|
النجف الاشرف: هل من الممكن
ان نضع تعريف محدد للحداثة بحيث نستطيع من خلاله الالمام باهم مميزاتها و
خواصها ؟
السيد الاشكوري: لاشك إنه في مثل هذه الصراعات الشائكة والكثير منها يعود
الى عدم استيضاح المفاهيم وعليه في المرتبة الاولى لابد من تحديد المفهوم
وعلى ضوء تحديد المفهوم حينئذ ننطلق في ارتضاء المقولة والمفهوم او رفض
المقولة و المفهوم. والحداثة بمفهومها اللغوي يراد منها الشيء الحديث
والشيء الجديد ، نعم هذا الحديث يمكن ان يفترض على سبيلين

الاول : هو الحديث المستكمل من القديم فبتكامل القديم ننتهي الى الحديث كما
هو الشأن في كثير من الفنون انها تبتدئ ابتدائية وبسيطة ومن ثم تتكامل
وربما احياناً ان تكون الحداثة بمعنى نسخ القديم وهذا أيضاً من المصطلح
اللغوي كما لو افترضنا ان الحديث يباين القديم تبايناً تاماً ، والحديث
حينئذ تكون ولادته على اساس انعدام وانهرام القديم نظير ما نقوله في الزمان
فالان الثاني لا يتولد الا عند انعدام الآن الاول اما بالمعنى الاصطلاحي
الحداثة تارة تكون في فن السياسة واخرى في فن الاجتماع وثالثة تكون في فن
الاقتصاد ورابعة في منظومة وموسوعة الفكروحداثة الفكر وسناتي ان شاء الله
لمقولة اخرى هي لحداثة الدين او الحداثة الدينية والتي نسميها فيما بعد
بالإصلاح الديني فهي تختلف باختلاف الفنون كما ان لها أنماطاً مختلفة فهي
ربما تكون حداثة في المنهج فيكون هناك دعوة الى حداثة في استبدال المناهج
او الحداثة تكون على مستوى التقنية وهذا نمط اخر من الحداثة و ما الى ذلك
وبعبارة اخرى ان الحداثة ليس لها مفهوم او ماهية محددة انما هي معاني على
سبيل الاشتراك اللفظي ليست الحداثة بمكانة ان نظن انها عبارة عن مشترك
معنوي و في الخارج عبارة عن تعددية للمصداق، كلا ليس الأمر كذلك وانما
الحداثة في الخارج عبارة عن الحداثة على مستوى الإشتراك في اللفظ الا ان
الحداثة الغربية بالخصوص لها معالم خاصة يمكن ان تتميز بها و هي كثيرة ,
واهم هذه المعالم هو البعد النفعي وهذه نقطة جوهرية في الحداثة الغربية
والبعد الآخر الملحوظ في جانب الحداثة الغربية اضافة إلى البعد النفعي هو
البعد الدنيوي بمعنى نفي ما وراء عالم الدنيا (وعدم اعطاء اي اعتناء فيما
يرتبط بعالم ما وراء الدنيا ورفض هذا رفضاً تاماً في كل ما عندها من مقولات
فالمهم هو تحصيل اوج المنفعة في نشأتنا الدنيوية هذان اهم معلمان من معالم
الحداثة الغربية وعلى ضوء هذين المعلمين سوف تؤسس الحداثة السياسية
والاقتصادية كذلك تتولد بسبب هذين العنصرين والمعلمين الحداثة الفلسفية
وهكذا سائر الجداول يمكن ان تنظم على اساس هذين المعلمين هذا تقريباً ملخص
فيما يخص مصطلح الحداثة على ضوء الحداثة الغربية وهناك ايضاً محور ثالث
يمكن الحديث عنه مستقبلاً في معالم مدرسة الحداثة الغربية فكل شيء قابل
للرفض ولا يوجد شيء اسمه ثابت مطلق ولا يوجد شيء اسمه حقيقي مطلق بصورة
مطلقة والنكتة هنا ان الحداثة هي مدرسة متأخرة عن الواقعية لان الواقعية
كانت تقوم على اساس قبول الثابت الواقعي اما المدرسة الحداثوية لا ترتضي
شيء اسمه الثابت الواقعي فالثابت عندهم هو الموجب للنفع ، فالثابت عندهم هو
الحديث وكل ما تتفق عليه الاكثرية لكن مع كون هذا حديثاً هذا فيه نفع وعدم
قبول المطلق هذا هو وصف اجمالي للحداثة الغربية.
