التفسير                                                        الشيخ ناجح العبودي

بسم الله الرحمن الرحيم

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا

سورة النساء / 19

   شرح المفردات
(كرهاً) من جهة القراءة فيها لغتان بالضم كرها وبالفتح حالها حال الفُقر والفَقر والضعف والضعف ومعناها في الجملة واضح وهو إجبار الغير على فعل هو غير مريد له إرادة رضا وطيب خاطر
(تعضلوهن) العضل اصله الامتناع يقال عضلت الدجاجة بيضتها إذا عسرت عليها وعضل الفضاء بالجيش الكثير إذا لم يمكن سلوكه لضيوفه، ومنه الداء العضال الذي لا يبرء ولا يرجى منه شفاء، والمراد منها في الآية التضيق على الزوجة بالمنكح والمأكل والمشرب والملبس وغير ذلك إلى أن تطلب الانفصال وحينئذ لا يطلقها إلا بفدية تدفعها هي له، أو المراد منه المنع من التزويج كما سيأتي في أسباب النزول، فانتظر؟
(الفاحشة) وردت هذه المفردة في مواضع متعددة من الكتاب العزيز منها الأول (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ {آل عمران/135} الورد الثاني في سورة النساء 21 وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلاً {النساء/22} والمورد الثالث الأعراف الآية 28 وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ {الأعراف/28} والمورد الرابع الأسراء 32 وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً {الإسراء/32} أما المراد منها في المقام فهو على قولين الأول هو خصوص الزنا استناداً على روايات عدة وكذلك للتصريح بها كما في المورد الرابع وكذلك الاشارة إليه في الموارد الأخرى والقول الثاني أعم من الزنا فيراد من الفاحشية الزنا وكل ما يوجب النشوز كذلك بعض الأفعال القبيحة كالسرقة ولا تدخل فيها صغائر الذنوب وسيأتي فريد بيان.
  أسباب النزول
أولاً: في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر الباقرA عندما سُئِلَ عن هذه الآية، كان في الجاهلية في أول ما أسلموا من قبائل العرب إذا مات حميم الرجل وله أمرأة ألقى الرجل ثوبه عليها إشارة إلى أنه ورث نكاحها بصداق (مهر) صميمها الذي كان أصدقها يرث نكاحها كما يرث مالها فلما مات ابو القيس بن الأسلت ألقى محض وهو إبنه ثوبه على أمرأة أبيه وهي كبيشة بنت معمر بن معبد فورث نكاحها كما يرث مالها ثم تركها وهجرها لا يدخل بها ولا ينفق عليها، فأتت إلى رسول الله5 فقالت يا رسول الله مات أبو القيس الأسلت فورث إبنه محصن نكاحي فلا يدخل عليّ ولا ينفق عليّ ولا يخلي سبيلي أفالحق بأهلي؟ فقال رسول الله5 إرجعي إلى بيتك فإن يحدث الله في شأنك شيئاً أعلمتك فنزل قوله تعالى (وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلاً {النساء/22} فلحقت بأهلها.
ثانياًَ: وقيل نزلت في الرجل تكون تحته أمرأة فيكره صحبتها ولها عليه مهر فيطول عليها ولا يضاجعها ويهجر فراشها ويقوم بالتضييق عليها إضراراً بها لكي تطلب الخلع وتتنازل عن المهر وتفتدي به، فجاء النهي عن هذا الفعل.
ثالثاً: وقيل عن ابن عباس نزلت في الرجل يحبس المرأة عنده لا حاجة له إليها وينتظر موتها حتى يرثها، ويقرب من هذا المعنى ما روي عن إبراهيم بن ميمون عن أبي عبد الله الصادقA سألته عن قوله تعالى (لا يحل لكم...) قال الرجل تكون في حجره اليتيمة فيمنعها من التزويج ليرثها بما تكون قريبة له، فقلت له: وقوله تعالى (ولا تفضلوهن) قال: الرجل تكون له أمرأة فيضربها حتى تفتدي به فنهى الله تعالى عنه ذلك.
