصم ، والواثق، والمتوكل، والمنتصر، والمستعين، والمعتز، وفي عهده عليه السلام انتقلت خلافة بني العباس من بغداد الى سامراء وكان الامام في مدينة جده ينشر الفكر ويدير شؤون المسلمين ويمثل صمام الامان وحلقة الوصل بين السماء والارض وكانت السلطات انذاك تحذره حذراً شديداً وتتهيب منه رغم تضييقها الشديد عليه وعلى اتباعه حيث ارسل المتوكل يحيى بن هرثمة لدعوة الامام ان يأتيه الى سامراء وهي لون من الوان المضايقة السياسية والمراقبة الشديدة لهذا الوجود المبارك رغم بعد المسافة بين المدينة وسامراء لكن الخلافة العباسية المظلمة كانت تتحسس خطره وسنأتي الى المنقول التأريخي الذي يوضح لنا هذه النقطة، ولم يكن اتباع الائمة عليهم السلام بمنأى عن هذا الاضطهاد فقد كانوا يُضطهدون ومُلِئت منهم السجون وضيق عليهم حتى على مستوى ممارسة الشعائر الدينية يروي لنا المؤرخون في سنة 236هـ قام المتوكل بأبشع جريمة حيث هدم قبر الامام الحسين عليه السلام وحرث الارض من حوله حتى حار الماء واستدار وسميَ بالحائر الحسيني .
اما وضع الخلافة فقد كان الاتراك يسيطرون على الخلافة وكان لهم تأثير كبير على قرار الخلفاء كما كان لهم الدور الاكبر في عزل الخليفة كما حصل في زمن المستعين حيث حاول الابتعاد عن نفوذ الاتراك فعزلوه ثم قتلوه ، اما الوضع الاقتصادي فقد كان الناس يعيشون الفقر المدقع حتى تفشت فيهم المجاعة وهلك فيها اناس كثيرين.
كانت الحكومة منحرفة في خطها العام فقد كان الخلفاء يدمنون على شرب الخمر ولياليهم الماجنة ملئت كتب المؤرخين حتى قتل المتوكل العباسي ونثر لحمه على كؤوس الخمر، هذا مرور سريع بطبيعة عصر الامام عليه السلام وسنتناول ومضات من حياة الإمام عليه السلام.
الوميض الأول: عشق الناس للامام عليه السلام
ينقـل عـن القائـد العباسي يحيى بن هرثمة قال : أرجعني المتوكل إلى المدينة لإشخاص علي بن محمد عليه السلام لشيء بلغه عنه ، فلما صرت إليها ضج اهلهـا وعجـوا ضجيجاً وعجيجاً ما سمعت مثله ، فجعلت أسكنهم وأحلف أني لم أومر فيه بمكروه ، وفتشت منزله ، فلم أصب فيه إلاّ مصاحفاً ودعاءاً وما أشبه ذلك ، فأشخصته وتوليت خدمته ، وأحسنت عشرته . ان هذه الرواية التأريخية تحمل مجموعة من المعاني القيمة والدلالات الكبيرة فهي تدل .
أولاً : ان وجود الإمام عليه السلام كان يؤرّق الخلافة الظالمة ورغم بعد المسافة بين سامراء والمدينة إلا ان تأثيره عليه السلام ممتد إلى مختلف أنحاء العالم الإسلامي وكان شغل الخلافة الشاغل والهم الذي تعيشه في كيفية التعامل مع الإمام الهادي عليه السلام فرغم الظروف السياسية والأمنية التي كانت تعيق الكثير من حركته ولكن تلك الصعوبات لم تحجب الثقل الديني والسياسي للإمام عليه السلام.
ثانياً: ان بكاء الناس بسبب فراق الإمام عليه السلام لهم يحمل دلالات عظيمة باعتبار ان المدينة لم تكن كلها موالية أو شيعية بل كان فيها أبناء كافة المذاهب الإسلامية وهذا يدل على تأثير الإمام عليه السلام الكبير والمنزلة التي كان يحضى بها حتى عند أبناء المذاهب الأخرى بحيث وصل الحال بهم الى إظهار التفجّع والحزن لأن رحيله كان يترك فراغاً روحياً وعلمياً واجتماعياً كبيراً باعتباره كان مرآةًً عاكسة لأخلاق وعلم جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهذا يدل على احتواء الإمام عليه السلام لكافة الإتجاهات والتعامل معهم وتأسيس مبدأ التعايش السلمي وفتح باب الحوار في تلك الضروف الصعبة.
ثالثاً: ويمكن تفسير حزن الناس بسبب موقف الحكومة وطبيعتها الإجرامية وأنها ما كانت توقّر العلماء وأهل الفضل بل كانت تسعى للقضاء عليهم وهذا المقطع التأريخي كاشف عن الوجه القبيح لتلك الخلافة العباسية المعتمة بل هذا المعنى انقدح في ذهن والي بغداد وسنأتي إليه في المقطع الثاني في الرواية.