النجف الاشرف: الحداثة هي نتاج الفكر الغربي فما هي العوامل التي نشأت عنها
؟
السيد الاشكوري : ليست الحداثة الغربية عبارة عن نسخة ولدت بنحو عفوي ومن
الخطأ ان تحاكى الحداثة الغربية على اساس انها قضية عفوية وانما الحداثة
الغربية نشأت في ضمن مراحل كانت هي المربع الرابع في ضمن التقسيم الفكري في
المدرسة الغربية فالمدرسة الغربية ابتدأت اولاً على اساس المدرسة التقليدية
التي كانت قد أسست على يد الفلاسفة اليونانيين واخذت ركائزها من الديانة
المسيحية ودعى اليها رجال الكنيسة وقد اخذت القسط الوافر من هذا المنهج او
من هذه الدائرة وهذه المدرسة اهم معلم لها معلم القداسة وعنصر القداسة ،
ولازمية عنصر القداسة وجود خطوط حمراء في عدم جواز النقد و هي إحدى الدوائر
وممنوعية الدخول الى باقي الدوائر وتسمى هذه الدوائر ربما عندهم بالدوائر
الغيبية فنظّروا الى ان الدائرة الغيبية لا تمسها يد الناقد ولا مجال لمصلح
العقل في نقد البعد الغيبي وان مصالح البعد الغيبي امر بيد الخالق ولايمكن
ان يكتنفها أي بشر وبالتالي لا مجال للحديث عن هذا بأي نحو من الأنحاء وهذه
المرحلة قد يكون فيها شيء من الصحة ولكنها استغلت بعد ذلك من قبل بعض
رجالات الديانة المسيحية في القرون الوسطى في قضية معروفة و هي قضية الحرب
التي قامت بين الفكر والعلم من جهة وبين الكنيسة من جهة اخرى وبعد اخفاق
هذه المدرسة ورفضها من قبل الغرب نشأت عندنا مدرسة اخرى هي المدرسة
الرومانسية وهذه المدرسة اكدت على عنصر الشعور واهتمت بجانب الشعور فحاولت
ان تقوي هذا العنصر تاركة العنصر الغيبي ومستبدلته بالعنصر الشعوري هذه هي
المرحلة والتي تسمى بالعصر الذهبي هي المرحلة الثانية (مرحلة الخيال) مرحلة
حديث العاطفة، واستقواء البعد العاطفي على البعد الغيبي واللجوء الى العلوم
التي توجب اثارة الجانب الاحساسي في الانسان فنشأت عندنا المدرسة
الرومانسية وكان لها جملة من الدعوات واساساً فلسفية تنظم الكون على اساس
الشعور والمشاعر وبعد هذه المرحلة نشأت عندنا مدرسة تسمى بالمدرسة الواقعية
والمدرسة الواقعية حاولت ان تهتم بالحقيقة وحاولت ان تعطي تمام ما عندها من
حقيقة وتوثيق الحقيقة واسس الحقيقة واخذت مدرسة الحقيقة قسطاً وافراً في
الكنيسة الغربية إلى ان نشأت بعد ذلك فكرة الحداثة كان من الطبيعي اننا لم
نستعرض معالم المدارس الثلاثة الأول بما ينبغي وذلك لأن الحديث ليس فيها
وانما تمام الحديث في المدرسة الرابعة او للوصول الى المدرسة الاخيرة وهي
مدرسة الحداثة وفي الحقيقة هي رفض لكل قديم فالفلسفة الغربية عندما نشأت
عندها الحداثة حملت هذا الدور وهو رفض كل شيء قديم وعدم البناء على اسس
الغرب واصلت هذه المدرسة لنفسها مبادئ كثيرة و مقولات عديدة و هي ما ينادي
بها العالم الغربي اليوم مثل العقلانية و الديمقراطية و النظم الاجتماعية و
التعايش السلمي والتعايش الاجتماعي ايضاً تصب في هذا كله فكرة المجتمعات
المدنية فكل هذه المقولات و نظائر هذه المقولات و كيفما كان فهذه المفردات
تدور حول محور اساسي وهو محور رفض القديم وعدم الاعتناء به.
