رجال من صفحات التاريخ                            إعداد : الشيخ أمجد الجنابي

 

 

 

 

الســــيـــــد عبد الحــــــسين شـــــرف الدين الموسوي

(1290هـ ـــ 1377 هـ )

 

من كلماته الخالدة :

  •  (حذار من بقاء الفرقة وتشتت الإلفة واختلاف الكلمـــة وتنافر الأفئدة)

  •  (لا ينتشر الهدى الا من حيث انتشر الضلال ).

 

 أقوال العلماء فيه

 آية الله العظمى السيد محسن الحَكيم:
كان السيّد شرف الدّين مَنبعاً للرّحمة والإحسان، نهلَ منه الكَثير، وارتوى به القسم الأكبر.
آية الله العظمى السيد الخوئي(ره):
لقد رأيتُ بأمّ عَيني فضائله الأخلاقيّة وهي ترتقي أعلى المَراتب، لا يُدانيها فَضل، ولا يُضارعها عزّ، وقد امتلك من الآراء والنظريات ما لا يُستطاع لغيره، ولا يُتاح لغَريمه.
آية الله السيّد جواد التبريزيّ:
كانت شخصيّة المرحوم السيّد شرف الدّين تتّسم بحُريّة الفِكر، وتتّصف بشجاعة المنطق، وجهاداً لا يوصَف، حتى لتظنّ أنّ عناصر الأمّة كلّها مجموعة في رَجل واحد.

