من حكايات العلماء                                   إعداد : الشيخ أمجد سالم الجنابي

 أبانا غائب           ونحن اليلة جياع

نُقِل عن العالم المتقي الحاج ميرزا محمد الصدر البوشهري (عليه الرحمة) قال: عندما سافر والدي المرحوم الحاج الشيخ محمد علي من النجف الأشرف إلى الهند كان لي ولأخي الشيخ أحمد من العمر ست وسبع سنين، وقد طال سفر والدي بحيث إن المبلغ الذي تركه والدي عند أمي قد نفد، وقد بكينا من شدة الجوع وكان الوقت عصراً، وقد تعلقنا بأمنا.
فقالت لنا أمنا: أسبغا الوضوء والبسا ثياباً طاهرة، وخرجت بنا من المنزل حتى دخلنا الصحن المقدس، فقالت أمنا: أنا أجلس في هذا الإيوان، وأنتما اذهبا إلى الحرم وقولا لأمير المؤمنين عليه السلام : إن أبانا غائب ونحن الليلة جياع، وخذا من الإمام عليه السلام مصرفاً وأتيا به حتى أهيئ لكما عشاءا. فدخلنا الحرم ووضعنا رأسينا على الضريح المقدس وقلنا: إن أبانا غائب عنا ونحن جياع، ومددنا أيدينا إلى داخل الضريح وقلنا: أعطنا مصرفنا حتى يمكن لأمنا أن تهيئ لنا عشاءا ، ولم يمض من الوقت إلا قليل حتى حان أذان المغرب، وسمعنا صوت: قد قامت الصلاة، فقلت لأخي: إن أمير المؤمنين عليه السلام الآن مشغول بالصلاة ـ وبتصور الطفولة، قلت: إن حضرة الأمير عليه السلام يصلي صلاة الجماعة ـ وبعد ذلك جلسنا في زاوية من المحرم المطهر بانتظار انتهاء الصلاة، وبعد أقل من ساعة وقف شخص في مقابلنا وأعطاني كيساً من المال وقال: (خذ هذا الكيس وسلمه لأمك، وقل لها: كل ما تحتاجه لتراجع المحل الفلاني حتى يأتي والدكما) وقد نسيت المحل الذي حولنا عليه.
والخلاصة: إن سفر والدنا قد دام شهوراً، وفي هذه المدة كنا نعيش بأحسن ما يكون حتى قدم علينا والدنا.

تنام شبعاناً وجارك جائع !!!

يقول احد تلاميذ المرحوم العارف الشيخ رجب علي خياط انه سمعه يقول: رأيت في احدى الليالي في عالم الرؤيا وكأني مجرم اقاد الى السجن، وفي صبيحة اليوم التالي شعرت بالاستياء وبقيت اسئل نفسي عن سبب تلك الرؤيا.
وعلمت بفضل الله تعالى ان موضوع تلك الرؤيا يتعلق بجاري، فطلبت من زوجتي تقصي الامر واعلامي بالخبر فعلمت ان جاري الذي كان يعمل بناءاً مرت عليه عدة ايام وهو عاطل عن العمل وقد بات الليلة الماضية هو وزوجته جائعين، فقلت مع نفسي، الويل لك اتنام شبعاناً وجارك جائع؟!
ويضيف المرحوم العارف الشيخ رجب علي خياط قائلاً: كنت ادَّخر من النقود في حينها ثلاث عباسيات ـ وهي العملة المتداولة في ذلك الوقت ـ
فأخذتها واضفت اليها عبأسياً آخر اقترضته من بقال المحلة وقدمتها الى جاري مع الاعتذار اليه، وطلبت منه ان يخبرني متى ما كان عاطلاً عن العمل او لم يكن لديه نقود.

كيف بلغت هذا المقام ؟

 قصة نقلها اية الله الشيخ بهجت أنه في سنوات سابقة التقى مع خطيب في مدينة (رشت) الإيرانية ، فأخبره الخطيب أنه في بداية ارتقائه المنبر يسلّم أولاً على أبي عبد الله الحسين عليه السلام ، فإن سمع منه الجواب واصل في قراءته للحاضرين، وإن لم يسمع نزل من المنبر واعتذر لهم.
فسألته: كيف بلغت هذا المقام، حيث تسمع جواب سلامك من الإمام عليه السلام ؟..
فقال: كنت في السابق أصعد المنبر في بيت أحد المؤمنين، وكان يصعده قبلي بساعة خطيب أفضل مني علماً وإلقاءاً وصوتاً، وأنا أراقب نفسي، فكلما خطر في قلبي حسد تجاهه عاقبت نفسي بالامتناع عن صعود المنبر أربعين يوماً، بهذه الطريقة والمحاسبة والمعاقبة روّضت نفسي، حتى أصبحت أسمع جواب سلامي على أبي عبد الله الحسين عليه السلام .

إن مدينتكم هذه كالجنة

 رُوي ان الشيخ جعفر كاشف الغطاء المتوفي عام 1228 للهجرة عند زيارته المعروفة لايران مر بأحدى المدن الشمالية الجميلة والتي كان الالتزام الديني فيها ضعيفاً، فطلب منه المؤمنون ان يصلي بهم جماعة، وأقاموا الصلاة في ساحة المدينة وطلبوا من سماحة الشيخ ان يحدثهم بعد الصلاة، فاعتذر لهم بضعف لغته الفارسية. ولكن المؤمنين اصروا، فارتقى المنبر وقال:
ايها الناس كلكم تموتون، والشيخ ايضاً يموت، اذن فكروا بيوم الاخرة، ثم قال: ايها الناس.. ان مدينتكم هذه كالجنة، ففي الجنة قصور وفي مدينتكم قصور، وفي الجنة بساتين وحدائق، وفي مدينتكم بساتين وحدائق، وفي الجنة لا صلاة ولا صيام ولا عبادة، وفي مدينتكم لا صلاة ولا صيام ولا عبادة !
فانتبه الحاضرون الى مقصود الشيخ كاشف الغطاء، وثارت فيهم الغيرة لاصلاح الوضع الديني في مدينتهم بهذا الاسلوب اللبق فتح الشيخ آفاقاً في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ودعاهم الى الاهتمام الشديد بالصلاة والصوم ..