النجف الاشرف: ماهي النتائج التي يمكن ان نشاهدها
في المجتمع الغربي من جراء تبني الافكار الحداثوية ؟ وهل يمكن ان نعتبر ما
موجود في العالم الغربي على ارض الواقع هو نتاج تبني الحداثة ؟
السيد الاشكوري: هذا امر مهم لان الحداثة تحاكم محاكمتين تحاكم ضمن
نظرياتها وافكارها وتحاكم ضمن منهجها التطبيقي و يبدو انه محل وفاق حتى في
ضمن المناخ الغربي ان الحداثة استغلت استغلالاً كان مآله الى العولمة
والعلمانية، والعولمة ليست اثر لازم للحداثة فالعولمة التي هي شيء ربما
يفسر احياناً ووفقاً لكلمات البعض بمعنى النظام العالمي لكن هناك فرق جوهري
بين النظام العالمي وبين العولمة فالمراد من العولمة هو احادية التفكير
والذي يحكم او السلطان الحاكم جهة واحدة وان الجهات الاخرى عليها ان تنصهر
في تلك الجهة الواحدة و الحداثة كمنظومة فكرية ننظر اليها وننقدها بعض
النقد لكن الحداثة كواقعها الخارجي لم تنفذ بحذافيرها كما هو في منظومتها
الفكرية وانما استغلت استغلالاً من قبل بعض مفكري الحداثة واوصلوها الى
مصاب العولمة فالحداثة بتنظيرها الفكري المعوج انتهت الى هذا المآل في عالم
التطبيق وصارت هي العولمة وهي مرفوضة رفضاً تاماً حتى في ضمن النظام الغربي
نفسه الذي هو اوجد الحداثة و الان يصر ويعترف بان الحداثة يعاب عليها هذا
أمر، لذا نشأت مرحلة جديدة تحت عنوان ما بعد الحداثة و هي مرحلة ناسخة
لمرحلة الحداثة والذي عليه النظام العالمي اليوم فعلا هو ما بعد الحداثة.
النجف الاشرف: بطبيعة الحال هناك فرق واضح بين
منظومة الحداثة الغربية و المنظومة الدينية للدين الاسلامي فكيف ينظر الغرب
الى هذه المنظومة من وجهة نظر حداثوية ؟

السيد الاشكوري: أولاً سأقدم للجواب عن هذا السؤال مقدمة حاصلها ان النظر
للمنظومة الدينية لا يمكن ان نعني بها احادي الناس ولا نعني بها ما انا
افهمه من الدين وانما اريد ان اقول المنظومة الدينية ما هو المتعارف
عندعامة الناس من اهل الفكر فماذا يفهمون من المنظومة الدينية هذا هو الامر
الاول اما الامر الثاني وهو بعنوان تحديد حقيقة المنظومة الدينية فليست
المنظومة الدينية منضبطة بل هناك فارق بين المنظومة الدينية الشيعية
والمنظومة الدينية السنية وأنا لست في مقام فتح شرخ بين الجانب الشيعي
والجانب السني و عليه اذا قلنا انها تنظر الى الاسلام بقطع النظر عن هذا
التفصيل ان لم تتعقل هذا التفصيل ومع الاسف ويؤسف له جداً ان قراءة الغرب
للاسلام ليست قراءة استيعابية وانما قراءة مجزءة وحملت صورة عن الاسلام في
ضمن افق معين وطيف معين، فالحداثة الغربية في هذه النظرة تعتقد ان هنالك
تصادماً بين مقولة العقل ومقولة الدين الاسلامي وتعتقد ان هنالك تصادم بين
مقولة العلم ومقولة الدين والحداثة الغربية تعتقد ان هناك تصادم بين مقولة
الدنيا وبين مقولة الدين ان الدين والدنيا لا يجتمعان و تعتقد ان هنالك
تصادماً بين العقلانية وبين الدين فهي تعتقد ايضاً ان الدين قائم على
الجمود وقائم على التكرار و قائم على القديم لذا حينما نسأل الحداثة
الغربية يفسرون نظرتهم الى الدين اعتماداً على هذه الرواية المنقولة عن
ابناء العامة من انه عن رسول الله (ص) ان زماني اشرف العصور ثم الاشرف الذي
يليه فالاشرف وعلى هذا النحو فيتنزل العالم بالشرافة لا يتكامل بالشرافة
وانما هناك تنزل بالشرافة وقرب العصرالاول والرعيل الاول الى مصدر التشريع
يجعل هؤلاء اشرف في فهم الدين وفي المنظومة الدينية والقضية خاضعة الى جو
الانتكاس هذا اولاً ثم إن المنظومة الدينية في نظر الحداثة الغربية ستنتهي
الى ان هناك دوائراً مقفلة لا مجال لنقدها ولا مجال للمسها ولا مجال للدخول
فيها وبالتالي هم يعتقدون عدم امكانية افتراض التكامل في الدين لان الدين
مآله الى تلك القوائم المقفلة وتلك الدوائر المقفلة وتلك الدوائر التي يكون
