الأدبية                                                إعداد : فائق الشمري

التجديد والمعاصرة       في الفكر والأدب

  سعى المثقفون العرب المعاصرون إلى التحديث والتجديد في الخطاب الفكري الجاد لما رؤا فيه من تقدم تفرضه ضرورات العصر الحديث وفرصة سانحة يتاح فيها للفرد والجماعة حياة افضل وبما يتلائم ومسيرة الحياة الجديدة حتى اصبحت الحداثة والتحديث والمعاصرة والعصرنة هاجساً يراود التطور التقني الذي طغى على مسيرة الحياة العامة للانسان في كل بقعة من بقاع الارض النائية منها والقريبة والذي لم يترك مرفقا من مرافق الحياة إلا وترك آثاراً لبصماته فيها. ذلك ان الحداثة ما هي إلا المشاركة والمساهمة في هذا التحول الكبير الذي تشهده الانسانية اليوم وهي تمر في تحولات كبيرة والذي يعنينا في حديثنا هو التحديث والمعاصرة في عالم الفكر الانساني المتمثل بالادب والفن وتدوين حركة التاريخ والفلسفة والسياسة والاقتصاد. لقد نجح المفكرون في اطلاق حركة التاريخ والحضارة (بكل مفاهيمها السابقة) واخراجها على وفق ما يقتضيه التيار التحديثي الذي طغى على كل معالم الفكر الانساني. ففي مجال التاريخ اصبحت فكرة التقدم في اواخر القرن التاسع عشر اساسية بالنسبة للمؤرخ ولم يعد معظم المؤرخين يقولون بالحركة الرجوعية أو بالحركة الدائرية له وانما بالخط المستقيم الصاعد من حسن إلى احسن دائما. ولم يخل الامر من مؤرخين كبار ظلوا يتمسكون بالحركة الدائرية للتاريخ ومن هؤلاء (شبنجلر) الفيلسوف الالماني الذي طبق نظرية: اعمار الامم والحضارات وشيخوختها ثم موتها، في كتابه المعروف بـ (تدهور الغرب) الذي قال فيه: ان حضارة الغرب جاوزت مرحلة الشباب والقوة ودخلت في مرحلة التدهور والشيخوخة. ولا جدال في ان الناحية الاجتماعية تسير في تقدم مضطرد وتحديث مستمر. فالمجتمع المعاصر احسن نظاما، واوفر عدالة من مجتمع القرن الماضي، والقرن الماضي خير من سابقه وهكذا. اما في الادب والفن فان التحديث قد اخذ طابعاً اكثر عنفواناً.. ذلك ان الادب والفن يمكن ان يتحللا من الثوابت والقوانين التي تحكمهما وتقيدهما خلاف التاريخ والفلسفة ونظائرهما.
وكان اول ما فعله هذا التحديث هو جعل الفن يشمل الادب حتى وكأنهما اتجاه واحد مترابط ترابطاً جدلياً ووضعوا لذلك الاقيسة والمفاهيم التي توثق الصلة بين احدهما والاخر بعد ان كان الفن باشكاله التي لا تمت إلى اللغة وتاريخ الادب هو الجانب التطبيقي أو العملي للادب المقالي أو الكتابي ــ ان صح التعبير ــ. فالرسم لم يكن ادباً بقدر ما هو تعبير عما يصوره الادب من اخيلة ومعان، وهو امر تأثر فيه بعض العرب المعاصرين بالغربيين.

اللإبداع هل هو موهبة غامضة ؟

  الابداع هو كفاءة وطاقة واستعداد يكسبه الانسان من خلال تركيز منظّم لقدراته العقلية وارادته وخياله وتجاربه ومعلوماته..الابداع يعدّ سرّا من اسرار التفوّق في ميادين الحياة، ويمكن صاحبه من كشف سبل جديدة في تغيير العالم الذي يحيط بنا والخلاص من الملل والتكرار..الابداع اصبح المادة الاساسية في عمليات التغيير والتطوير. وقد تغلب على المعرفة والاساليب لأن كليهما أصبح ممكناً. ومن أجل التمكن من استخدام الابداع يجب التخلص من الغموض الذي يكتنفه واعتباره طريقة لأستخدام العقل ومعالجة المعلومات. كما يهدف التفكير الابداعي الى تحدي أي افتراض لأن الفرض من التفكير الابداعي هو أعادة تشكيل أي نمط . كما ان التفكير الابداعي يعالج المعلومات بطريقة مختلفه تماماً عن طريقة التفكير المنطقي، فالحاجة ملحة لأن تكون خطوات الحل صحيحة في نمط التفكير التقليدي . اما في ما يتعلق بالتفكير الابداعي، فلا مبرر لذلك، و تستدعي الحاجة أحياناً ان نكون على خطأ كي نتمكن من إعادة صياغة نمط معين بطريقة جديدة . ولذلك تتطلب عملية الابداع احساساً بالجمال ورنيناً عاطفياً، وموهبة في القدرة على التعبير. وفي النهاية إذا أردنا تحقيق مثل هذه الكفاءة في حياتنا، فلا بد أن نضع عدة لافتات أمامنا، ونتبع معها طريق الابداع، هذه اللافتات هي:1 ـ تقوية الخيال والإحساس.2ـ توجيه المشاعر نحو الأهداف الجميلة.3 ـ تنمية الفكر والثقافة والمعلومات.4 ـ تبسيط الحياة وعدم الانشغال كثيراً بهمومها. 5ـ اكتشاف النظام في الأشياء التي لا نجد فيها نظاماً في النظرة الأولى.6 ـ أن نقدم الجديد بعد الجديد، وأن نفعل ذلك كل يوم.7 ـ ان نحب أنفسنا والآخرين وأن يكون حبّنا الأقوى للخالق المبدع. 8ـ أن نصاحب أصدقاء مبدعين. 9ـ أن نُطالع كتبا أو قصصاً أو أشعارا تدعونا الى التفكير والابداع لا الى التقليد.

