الفقه                                     الشيخ : محمد رضا الدكسن

  كم هو جميل أن يجمع الانسان بين المستوى الأكاديمي العالي والاجتماعي كذلك والتفقه في الدين حيث ان الانسان لا ينفك في تصرفاته الحياتية اليومية عن التكاليف الشرعية ولعلنا اليوم في وضع يحتم علينا المسائلة وطول الوقوف بين يدي المولى جلّت قدرته أكثر من الأجيال التي سبقتنا فالتطور التقني والتكنولوجي مسخّر لخدمة الانسان المعاصر فلا يصعب عليه حل مشكلة ولا فهم مسألة شرعية كانت أو غيرها وليت شعري فهو يحصل على الجواب بسرعة قد تكون إذا لم أغالي هي أسرع من الضوء كما لا يفوتني ان أنبه على ان الكثير من المؤمنين يغفلون عن كثير من التكاليف فيرتكبون الخطأ لا عن قصد وإصرار وهم يحسبون انهم يحسنون صنعاً وعليه سأتعرض إلى أربعة مسائل مهمة في هذا العدد المبارك: 

 المسألة الأولى: لبس الذهب
يحرم على الرجل لبس الذهب ـ ولابد من ملاحظة ان الحرمة على الرجل دون المرأة ـ كالتختم به ونحوه ثم استدرك سماحة السيد السيستاني (دام ظله) بقوله ـ بل الأحوط لزوماً ـ ترك التزين به من غير لبس أيضاً ـ ويريد تلبيس مقدم الاسنان كما يضعه البعض أو جعل أزرار اللباس منه كما هو عند البعض كما لا يخفى ان سماحة الشيخ الفياض (دام ظله) يستظهر جواز تلبيس مقدم الاسنان به.
المسألة الثانية: الكذب
من الخصال الذميمة والتي كثيراً ما حث الكتاب العزيز والسنة الشريفة على تركها لما لها من آثار وخيمة على الفرد والمجتمع والكذب على الصعيد الفقهي محرّم بجميع أشكاله إلا ما استثني في موارد خاصة لا أريد التعرض لها بمقدار ما أريد أن الفت نظر القارئ العزيز إلى عدم الفرق في الحرمة فيما يكون بمقام الجدّ وما يكون في مقام الهزل. الا ان يكون حال كلامه قد نصب قرينه أي ما يدل على انه يريد الهزل في اخباره والا لو تكلم بشكل مطلق واستمع اليه الغير فهو من الحرام المشار اليه. ولعل الأديب أشار إلى هذا المعنى يريد بذاك ان المؤمن لابد أن يهذب لسانه عن الفاحشة والكلام القبيح سيما الكذب منه في المعاملات التي نحن بصددها.
لا يكذب المرء إلا من خساسته
أو عادة السوء أو من قلة الأدب
لعضُّ جيفةُ كلب خير رائحة
من كذبة المرء في جد وفي لعب
لكن لا يعني انه فعل محرماً. فلو تكلم بصورة الخبر ـ هزلاً ـ بلا قصد الحكاية والإخبار فلا بأس به من الناحية الشرعية ومثله التورية وهنا نحتاج أن نعرف ماذا نقصد بالتورية: أي أن يقصد المتكلم معنى من معاني الكلام مما له واقع ولكنه خلاف الظاهر فلو سأل زيد عن علي وهما عند الباب وعلي في الداخل فيقول زيد يا محمد هل علي هنا فيقول محمد ان عليا ليس هنا وأراد بكلامه انه ليس (هنا عند الباب) لكن الواقع هو في الداخل وهذه ربما استخدمها الكثير في التعتيم والتورية والتستر على مؤمن من خطر حقيقي فيما لو أخبر بنعم فقد تؤدي كلمة نعم بحياة شخص لكن التورية بهذا المجال صحيحة ومجازه عليه وأجازوا الكذب فيما لو أراد شخص الاصلاح بين المؤمنين ولم يتمكن من التورية كما قدمنا عن ذلك فيمكن للمؤمن ان يقول للطرف الآخر ان فلاناً ذكرك عندي بخير وهو يدعو لك ويتمنى ان تفتح صدرك لسماعه إلى كثير من الكلام الحسن وان لم يكن واقعاً لكنه يريد بذاك الإصلاح كما قدمنا ولعليّ استفيد من هذه المسألة لأقف عند بعض الروايات المهمة والتي تنصح بضرورة الكسب الحلال الذي لا يعتمد على الكذب لأنه طريق إلى الحرام فعن رسول الله (ص) يا معشر التجار ان التجار يبعثون يوم القيامة فجاراً الا من اتقى الله وبر وصدق. وهذه لابد من الوقوف عندها ـ إلا من اتقى وبّر وصدق ـ إذن الصدق في المعاملة لا الكذب لانك مُسائل عنه فضلاً عن انه طريق للكسب الحرام كما قدمت قبل قليل وعنه (ص) يا معشر التجار ارفعوا رؤوسكم فقد وضح لكم الطريق تبعثون يوم القيامة فجاراً إلا من صدق حديثه.