نهاية المطاف فيها وما بعده لا يوجد شيء فكيف لنا ان ندفع عجلة الدين في
عالم التكامل مع ان نهاية مطافها الى القبر المقفل الى الامر الذي لا مجال
لان يأذن بنفسه ان ينفتح اذن القران يعتبر عند المسلمين هو كتاب الهي سماوي
غير قابل للنسخ فحلال محمد حلال الى يوم القيامة وحرام محمد حرام الى يوم
القيامة فلا مجال لان نفتح افاق التكامل وإذا فرضنا في برهة انه كان هذا
حلالاً والان تبدل بسبب عناصر الزمان والمكان ولابد من القول بالحرام الا
ان التعويل على الحديث الشريف يمنعنا من ذلك مما يعني انسداد باب التكامل
فلا معنى لفرض الحداثة مع الدين بل مقولة الحداثة تصطدم مع مقولة الدين بل
يتقاطعان دائماً، نعم هناك حداثات بنحو اخر حداثات في المنهجية وحداثة بنحو
الاسلوب وحداثة بنحو المظاهر الشكلية حداثة في الديكور لا حداثة في الصميم
فبحسب الفكر الغربي يصور الدين الاسلامي انه نحو دين بجوهره وثابته غير
قابل للتبدل وهوالمسمى عندهم بالثابت الديني وانما الذي هو يتغير هو الامر
الذي نعبر عنه بالهامشي فالحداثة عند الدين ان قبلت فتقبل في ضمن المظاهر
القشرية والشكلية وهي لا تعد حداثة بالاستعمال الحقيقي انما هي حداثة
بالمعنى المجازي بهذا البيان وضمن هذه الرؤية يمكن فهم الغرب كيف يعامل
الدين على اساس الحداثة طبعاً بعد مقولة العنف والارهاب ومقولة الديانات
ومقولة الجزية ولنذكر مثالاً نوضح فيه هذه الفكرة بنحو اكمل فيقول اصحاب
الحداثة ان الاسلام مشحون بآيات فيها من المنقصة للمسيحية وفيها من المنقصة
إلى اليهودية اذن لا يمكن ان نفترض للاسلام نحو حداثة الا اذا تنازل عن هذا
المشحون الذي يتعامل على اساس ان الاسلام هو الاعلى وان المذاهب والديانات
الاخرى هي الادنى اذن حداثة فكرية لمن يرى وجود الادنى غير ممكنة انما
الحداثة التي يمكن فرضها هي الحداثة القائمة على التكافل الإجتماعي لا
قائمة على اساس التبعيض واشرفية البعض هكذا ينظرون الى الامر فالحداثة اذا
ارادت ان تدخل في الافق الاسلامي لابد ان تكون حداثة مع تنازل عن كثير من
الامور والخطابات حداثة بالتنازل في حق المرأة نحن ندعو الى حداثة في حق
المرأة والاسلام غير مستعد ان يرتضي تبدل في قوانين المراة وهكذا في قضية
الحدود والقصاص والكثير من قضايا الاسلام قد تتقوم بثوابت تلك الثوابت
فتعبر عنها بثوابت غيبية وهذه الثوابت لا يمكن ان تمس بتجديد وبتغير
وبتبديل فكيف يمكن ان تفترض الحداثة للديانة الاسلامية هذا تقريباً موجز
الرؤية الغربية باتجاه الدين الاسلامي.
النجف الاشــــــــرف: اذا ما عدنا سماحة السيد
الى المعايير الواقعية و العلمية التي تتبناها المنظومة الدينية فكيف يمكن
ان نقيم الحداثة و هل نستطيع الرد على ما تفضلتم به حول نظرتها الى الدين
الاسلامي و الاجابة عن تلك الاتهامات ؟
السيد الاشكوري: هنا اريد ان انبه على امر ويبدو هذا انه خطأ فني ويؤسف له
وهو ان الحداثة الغربية حاولت ان تجمع صورة عن الدين كما قلت من نافذتين
النافذة الاولى انها لم يكن لها دراسة جدية للاسلام من ناحية استيعابية او
عاشت حالة الفهم للدين الاسلامي من الدائرة الوسطى من دون الدخول الى الدين
من أوله فاحياناً اذا دخلنا الى مقولة من المقولات من منتصف الطريق تكون
رؤيتنا مختلفة عن ما لو كان دخولنا من اول الطريق هذا جانب والجانب الثاني
هو الخطأ الفادح الثاني الذي ارتكب وارتكبته الحداثة الغربية لمحاولتها ان
تساوي بين الدين الاسلامي وبين الدين الذي عايشته في حياتها وهذا ملحوظ
جداً اما نحن كيف نصحح هذه الرؤيا باعتبار اننا نريد ان ندافع عن الدين
ونبين وجهة نظر صحيحة للدين حتى نعرف هل الحداثة تتقاطع مع الدين ام لا
ولتوضيح هذا سأتكلم بمحورين الاول: هو تصوير الدين الصحيح.
