دراسته
شبّ شيخنا الاكبر في بيت علم وتقوى وترعرع مجبولا على حبّ العلم والفضل
فجدّ واجتهد في طلب العلم إذ حضر برهة من الزمن على والده فقد قرأ عليه
المقدمات ، وبعدها حضر أبحاث المدرسين وكان تلمذته على أساطين عصره
كالشيخ محمد تقي الدورقي، والسيد صادق الفحام، والشيخ محمد مهدي
الفتوني، وسافر الى كربلاء فحضر عند الشيخ الوحيد البهبهاني، وحضر على
السيد مهدي بحر العلوم أياماً قلائل تقرب من ستة أشهر لأجل اليُمْن
والبَرَكة وكان أكثر تلمذته عند هؤلاء الأعلام، كما كانت لهُ الرواية
أيضاً عنهم وقد تلمذ عليه الكثير من العلماء حتى أنه مضى زمن في إيران
أنَّ من عاصره ولم يحضر عليه لا يقلّد في إيران بل لا يكون مرجعاً
عاماً ، بعد وفاة السيد مهدي بحر العلوم سنة (1212هـ) انحصر منبر
التدريس بهِ في الحوزة العلمية في النجف الأشرف ، فحضر عنده جميع أصحاب
السيد ورجعوا إليه، للاغتراف من بحر علمه، فكان أستاذ رجال تلك الفترة
على الإطلاق .
قال عنه السيد الأمين: ((تخرج به كثير من الفقهاء المشاهير)) وذكر
المؤرخون أنه كان تحت منبره من المجتهدين ما لا يحصى عدده، فضلاً عن
المراهقين للاجتهاد ، وإنك لا تجد فقيهاً شيعياً أو مرجعاً للتقليد
إمامياً إلاَّ وتنتهي سلسلة أساتذته إليه
ومن تلامذته : انجاله الاربعة الشيخ موسى والشيخ علي والشيخ محمد
والشيخ حسن - السيد محمد جواد العاملي - اسد الله التستري - الشيخ محسن
خنفر- السيد عبد الله شبر وغيرهم.
صفاته وأخلاقه
كان شديد التواضع والخفض واللين ، فاقد التجبّر والكِبَر على المؤمنين
، مع ما فيه من الصورة والوقار والهيبة والاقتدار ، رفيع الهمَّة ،
سمحاً ، شجاعاً ، قوياً في دينه . رأى يوماً في درسه رجلاً من أهل
القطيف وهو ملتحف بعباءة ماهود بعثها إليه أهله، ولم يكن يُعْرف ذلك في
النجف وكانت مطرزة بالإبريسم والكلبدون، فرمقه الشيخ شزراً وقال له:
أيها القطيفي ما هذه اليسرة المخترعة والسنة المبتدعة؟ فقال له: إنها
هدية بعثها إلي أهلي ، فقال له: إذا كان أهلك راغبون في لباسك هذا
فليأخذوك إلى بلدهم فإنهم أرسلوك مسترشداً لا مستغوياً، فلا يحل لكَ
البقاء في النجف وأنت على هذا، فأخرج الرجل من جيبه سكيناً وأراد أن
يخرق العباءة، فنهاه الشيخ عن ذلك وقال له: أرجعها إلى أهلك وهونَ عليه
الأمر وقال: إنَّ الطلبة إذا نظروا إليك في هذه الثياب مالت نفوسهم عن
الدرس وتطلعوا نحو الأسفار وركوب الأخطار لتحصيل أثمانها.
ونقل أنه مرّ في بداية ايام تحصيله الدراسي بضيق معاشي, فرأى أن
يُؤجـِر نفسه من بعضهم لإتمام ثلاثين سنة من العبادة يستغني بأجرتها عن
مؤونات زمان التحصيل والدراسة. وأنه كان يحاسب نفسه ليلا ـ فيقول ـ:
كنت في الصّغر تسمى جُعَـيْـفراً، ثم صرت جَعْـفـَراً، ثم سُمـّيتَ
الشيخ جعفر، ثم الشيخ على الاطلاق، فإلى متى تعصي الله ولا تشكر هذه
النعمة.