مناقشة وتحليل
ناقش صاحب الميزان الآية الكريمة بقوله وإن كانت ظاهرة أنها تنهى عن سُنة دائرة بينهم وهي أرث النساء فتكون مسوقة للردع عن هذه السنة السيئة، ولكن قوله تعالى في ذيل الجملة (كرها) لا يلائم هذا القول سواء أخذ هذا القيد توضيحياً أو إحترازياً فإنه لو كان توضيحياً أفاد أن هذه الوراثة تقع دائماً على كره من النساء وليس الأمر كذلك وهذا ظاهر. وإن كان إحترازياً أفاد أن النهي إنما هو إذا كانت الوراثة عن كره من النساء دون ما إذا كان على رضا منهن وليس الأمر كذلك نعم الكره أمر متحقق بالعضل من الأزدواج طمعاً في ميراثهن دائماً أو غالباً بعد التضييق عليهن بالإرث على كره، وأما نكاحهن بالارث فالمتعرض للنهي عنه قوله تعالى (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء) وأما التزويج من الغير والذهاب بمهرهن فينهى عنه مثل قوله تعالى (وللنساء نصيبٌ مما أكتسبن).
المعنى الإجمالي
الإسلام برز للساحة الثقافية والتشريعية والقانونية كتشريع عظيم فرض عظمته من خلال حفظ الذوات والذمم وصونه للحقوق وإرساءه للواجبات التي بها صلاح النظام، وأرسى دعائم العدالة والمساواة الواقعية، وهي إعطاء كل شخص محتسب ذاته وخصوصياته وأحواله ما يستحقه ويوجب عليه ما يحقق به الخير له ولغيره، ولاجل ذلك وغيره سلك عدة طرق لأرساء هذه القوانين والعمل بها، منها التدرج في التقنين بحسب المناسبات الموجبة لذلك وبحسب الاستعداد النفسي والعملي لتقبل ذلك التشريع، وما نحن بصدده في هذه الآية يبرز الحل الإسلامي والمعالجة الإنسانية لبعض الحالات والممارسات التي تحصل بين الرجل والمرأة والزوج وزوجته فيقر ويقوي بعض الافعال وينهى عن البعض الآخر موضحاً الحلول اللازمة لتجاوزه، وأول هذه الأمور في الآية الكريمة نكاح ما نكح الآباء وإعضالهن، وهذا المقطع من الآية الكريمة نكاح ما نكح الآباء وإعضالهن، وهذا المقطع من الآية لا يهمنا كثيراً الخوض فيه لانه بفضل هذا التشريع العظيم انمحت هذه الظاهرة وزالت عن مجتمعاتنا، ولكن نعتني بالشقين الآخرين وهما منع المرأة من التزويج والثاني التضييق على الزوجة لكي تسقط مهرها وكذلك تطليقها لأدنى سبب وشكل، حيث ان بعض الرجال الذين لا يؤمنون بالغيب وكل ما يؤمنوا به هو ما يشاهدونه ويحسونه، ويرون الموت أمراً بعيداً فكأن الموت لا يأتي إلا بعد عمر طويل، فيتزوج بعضهم بأمرأة كبيرة سناً ولكنها من ذوات الأموال والثروة، وبعد ذلك يهجرها ويسيئ معاملتها ويذرها معلقة فلا هي من المعاشرات بالمعروف ولا هي من المطلقات بإحسان كل ذلك أملاً وطمعاً بأحدٍ أمرين إما في موتها قبل موته ووراثة مالها ومدخراتها أو على أسوء التقادير تجزع من هذه الحالة وهذه المعاملة فتدفع له مالاً هو يقرره لكي يطلقها فتفتدي نفسها وحريتها منه بالمال. فهذه حالة مرفوضة لا تخدم الأسرة ولا المجتمع الإنساني لذلك نهى الباري تعالى عنها بهذا النهي ولم يكتفِِ بذلك بل أمر بضده وهو الأمساك بالاحسان والمعاشرة بالمعروف او الطلاق والتسريح باحسان وهو أبغض الحلال، ليس هذا فحسب بل وضع ضوابط لسلوك الرجل مع زوجته فلها حقوق وعليها واجبات ومن جملة حقوقها وجوب نوم الزوج ومضاجعته لها ولا يجوز ترك ذلك له إلا في أيام معدودة وكذلك لا يجوز له ترك مجامعتها لأشهر طويلة، فترك النوم والفراش لمدة وترك الجماع لمدة أخرى مما نهى عنه الباري تعالى كل ذلك صوناً لهذه العلاقة العظيمة وصوناً للأسرة التي بصلاحها يصلح المجتمع، وهذا وغيره كله مفصّل في كتب الفقه، ومثل هذا الفعل عندما تسوق الأقدار بعض اليتامى لبعض الرجال فتتربى في حجره ولا معيل ولا مدافع لها غيره ومع ذلك فهي تملك المال والثروة من أهلها فيقوم هذا العبد الجاني بقطع السبيل أمام زواجها وخروجها من بيته ومتنعمة بأموالها التي رزقها الله إياها ويبقيها عنده إلا ان تموت فيرثها لأنه لا قريب لها إلا هو، كل ذلك ممنوع وممقوت ومنهي عنه.