والثاني: تصحيح المقولات التي اسندت للدين.
اما الاول فهل الدين ينظر الى عالم الدنيا فحسب ام الى عالم الاخرة فحسب ام
ان نظرته تؤمن كل من البعدين الدنيوي والاخروي؟ وهذا امر لابد من الالتفات
اليه فلو كان مبنانا كما هو مبنى الرأي المقابل في الحداثة الغربية من قصر
النظر على النشأة الدنيوية لكانت النتائج كما انتهت اليه الحداثة الغربية
فاذن هناك خلاف مبنائي جوهري في اساس فلسفة الكون فلابد ان نفهم اولاً ما
هي فلسفة وجود الانسان ولابد اولاً ان نفهم ان الانسان عندما وجد في هذه
الدنيا هل هو على اساس كسب المنافع فحسب أو ان الدنيا هي عالم اختبار ايضاً
فنحن نناقشه في اصل المبنى، ان الانسان في المنظومة الكونية يفسر وجوده بأي
شكل هل هو محاسب ام هو نفعي هل عليه حق ام له الحق هنا نحن نحتاج الى
التوقف لكي نفهم اي المقولتين هي الاصح مقولة التكليف ام مقولة الحق نرى
انهم يسيرون على وفق مقولة الحق اما نحن فندخل في ضمن محاسبات مقولة
التكليف ولمقولة التكليف مدخلية واضحة في البين اذن هناك رؤيتان كونيتان
وايدلوجية الحداثة غير ايدلوجية الدين وبالتالي تكون الاليات المعرفية
للحداثة ربما بل جزماً تختلف عن الاليات المعرفية للدين ، وعليه إذا انتم
ارتضيتم لنا الرؤية الكونية وارتضيتم لنا آلياتنا المعرفية و التجربة، و
الوجدان، و النظرة المنصفة كل ذلك يكشف على ان الآليات التي فرضت في ضمن
المنظومة الدينية لها القابلية في الإستمرار والمواصلة والحياة و لن تكون
آلياتها إلى الخمول ولم تكن نتيجتها ومآلها إلى الموت وليس معنى ذلك
الاقتصار على الماضي بالعكس فالمواكبة مستمرة المواكبة في جميع الآفاق لا
سيما بعد القول بموضوع انفتاح الاجتهاد فإذن الذي نطلبه من المدرسة الغربية
في مراجعة محاسباتها لئلا تظلمنا نطلب منها اولاً قفي على الرؤية الكونية
لنا ثم قفي معنا على الآليات المعرفية إذا انكشف هذان الأمران حينئذٍ يأتي
دور المقولات، وهو الامر الثاني فما نسب الى الدين من مقولات ومن ان مقولة
العقل تصطدم مع مقولة الدين بل العكس من ذلك تماما حيث ان مقولة العقل
مكملة لمقولة الدين بل لا معنى لفرض دين الا في ضمن عكازة العقل الا في ضمن
ان يكون الوقود للدين هو العقل، حتى اننا بالغنا في مدح العقل وقلنا ان
النص إذا لم يكن موافقاً مع العقل فلا قيمة للنص وانما تمام القيمة الى
العقل و هذا لم نراه لا في ضمن المدارس الفكرية المخالفة لنا الاخرى كما لا
نراه في ضمن الديانات السماوية الاخرى ايضا اما مقولة العلم، فليست مقولة
العلم مصطدمة مع مقولة الدين بل يبقى العلم له الدور البالغ الاهمية، الا
اننا نفرق بين مقولة العلم ومقولة الدين في ان مقولة العلم تفيض في ضمن
الطريق الافقي ومقولة الدين تضيف في ضمن الطريق العمودي بمعنى ان الدين
حينما يريد ان يدرس ظاهرة معينة يدرسها بأسبابها وعللها السابقة وربما
ننتهي بسبب الرؤية المتيافيزيقية الى ما وراء هذا العالم اما رؤية العلم لم
تكن ناظرة إلى جذور هذه الظاهرة بقدر ما تدرس الظاهرة في ضمن بعدها الافقي
كيف تولدت هذه الظاهرة، منشأ هذه الظاهرة وماهي معالجات هذه الظاهرة ، لذا
فان الاليات التي أفتُرضت للعلم تؤمن البعد الذي في جهله قد قصد هذا الأمر