وهكذا عنه (ص) ان التجار هم الفجار قالوا: يا رسول الله أليس قد أحل الله سبحانه البيع؟ قال: بلى ولكنهم.. يحدّثون فيكذبون. ويحلفون فيأثمون ، نعم لقد وجدنا من خلال المعاشرة كثيراً من التجار والباعة ما يحدثون من الكلام الذي يخدعون به الفقراء والبسطاء والمغفلين من الناس لدرجة أنهم يُفهِمون الناس ان هذا مصدره كذا وذاك كذا ليرتب عليه الخصوصيات والآثار جاهداً في أن يحصل على درهم زائد سيجر الوبال عليه وهو يدري. كما انهم يصطلحون على مفاهيم متفق عليها بينهم للحلف والإيمان المغلظة بحسب الظاهر الا انها لا واقع لها ككلمة (وحق جدي) مفهماً ان المشتري انه سيد ليثق به فيشتري منه إلى غيرها من الأمثلة مع الاعتذار لكن نريد بذلك إيصال الفكرة إلى جملة من القراء الكرام. ليقفوا على مقدار الكذب المشاع بين جملة كبيرة من الكسبة والباعة مما جرّ الويلات في الدنيا سائلاً المولى أن يمن عليهم بالهداية. أضيف إلى أن هنا رواية أخرى كان علي(ع) يجيء إلى السوق فيقوم مقاماً له فيقول: السلام عليكم أهل السوق اتقوا الله في الحلف. فإن الحلف يزجي السلعة ويمحق البركة. التاجر فاجر إلا من أخذ الحق وأعطاه. إلى هنا أعتقد ان الكلام لا يحتاج إلى مزيد بيان حيث انه يتكلم مع كافة المستويات فهو أمير المؤمنين وسيد المتقين فأين نحن مما هو عليه وهذه دعوى لكل الخيرين من أبناءه على أن يعودوا إلى جادة الصواب والمحجة البيضاء ولكي تتم الفائدة ويعم النفع الجميع. أشير إلى أن الصدق في المعاملة من المؤكد انه انفع من سابقه فقد ورد عن رسول الله (ص) قوله التاجر الأمين الصدوق المسلم مع الشهداء يوم القيامة. وقال جعفر بن محمد الصادق (ع) ثلاثة يدخلهم الله الجنة بغير حساب إمام عادل، وتاجر صدوق، وشيخ أفنى عمره في طاعة الله.
المسألة الثالثة: التشبه بالنساء
في المقام احتجت إلى الإشارة إليها لأنها هذه من أمهات المصائب وقد أسرعت إلينا بشكل لابد من تجنيد أقلامنا وحناجرنا وفضائياتنا المعتدلة للعمل بالتكليف الشرعي الذي اتخذناه نحن كوظيفة شرعية ولم يضربنا احد على أيدينا كما يقال فنحن لابد أن ننبه إلى اننا أبلينا انفسنا ولا عذر غداً عندما نقف بين يدي الحاكم العدل اذا ما قصرنا في واجبنا والعياذ بالله، اليوم الشباب المراهق أمانة في أعناقنا فقد تشبه كثير من الرجال وللأسف بالنساء بقصد التخنث لدرجة أنهم يتسابقون مع نسائهم في ما هو أكثر تخنثاً. وهذا ما نلمسه اليوم على مستوى اللباس والزينة وحتى الكلام الذي تشوبه الميوعة والغنة. ولا بأس في ذكر ما جاء عن الرسول الأكرم9 تتميماً للفائدة. حيث أنه قريب مما نريد. صنفان من أهل النار لم أرهما:
قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات جميلات مائلات رؤوسهن كاسمنة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وأن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا.. فليت شعري ماذا يعني روحي له الفدا بكاسيات عاريات؟! فبحسب الظاهر انها ترتدي الثوب لكنه يحكي ما تحته ولبسه كعدمه. ولعل الأقرب إلى المراد من هذه المسألة ما جاء عن الإمام الصادق (ع) بقوله: (لعن رسول الله (ص) المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال وهم المخنثون واللائي ينكحن بعضهن بعضاً نعم بالجملة ان هناك ما يخص المرأة من الأزياء والحلي والثياب كالبدلات وتحسين الجسم وأعضائه وهي واضحة كتحمير الخدود والشفاه وعقص الشعر أي القصيبة وذلك العمل قد يجري غالباً لأزواجهن أو المناسبات الخاصة. فإذا فعل الرجل ذلك أعده العرف مخنثاً كذلك هناك مختصات بالرجل كالبنطلون وشبهه فإذا ما لبسته المرأة راح يحكي تفاصيل بدنها ويبرز أبعاد جسدها من الطول والعرض وهكذا عليه يتحقق التشبيه أي الرجال بالنساء وبالعكس.
المسألة الرابعة : النجش
مصطلح تسالم عليه الفقهاء في رسائلهم العملية وهذه من بين المسائل المهمة التي تنتشر هنا وهناك في الأسواق العامة أو معارض بيع السيارات أو المزادات بأنواعها وهكذا خلاصته. هو أن يأتي زيدٌ فيزيد في ثمن السلعة وهو لا يريد شراءها بل الأكثر من هذا هو أن يسمعه غيره فإذا قال هو على سبيل المثال أدفع ثلاثين ألف دينار في هذه السلعة فيقول الآخر أنا أدفع خمساً وثلاثون فيرفع سعر السلعة وهو لا يريد شراءها ففي الواقع أضرّ بهذا الآخر ولولاه لاشتراها بسعرها المتعارف عليه وقد تأخذ الحالة صورة أخرى. وهي أن يتفق مع البائع فيقول له أنا سأعرضها بقيمة عشرة دنانير مثلاً وعندما تجتمع الناس أنت تقول علي بخمسة عشر عند ذاك قد يأتي آخر فيزيد فترتفع إلى الضعف في كثير من الحالات وهذه الحالة أيضاً حرام وغير جائز. اسأل الله أن يمن علينا بلزوم الطاعة والابتعاد عن المعصية وأن يأخذ بأيدينا لأن نكون سبباً وعاملاً مهما في الأخذ بأيدي العامة إلى برّ الأمان ورضا الرحمان وتحقيق الأمن والأمان وماذاك الا بطاعتنا لمراجعنا وولاة أمورنا ففيه العزة والكرامة في الدنيا والآخرة وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه البشير النذير وآله الطيبين الطاهرين.