  وُلِد قدس سره في مدينة الكاظميّة (الأوّل من جمادى الثانية سنة 1290هـ) مِن أبوَين عَلَويّين كـان والده السيد يوسف شرف الدين من علماء جبل عامل في جنوب لبنان. اماوالدته فهي العلوية الجليلة بـنـت آيـة اللّه الـسيد هادي الصدر,واخت السيد حسن الصدر و ينتهي نسب عائلة آل شرف الدين الى الامام موسى الكاظم عليه السلام بواحد وثلاثين عقب .
دراسته
عاد برفقة والده الى لبنان ، وبدأ بدراسة مرحلة المقدمات عنه ، ثم درس مرحلة السطوح عند الشيخ باقر حيدر, والسيد صادق الاصفهاني والشيخ علي باقر (ابن صاحب الجواهر)، و عندما بلغ عمره 17 سنة هاجر الى العراق لاكمال دراسته في حوزة النجف الاشرف وبـعـد اكـمـالـه مرحلة السطوح العالية اخذ يحضر دروس المراجع و العلماء الاعلام في النجف الاشـرف مـن امـثال : الشيخ حسن الكربلائي , والشيخ محمد طه نجف, والاخوند الخراساني , و الـسـيد محمدكاظم اليزدي, والسيد اسماعيل الصدر, والشيخ فتح اللّه الاصفهاني, والسيد حسن الصدر. كان رحمه الله كثيرَ السؤال والمذاكرة والاستفسار عن مشاكل المسائل، محبّاً للمناظرة والإفادة، كارهاً للجدل العميق، اصبح من المجتهدين المرموقين معروفا لدى الاوساط العلمية بصورة قلما حظي بمثلها عالم قبله وفي مثل سنه متنقلا بين الحين والاخر بين النجف الاشرف وكربلاء والكاظمية وسامراء يتصل باعلام هذه البلاد ومراجعها حتى اصبح اسمه يتردد في كل منتدى علمي وبالاضافة الى علمه الغزير كان شاعرا من الطراز الاول تقرأ في شعره الرقة والجزالة والمتانة مع دقة المعنى وفصاحة اللفظ وبداعة الاسلوب .
مواقفه السياسية
تصدى الـسـيـد شـرف الـدين ( قدس سره ) للاستكبار والاستعمار بانواعه واشكاله كافة وكانت مواقفه الجهادية ضد الاستعمار الفرنسي معروفة لدى الجميع وحاول الاستعمار الفرنسي ايجاد كثير من المتاعب والمشكلات ووضع العراقيل في مسيرته، حـتـى اضطر الى ان يهاجر الى دمشق, وقد حاول جيش الاحتلال الفرنسي جاهدا منعه من الـسـفـر الـى دمـشق, الا ان جميع محاولاته باءت بالفشل, مما اضطرهم الى التعبير عن غضبهم و انـتـقـامـهـم بـحـرق منزله في منطقة شحرور, والاغارة على منزله الاخر في مدينة صور ومصادرته واحراق مكتبته التي كانت تحتوي على كثير من المخطوطات العلمية القيّمة .
وعـنـد وصوله الى دمشق قام بالقاء الخطابات واصدار البيانات التي تشجب الاحتلال الفرنسي، و تؤكد على ضرورة التصدي لهذا الاحتلال ، ولم يكن بد من اصطدام العرب بجيش الاحتلال الفرنسي، فقد كانت الأسباب كلها مهيأة لهذا الاصطدام، حتى إذا التقى الجمعان في (ميسلون) واشتبكا في حرب لم يطل أمدها، ودارت الدائرة على العرب لأسباب نعرض عنها.
وعلى اثر تلك النهضة التي فجرها السيد شرف الدين, قامت قوات الاحتلال الفرنسي بابعاد قادة تلك الـنـهضة المباركة الى فلسطين, وعلى اثر ذلك هاجر السيد الى فلسطين, وحدثت ظروف دعته إلى أن يكون قريبا من عاملة إلى قرية من فلسطين تسمى (علما) تقع على حدود جبل عامل، وفي هذه القرية هوى إليه أهله وعشيرته، ولحق به أولياؤه المشردون في هذا الجهاد الديني الوطني، فكانوا حوله في القرى المجاورة. وكان في (علما) كما يكون في جبل عامل من غير فرق كأنه غير مبعد عن داره وبلده، يتوافد إليه الناس من قريب ومن بعيد، ولا يكاد يخلو منزله من أفواج الناس، فيهم الضيوف، وفيهم طلاب الحاجات، وفيهم رواد القضاء، والفقه، وفيهم من تستدعه الحياة السياسية أن يعرف ما عند السيد من وجه الرأي.
وانسلخت شهور في (علما) تصرفت فيها الأمور تصرفا يرضي السيد بعض الرضا، عندها اضطرت فرنسا على اللجوء الى مفاوضات طويلة مع اطـراف مـخـتـلفة، قام خلالها رئيس مجلس الاعيان في العراق آنذاك العلامة السيد محمد الصدر بالتوسط في مسالة ارجاع السيد عبد الحسين شرف الدين, وجميع المبعدين في فلسطين الى مـنـطقة جبل عامل في جنوب لبنان, وعند عودتهم اليها قام الناس باستقبالهم بالحفاوة والترحيب .
مصر