وهو العلم لذلك فهم يفترضون ان التجربة هي التي تؤمن الطريق و الحس هو الذي
يؤمن الطريق يعتقدون بهذا لرؤيتهم الافقية للعلم، يعتقدون ان هذا يكفي لذا
هم لا يقولون بنفي ما سواه فمقولة العلم لم تتكفل لا سلباً ولا إيجاباً في
رفض المقولة الطولية ، وهذا النحو من العلم لا يصطدم مع الدين لان مركز
الدين نحو مركز يختلف مع مركزالعلم اساساً ، وهكذا نحن لا نعتقد بان الدنيا
تصطدم مع مقولة الدين و قولنا ان الدنيا معبر للاخرة لا يعني انها مجرد
معبر لا قيمة له وان كان هذا يحتاج الى مزيد من البيان وربما احد اسباب
انتكاستنا التكنولوجية والعلمية ان هناك رؤية ومع الاسف انتشرت في اوساطنا
عند السذج من الناس حيث انهم لم يفهموا الدين على اساس انه يكون دافعاً
للدنيا وانما فهموا ان الدين يدعوهم الى الزهد في الدنيا و لكن اكتفي بهذه
الرواية التي كانت تقول انه لو قامت القيامة وكانت بيدك غرسة فازرعها مع ان
القيامة تقوم، ارادت ان تعطي امل الحياة وعمران الحياة ارادت ان تفترض ان
لا تكون الدنيا خادمة للدين بالعكس ان مقولة الدنيا ومقولة الدين مقولتان
إحداهما بالنسبة للاخرى كمقدمة، العالم في مجالات الدنيا مثل عالم الطب
يحسب في الميزان الديني له مقام رفيع جداً طبيب الارواح وطبيب الابدان
عندنا على حد سواء و جعل طبيب الابدان مساوي إلى طبيب الارواح معناه اننا
نحترم كل من المقولتين مقولة الاخرة ومقولة الدنيا ومن هنا نحن نعتقد ان
الدنيا لابد ان تكون معمرة بل سيأتي في حديث مفصل ان الامام الحجة(صلوات
الله وسلامه عليه) عند خروجه من اهم مؤشرات هذا الخروج المبارك انه يعمر
الدنيا و الانتعاش العلمي يكون في ذروته في زمن الامام و قد وردت كذا من
الآثار والروايات للتأكيد على هذه القضية و هي ان الامام (صلوات الله
وسلامه عليه) سيوجد اقتصاداً مهماً سيوجد ابتكاراً مهماً بحيث انه لا يبقى
مرض الا ويعالج فالامام يزين الدنيا ويسخر العلوم في الدنيا ويعمر الدنيا و
هذه اشارة إلى ان مقولة الدنيا لا تصطدم مع مقولة الدين اساساً لا يوجد
أدنى تنافي وهكذا في ضمن المقولات الاخرى نعم لنا وقفه في مقولة الحرية و
في كثير من المقولات في حق المرأة وتبين حق المرأة وسنعطيه افضل ما اعطته
الحداثة الغربية انه القصاص الذي سوف نؤسسه نحو قصاص لا يتنافى مع روح
الرحمة للإنسان بل ينسجم معها بل هو ذروة الرحمة الإنسانية لكنه ذروة
الرحمة الإنسانية في ضمن النظام العام وليس في ضمن الرؤية الخاصة العاطفية
نعم اذا كنت تحاكم في التعامل الى هذا الفرد بما هو فرد بقطع النظر عن كونه
إيجابياً ويؤثر على المجتمع ويسلب حرية المجتمع ويسلب راحة المجتمع حينئذ
نقول ان قتل الجاني ظلم اما لو علمنا ان مصلحة المجتمع لا تستقيم الا
بالقصاص حينئذ لا بأس بأن نقول بالقصاص ، والتجربة اثبتت لنا انه كم من امر
كان في العصر القديم موضوع رفض عند الحداثة من كونها مقولة يعتقدونها قبيحة
الا انهم الان هم تراجعوا واعترفوا بان هذه مقولة حسنة بل لابد لها من وجود
في واقعنا العملي والا لا يمكن ان تسير عجلة الحياة الا في ضمن المقولة
الدينية بعدما كانوا في برهة من الزمن السابق قد انكروها.