الوميض الثاني: تأثير شخصية الامام عليه السلام على رموز السلطة:
فلما قدمت إلى مدينة السلام بدأت بإسحاق بن إبراهيم الطاهري وكان على بغداد ، فقال : يا يحيى إن هذا الرجل قد ولده رسول اللـه صلى عليه وآله وسلم والمتوكل من تعلم ، وإن حرضته عليه قتله ، وكان رسول اللـه صلى الله عليه وآله وسلم خصمك ، فقلت : واللـه ما وقفت منه إلاّ على أمر جميل . فصرت إلى سامراء فبدأت بوصيف التركي وكنت من أصحابه ، فقال لي : واللـه لئن سقط من رأس هذا الرجل شعرة لايكون الطالب بها غيري ، فتعجبت من قولهما ، وعرَّفتُ المتوكل ما وقفت عليه من أمره ، وسمعته من الثناء فأحسن جائزته ، وأظهر بره وتكرمته.
ان موقف والي بغداد وكذلك قائد الجيش التركي الموالي للخلافة يثير الدهشة والغرابة باعتبار ان هؤلاء من الطبقات الاجتماعية المترفة والمتميزة بولاءها للخلافة وباعتبار انهم وجه من وجوه السلطة بما يمثلون من مناصب سياسية فان الرواية التأريخية تشير انهم كانوا يعيشون القلق على الإمام  وطلبوا من يحيى ان لا يمس الإمام بسوء ورغم صدور مثل هذه التصريحات وظهور العطف والميل باتجاه شخص الإمام عليه السلام ربما يودي بحياتهم أو يحرمهم من المناصب التي كانوا يشغلونها ورغم ذلك لم يتوقّفوا في إظهار هذا الميل وهذا يدل بشكل واضح على طبيعة حركة الإمام عليه السلام بحيث وصل تأثيرها إلى رموز السلطة آنذاك والتأثير عليهم ولو بمقدار الميل والإحترام وكاشف عن فضل الإمام وأنه قطب الرحى ونور الدجى وحامل ميراث الأنبياء. ان هذا الموقف يحتاج إلى فرد مقال خاص لتسليط الضوء عليه ونحن نكتفي بهذا المقدار ونترك بقية المعاني والإشارات إلى فطنة القارئ اللبيب .
الوميض الثالث: الحكمة في المواجهة :
أدخل المتوكل الإمام عليه السلام إلى مجلس لهوه وطلب منه المشاركة فيما كان فيه ، فوعظه الإمام عظة بليغة تعالوا نستمع إلى قصة ذلك حسبما ينقلها المسعودي ، قال : سعى إلى المتوكل بعلي بن محمد الجواد عليه السلام أن في منزله كتباً وسلاحاً من شيعته من أهل قم ، وأنه عازم على الوثوب بالدولة ، فبعث إليه جماعة من الأتراك ، فهجموا داره ليلاً فلم يجدوا فيها شيئاً ووجدوه في بيت مغلق عليه ، وعليه مدرعة من صوف ، وهو جالس على الرمل والحصى وهو متوجه إلى اللـه تعالى يتلو آيات من القرآن ، فحمل على حاله تلك إلى المتوكل وقالوا له : لم نجد في بيته شيئاً ووجدناه يقرأ القرآن مستقبل القبلة ، وكان المتوكل جالساً في مجلس الشرب فدخل عليه والكأس في يد المتوكل . فلما رآه هابه وعظمه وأجلسه إلى جانبه ، وناوله الكأس التي كانت في يده فقال : واللـه ما يخامر لحمي ودمي قط ، فاعفني فأعفاه ، فقال : أنشدني شعراً فقال عليه السلام: إني قليل الرواية للشعر فقال : لابد ، فأنشده عليه السلام وهو جالس عنده :


باتـوا علـى قـلـل الأجبــال تحـرســـهــم
                                                                       غلـــــــب الــــــرجــــــال فلــم تنفعهـم القـلل
واستنزلــوا بعــد عــز مـــــن معــاقلهـم
                                                                 واسكنـــــــــوا حفــــــراً يـا بئسما نــزلــوا
نــاداهـم صــــــارخ مـن بعـــد دفـــنهــــم
                                                                     أيـــــــــــن الأســــاور والتيجـــان والحـــــــلل
أيــن الوجــوه التي كانـت منعَّـــمـــــــة
                                                                 مـــــــن دونهــا تضـــرب الأستار والكــلل
فأفصح القـــبـر عنهـم حين ساءلهــــم
                                                                    تلــك الـــوجــوه عـــليها الــــــــــــدود تقتتـل
قـد طـال مــا أكلـوا دهراً وقد شربـوا
                                                        وأصبحوا اليوم بـعــد الأكــل قـد أكلوا


قـال : فبكى المتوكل حتى بل لحيته دموع عينيـه ، وبكى الحاضرون ، ودفع إلى علي عليه السلام أربعـة آلاف دينار ، ثم رده إلى منزله مكرّماً .
رغم قسوة النظام الحاكم لكن هذا لم يمنع الإمام من مواجهته باسلوب هادئ ويقيم الحجّة عليهم ويثبت جهلهم وانحرافهم عن التعاليم الإسلامية ويذكرهم بثوابت الإسلام وهي الآخرة وانهم يحشرون إلى المولى ويسألون فماذا يقدّمون من جواب؟ ان لهذه الشخصية العظيمة الأثر البالغ في تحريك الناس وتحطيم عروش الطغاة .
الى هنا نكتفي بهذا المقدار وسنتواصل معكم بمزيد من الومضات حول حياة الامام عليه السلام فالى الملتقى .