زار السيد (قده) مصربعد معركة ميسلون قادما من فلسطين وقد احتفلت به وكان متنكرا وراء كوفية وعقال، في طراز من الهندام على نسق المألوف من الملابس الصحراوية اليوم وقد احتفلت به واستقبلته خير استقبال ، ولم يكن هذا أول عهده بمصر فقد عرفته مصر قبل ذلك بثمان سنين، حين زارها في أواخر سنة تسع وعشرين في رحلة علمية جمعته بأهل البحث، وجمعت به قادة الرأي من علماء مصر، وعقدت فيها بينه وبين شيخ الأزهر يومئذ ـ الشيخ سليم البشري ـ اجتماعات متوالية تجاذبا فيها أطراف الحديث وتداولا جوانب النظر في أمهات المسائل الكلامية والأصولية، ثم كان من نتاج تلك الاجتماعات الكريمة كتاب (المراجعات).
العودة
وحين اطمأنت نفسه بما وعدته به السلطة، عاد إلى جبل عامل، ولم تسمح نفسه بأن يعود والمجاهدون مبعدون، لذلك جعل بيروت طريق عودته ـ وطريقه بعيدة عنها ـ ليستنجز العفو العام عن المجاهدين، وكذلك كان، فانه لم يخرج من بيروت حتى كان المجاهدون في حل من الرجوع إلى وطنهم وأهليهم.
ولعل جبل عامل لم يشهد يوما أبهج ولا احشد من يوم عودته، ولعله لن يشهد يوما كهذا اليوم، يحشر فيه الجبل من جبله وساحله، في بحر من الناس يموج بعضه فوق بعض، وتطفوا فوقه الأعلام رفافة بالبشر، منحنية بالتحية، والهتاف، مجلجلة كجلجة الرعد.
أول صلاة جماعة خلف إمام شيعي
في سنة 1340 هـ حج البيت من طريق البحر، في عهد الملك حسين، وحج معه خلق كثير من جبل عامل في ذلك الموسم، وكان الموسم في ذلك العام من احفل مواسم الحج وأكثرها ازدحاما وإقبالا على هذه الفريضة ولعل مكة لم تشهد مثل هذه الموسم منذ عهد بعيد، وكان في الحجيج تلك السنة كثير من الأعلام من علماء وزعماء من مختلف الأقطار، وكان السيد أبرزهم بين تلك الجموع اسماً، وأعلاهم مكانة، وأرفعهم بيتا واسخاهم كفا.
وهو أول عالم شيعي أم هذه الجماهير الضاغطة المزدحمة في المسجد الحرام بمكة المشرفة، وهي أول مرة تقام فيها الصلاة وراء إمام شيعي على هذا النحو العلني تجتمع فيه الألوف معلنة في غير تقية.
ومن هنا كان حجه مشهورا يتحدث عنه الناس في سائر الأقطار الإسلامية، وقد احتفى به الملك الحسين بن علي أجمل احتفاء وأفضله، واجتمعا أكثر من مرة وغسلا معا الكعبة.
خدماته
له خدمات جليلة وواسعة في جنوب لبنان, نذكر اهمها:
1 - بـنـاء مـسـجد وحسينية في منطقه تجمع الشيعة في جنوب لبنان, لغرض اقامة الصلاة واحياء المناسبات الاسلامية فيها.
2 - تاسيس المدرسة الجعفرية, للمحافظة على افكار الشباب وتحصينها ضد الافكارالاستعمارية التي كان الاحتلال الفرنسي يبثها عن طريق المدارس الرسمية .
3 - انشاء مسجد الجعفرية .
4 - بناء مدرسة الزهراء عليها السلام.
5 - تـاسـيـس نادي الامام الصادق عليه السلام ، لاقامة الاجتماعات والمؤتمرات الاسلامية والعلمية والتربوية والثقافية .
6 - القيام ببناء الروضة الجعفرية للاطفال, بقسميها للبنين والبنات .
7 - افتتاح جمعية نشرالعلم .
8 - تاسيس الجمعية الخيرية الجعفرية , لمساعدة الفقراء والمحتاجين .
9 - تاسيس جمعية البر و الاحسان, لرعاية المساكين واليتامى .
رحلته الى الرفيق الاعلى
انـتـقـل الـى رحـمـة اللّه تعالى في لبنان بتاريخ 8 / جمادى الثانية / 1377 هـ ، وتم تشييع جثمانه الـشـريف بشكل رسمي في العاصمة اللبنانية بيروت, ثم نقل جسده الطاهرالى بغداد بالطائرة, و شيع في مدينة الكاظمية و كربلاء المقدستين والنجف الاشرف, حيث شارك في ذلك التشييع المهيب الـذي لا مـثـيـل له طبقات المجتمع كافة, وبالخصوص العلماء الاعلام, وتم دفنه في الصحن الشريف للامام اميرالمؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام ، وقد رثاه العلامة الشاعر نورالدين بهذه الابيات التي ارخت تاريخ وفاته في عام (1957 ميلادي ):


لقد فوجئ الدين في نكــــبة
                                                أطلــــــــّت فروّعت الخافقـــــين
طوت آيــــة اللّه في خلــــــــــقه
                                              ومن كان للحق انســـــــان عين
اقول لتــــــــــــاريخه قــــل بـــــه
                                             قضى شرف الدين عبد الحسين