النجف الاشــــــــــــرف : اذن سيدنا نرى بعد هذا الحديث الشيق الذي
تفضلتم به عن نظرة الدين او المنظومة الدينية للحداثة وامكانية ايجاد مكان
لمفهوم جديد او معنى جديد على الحداثة و الحداثوية و هو اقرب ما يكون الى
معنى الحداثة الاسلامية لاسيما بعد ان تحدثنا عن مرونة الاجتهاد في مجال
الفقه و كذلك في باقي المجالات الاخرى؟
السيد الاشكوري : حقيقة هذا السؤال تصب في مجال تحديث الدين او فلنقل
الاصلاح الديني وكيف ننهض بواقعنا الديني على ان يكون مواكباً للظواهر
الحياتية اعم من الظواهر الاجتماعية العامة او الظواهر الفردية او اي نحو
من انحاء الظواهر فمرد هذا الاستفسار الى الاصلاح الديني وهو لابد ان يبحث
من زاويتين الاولى الزاوية الفقهية و الثانية الزاوية الاعتقادية اما ما
يرتبط بالاصلاح الديني الفقهي فنحن نكرم الزمان و المكان ونكرم الظواهر
التي يعايشها الانسان لذا الفقيه عندنا ليس الفقيه الذي يحصر نظره في
الرؤية على الروايات فحسب انما الفقيه عندنا ينظر الى امرين معاً ينظر من
زاوية الى النص الديني وينظر ثانياً الى الواقع الخارجي فهي خنثى جامعة بين
الخصوصيتين وبين الكمالين مع ملاحظة ان النص الديني نحو نص فيه من السعة
والمطاطية والاستعداد لقبول الظاهرة الاجتماعية و انتم تعلمون ان جملة من
النصوص الدينية اُخذ فيها فكرة الالقاء على العرف ولذا لم يكن العرف بمغيب
عن الرؤية للفقه الاسلامي الشيعي والمجتهد لا يقرأ النص الديني بمعزل عن
العرف هذا من الجهة و من جهة ثانية فالقضية الدينية تسمى بالقضية الحقيقة
والقضية الحقيقية حكمها بيد الشارع ولكن الجزء الاخر من المعادلة ليس بيد
الشارع وانما موضوع بيد الواقع الخارجي فمع تبدل الواقع الخارجي يتبدل
الحكم نحن وان قلنا حلال محمد حلال الى يوم القيامة وان حرام محمد حرام الى
يوم القيامة لكن هذا لا يعني أنه الحلال لا يتبدل غايته تبدل الحلال لم يكن
تبدلاً بالمباشرة وانما عن تبدل الموضوع للحلال فمثلاً هذا المثال المشهور
المعروف لو قدر انه في موضوع الدم حيث ان الدم كان في الزمن السابق لا
منفعة له وكنا نقول معاملة سفهية فلا يجوز بيعه وشراءه وكنا ننتهي فقهياً
الى بطلان بيع الدم اما الان و بسبب التكامل العلمي وبسبب ما عثرنا عليه من
فوائد للدم محللة حينئذ ننتهي الى جواز بيعه وهذا التبدل من الممنوعية في
البيع إلى الجواز في البيع تبدل في الحكم غايته لا يكون بالمباشرة انما على
اساس تبدل الموضوع للحكم و القضايا الشرعية بشكلها العام مصاغة من هذا
النمط فلم تكن مقفلة ولم تسد الباب وانما القضية الدينية هي انفتاحية لها
طبيعة الانشراح و الاريحية لا تتنافى والواقع الخارجي بل بينهما تمام
الالفة وتمام الارتباط والتعاشق هذا اولاً ثم نحن وان كنا نقول ان ذلك
الحديث مقبول على فرض تمامية سنده من ان عصري افضل من عصر من يليه ثم هكذا
لكن مقصود الافضلية باي معنى؟ ليس الافضلية بمعنى ان الفهم الاول هو الفهم
الاصح بل عندنا هذه الرواية المشهورة رب ناقل فقه الى من هو افقه منه هذا
معناه انه ليس هناك انسداد في الفقه بل انا انقل النص الديني اي الطبقة
التالية لتكاملها العلمي اذن هناك تكامل علمي لكن هل من الضروري ان يكون
هذا التكامل والتبدل في كل مفردة من المفردات الجواب كلا وهذا لا يعني انها
فقرة مختصة بالدين بل في غير الدين ايضاً وإلا لاحداثة في علم الرياضيات
حيث كان 2×2=4 واليوم مع مرور الزمن لابد ان نصيره 3 الثابت يبقى ثابتاً
ولا يعاب على هذه القضية انها ترفض الحداثة ونحن نطبل ونزمر اذن الحداثة
لايمكن ان تفترض في علم الرياضيات ، فلنعبر الثابت الديني ولنعبر الثابت
الرياضي .... ونعبر الثابت العلمي هناك ثوابت علمية فحينما ينتهي العلم الى
قضية ويبرهن عليها ويصيرها قضية بديهية هل من الضروري بعد ذلك ان تنسخ حتى
نبقى محافظين على فكرة التجدد العلمي بالطبع لم يلتزم احد بهذا قط فالتجدد
يتقوم بالثابت اساساً التجدد انما يرتضى بعد الارتضاء بالثابت ركيزة له..