الكتب بساتين العلماء     قراءة في فضل الكتب والمكتبات

 لم أر أوعظ من قبر ، ولا آنس من كتاب ، ولا أسلم من الوحدة. وأهدى بعض الكتاب دفتراً إلى صديق له وكتب معه : هديتي هذه أعزك الله تزكو على الإنفاق ، وتربو على الكد ، لا تفسدها العواري ، ولا تخلقها كثرة التقليب ، وهي آنس في الليل والنهار ، والسفر والحضر تصلح الدنيا والآخرة ، تؤنس في الخلوة ، وتمنع من الوحدة ، مسامر مساعد ، ومحدث مطواع ونديم صدق.
وقال بعض الحكماء : الكتب بساتين العلماء .
وقال آخر: الكتاب جليس لا مؤنة له .
وقال آخر: ذهبت المكارم إلا من الكتب .
قال الجاحظ وأنا أحفظ وأقول : الكتاب نعم الذخر والعقدة ( ما يمسك الشيء ويوثقه ) والجليس والعمدة ، ونعم النشرة ( النسيم ) ونعم النزهة , ونعم المشتغل والحرفة , ونعم الأنيس ساعة الوحدة , ونعم المعرفة ببلاد الغربة , ونعم القرين والدخيل والزميل , ونعم الوزير والنزيل , والكتاب وعاء ملئ علماً , وظرف حشي ظرفاً , وإناء شحن مزاحاً , إن شئت كان أعيا من باقل { رجل يضرب به المثل في العي } وإن شئت كان أبلغ من سحبان وائل { رجل باهلي يضرب به المثل في الخطابة والفصاحة } وإن شئت سرتك نوادره , وشجتك { شجاه أحزنه وأطربه من الأضداد بابه نصر } مواعظه .
ومن لك بواعظ مثله وبناسك فاتك، وناطق أخرس ، ومن لك بطبيب أعرابي , ورومي هندي , وفارسي يوناني , ونديم مولد , ونجيب ممتع . ومن لك بشيء يجمع الأول والآخر والناقص والوافر , والشاهد والغائب , والرفيع والوضيع , والغث والسمين ، والشكل وخلافه والجنس وضده . وبعد فما رأيت بستاناً يُحمل في رُدْن ( الكم ) ، وروضة تنقل في حجر . ينطق عن الموتى ويترجم عن الأحياء ومن لك بمؤنس لا ينام بنومك ، ولا ينطق إلا بما تهوى , آمن من الأرض وأكتم للسر من صاحب السر وأحفظ للوديعة من أرباب الوديعة , ولا أعلم جاراً آمن ولا خليطاً أنصف ولا رفيقاً أطوع ولا معلماً أخضع ولا صاحباً أظهر كفاية وعناية ولا أقل إملالاً ولا إبراماً {أبرم فلانا أمله وأضجره} ولا أبعد من مراء ولا أترك لشغب ولا أزهد في جدال ولا أكف عن قتال من كتاب , ولا أطيب بياناً ولا أحسن مؤاتاة ( موافقة ) ولا أعجل مكافأة ولا شجرة أطول عمراً ولا أطيب ثمراً ولا أقرب مجتنى ولا أسرع إدراكاً ولا أوجد في كل إبان { إبان الشيء حينه وأوله} من كتاب .
ولا أعلم نتاجاً في حداثة سنه ، وقرب ميلاده ، ورخص ثمنه ، وإمكان وجوده يجمع من السير العجيبة والعلوم الغريبة ، وآثار العقول الصحيحة ، ومحمود الأذهان اللطيفة ، ومن الحكم الرفيعة والمذاهب القديمة ، والتجارب الحكيمة ، والأخبار عن القرون الماضية والبلاد النازحة والأمثال السائرة ، والأمم البائدة ما يجمعه كتاب . ومن لك بزائر إن شئت كانت زيارته غباً (يوما بعد يوم) وورده خمساً (الخمس بالكسر من إظماء الإبل وهو أن ترعى ثلاثة أيام وترد الرابع) وإن شئت لزمك لزوم ظلك وكان منك كبعضك .