كراهة النساء
وهذه الممارسة أشد من الأولى وأكثر تداولاً عبر الأجيال وهي ان يكره الزوج زوجته بسبب إتصافها بصفة هو لا يرغب بها أو كانت الصفة ممقوتة عرفاً أو محرمة شرعاً، او تتغير قناعته بشخصها أو عائلتها أو جمالها او أي شيء آخر يكون لوحده سبباً أو مع اجتماعه مع أمور أخرى فيكون سبباً لكراهتها، فإذا حصلت الكراهة فما هو الحل يا ترى ومن يقترح ويضع الحل؟
الباري تعالى هو الصانع وهو الخارج وهو العالم بما كان وسيكون في قادم الأيام يضع الموازين الحقة لحل هذا المشكل العائلي ويمكن تلخيص الحل بمراحل.
1ـ المرحلة الأولى المعاشرة بالمعروف فهن لباس لكن وانتم لباس لهن ومن يدري لعل حسن المعاشرة يغيّر الآراء ويبدّل التوجهات.
2ـ المرحلة الثانية الصبر على الجهة والشيء الذي سبّب الكراهة والكره ومداراة الزوجة وما ذلك الصبر إلا لمجهوليته عواقب الأمور، فعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم بل الأكثر من ذلك لعل الصبر والمداراة يكون سبباً لجعل الله تعالى الخير الكثير في ذلك الشيء، فكثيراً ما يخطئ الإنسان بأحكامه على الأشياء ويحسّن القبيح ويقبّح الحسن لدواعي مضمرة فلعل كره الزوجة حاصل بسبب شيء متوهم، إذ لا يمكن ان نفرض أمراً آخراً وهو أنه مصيب في حكمه ولكنه لو اطلع على الغيب او على قادم الايام لما فعل فعله ولما كره تلك الزوجة.
3ـ المرحلة الثالثة: ماذا لم يصبر عليها وأستمر على كراهتها وأراد إستبدالها فعليه ان يطلقها بإحسان ويسرحها سراحاً جميلاً. أما أنه يضيق عليها ويذرها كالمعلقة طمعاً في مهرها وصداقها لكي تفتدي به فهذا كله محرم وممنوع.
الزنا والنشوز
هذه الحالة هي المستثناة فإذا ثبت أنها زانية فله أن يتركها ويُضيق عليها من باب العقوبة حتى تفتدي بمالها ومهرها نفسها حتى تحصل على الطلاق وكذلك الحال في الناشز التي لا يُرجى صلاحها يجوز التضييق عليها حتى تطلب الخلع هذا ما يظهر من الآية الكريمة ومع ضم ما ذكر في آيات أخرى يكون حال الناشز إيضاً على مراحل
الأولى:ـ هجرها في المنام المضاجعة فإذا انتهت فبها ونعمت.
2ـ ضرب الناشز بنحو لا يوجب الاحمرار والجروح بل يكشف عن عدم الرضا والإهانة وتقليل القدر لعلها ترتدع.
3ـ أن يأتي رجلان صالحان من أهله وأهلها يكونان كحكمين يحاولا أن يصلحا بينهما فإن أرادا إصلاحاً يصلح الله بينهما، وإلا أي وإن لم يتحقق شيء من ذلك فللزوج أحد خيارين إما التسريح بإحسان أو التضييق عليها حتى تطلب الخلع وتفتدي بمهرها طلاقها.
الخلع في الإسلام
ما تقدم اعلاه هو بعض ما يظهر من الآية الشريفة ولكن عند ضم الآيات الأخرى إلى المقام وكذلك ما ورد في السنة النبوية المطهرة لاسيما أقوال أئمة الهدى صلوات الله عليهم أجمعين يتحصّل عند الفقيه كم هائل من الكلام والنقاش فيه استنبط الفقهاء احكام الطلاق والخلع والمباراة فراجع الرسائل العملية.
والحمد لله رب العالمين