اذن هناك مساحة نرتضيها من التجدد في عالم الدين وهناك مساحة لا نرتضيها في
عالم الدين وهذا ليس شأن ديني فحسب بل هو شأن كل حقل علمي غاية ما في الامر
قد يقال علينا ان هناك أموراً كنتم تعتقدون انها من الثابت واليوم تنازلتم
عن ثابتيتها ، لا بأس هذا ايضاً مجال الحديث فيه منفتح لا نغلق باب الحديث
فنحن نحتاج الى بيان ما هو معيار الثابت وكون ان بعض الثوابت السابقة
تنازلنا عن ثبوتيتها لا يعني انخرام كل ثابت ولا يعني انهدام كل ثابت فيكون
هذا من الخطأ في التطبيق والخطأ في التطبيق لا يكون سارياً إلى الخطأ في
التقنين... اذن التكامل في مرتبة المتغير موجود و الدين قابل للتكامل عن
طريق دائرة المتغير الديني لاسيما ان هناك عناصراًَ في الدين فتحت لنفسها
افق التغير مع مراعاة عملية الاجتهاد التي هي تطعم عملية التبدل والتغير
فعجلة التغير لمكوّن التغير الديني زائد الرؤية الاجتهادية ومعاً ننهض
بواقع تكاملي تجددي ديني.. ومتى كان هناك جمود في الفتوى في العصر الواحد ؟
لاننا نرى ان هناك اكثر من رؤية للواقع الخارجي هذا يشهد على التكامل في
الدين اما الرؤيا التي تنقل ومع الاسف الشديد ان الدين لا يقبل التغير هذا
امر يكذبه الواقع الخارجي فلو كان الدين لا يقبل التغير اذن لا نحتاج الى
البحوث العلمية في المجالات الدينية بل قلنا حتى ابده البديهيات هي اولاً
في معرض الدراسة..لم نعهد ان هناك ابده من بديهية الحق والله عز وجل ومع
هذا فأن الله عز وجل ايضاً يدرس بدراسة تفصيلية هذا معناه ان هناك مجالاً
اذ لو لم يكن هنالك مجال للتكامل والتبدل لكانت الدراسة دراسة عقيمة ولكانت
مثل هذه الدراسة غير مجدية وغير نافعة وهل يرتضى لنا بمثل هذا الكم الهائل
من اهل العلم والفضل ان يصرف جهد حياته على امر عقيم اذن الدراسة دليل على
مجال التكامل ، والحركة الجوهرية للدين متحققة ، الدين يتكامل ، نطالب
بالقابليات وبالافكار ان تتحرك في افق الدين لكي تتكامل وما زلنا نواكب
الان التشريعات العالمية فمتى تخلف التشريع الديني الاسلامي الحق عن
التشريعات العالمية؟ ألم يتوسل التشريع العالمي إلى التشريع الديني؟ ألم
يكن للتشريع العالمي في يومنا الفعلي حاجات ملحة يعوز فيها الى التشريع
الديني؟ لو كان التشريع الديني تشريعاً انكفائياً لكان لا يتصور ان الدوائر
الاخرى تلتمس الحاجة من الدين والحال نرى ان الدوائر الاخرى ما زالت شحة
تحتاج الى امر التكامل.
النجف الاشـــــــــــرف: شكرا جزيلا سماحة السيد على هذه المعلومات
المفيدة والمهمة.
السيد الاشكوري : انا ادعو لكم بالموفقية وادعوا لكم بالسداد ان شاء الله
استطعنا ان نوفي ولو بعض الشيء في هذا المضمار. |