يهود ونصارى في البصرة
إن جماعة من طلبة البحرين أخبروا الشيخ أن في البصرة جماعة من أحبار
اليهود ورهبان النصارى وقسيسهم يجلسون في الطرق والأسواق ويفسدون مذاهب
الإسلام، ويطعنون فيها عند العوام، حتى تهوّد خلق كثير من المسلمين،
وتنصّر آخر، فشدَّ الشيخ الرحال بجماعة من أصحابه حتى أتى البصرة، وصار
يجالس أحبار اليهود والنصارى ويحادثهم شيئاً فشيئاً بألسنتهم وكتبهم،
ويؤيد تارة ويهدم أخرى حتى عرفوا أنه من الحاوين لكل العلوم فسألوه أن
يباحثهم في علم الأديان، وغيرها فأجابهم إلى ذلك، وجعل بحثاً للنصارى
وبحثاً لليهود عصراً وصبحاً، ثم صار يذكر مفاسد كل مذهب وبالخصوص
مذاهبهم، والاختلاف الكثير في أناجيلهم كإنجيل مرقس ويوحنا وغيرهما.
والحاصل ما ان انجلت الغبرة إلاَّ وقدر مائة حبر وقسيس قد أسلم ومن ثم
توجهوا إلى البلدان النائية الخالصة باليهود ونصارى ليهدوهم بالمسالك
اللطيفة الخفيفة إلى الاسلام.
أشعاره
كان الشيخ كاشف الغطاء شاعراً، أديباً، وله أشعار ومطارحات مشهودة مع
أدباء عصره وعلمائه، ومن شعره مادحاً السيّد مهدي بحر العلوم:
إليك إذا وجّهت مدحـي وجدتـه
معيباً وإن كان السليم من العيب
إذاً المدح لا يحلو إذا كان صادقاً
ومدحك حاشاه من الكذب والريب
الغزو الوهابي
انتشر الفكر الوهابي في شبه الجزيرة العربية وأصبحت له قوة ونفوذاً
فبدؤا يستولون على المدن والقرى بقوة السلاح فهاجموا المدينة المنورة
ونهبوا خزانة حرم المدينة وهدموا قبور الأئمة (ع) والأولياء والصالحين
في البقيع وجعلوها قاعاً صفصفاً.
وفي زمن عبد الله بن سعود بدأ الوهابيون يتجهون نحو النجف لغزوها
والسيطرة عليها، فلما رأى الشيخ جعفر أنَّ الوهابيين عازمون على غزو
النجف فقام بنقل خزانة الأمير (ع) إلى بغداد كي لا تنهب إذا ما دخلوا
النجف الأشرف وقد استعد لهم تمام الاستعداد، فجمع السلاح والمؤن في
النجف الأشرف.
وقد أصرَّ (قده) على البقاء في النجف الأشرف وعدم الفرار والخروج منها،
وبقي معه كبار العلماء كالشيخ حسين نجف والسيد جواد العاملي والشيخ خضر
شلال والشيخ مهدي ملا كتاب وغيرهم، حيث رأوا ضرورة البقاء والحفاظ على
بيضة الإسلام، ثم إنَّ الشيخ وأصحابه وطنّوا أنفسهم على الموت لقلّتهم
وكثرة عدد عدوّهم.
وكان الشيخ (قدس سره) قبل مجيء ابن سعود إلى النجف الأشرف حفر سرداباً
في داره الكبيرة ينزل في الأرض مقدار أربعين درجة ويعرف هذا السرداب
بسرداب الوهابي، وقد بناه بطريقة عجيبة بحيث لا يهتدي إليه أحد إلاَّ
من علم بطريقة بنائه وسلك مسلكه، ثم إن الشيخ أخفى أولاده ونساءه في
السرداب وجعل معهم من الطعام ما يكفيهم مقدار شهر كامل، وقد أوصاهم
بعدم الخروج منه إذا ما دخل الوهابيون المدينة حتى يخرجوا من النجف.
وفي الوقت نفسه قام الشيخ بغلق أبواب المدينة وجعل خلفها أحجاراً
كبيرة، ووزع الرجال المسلحين على أطراف السور لكي يقوموا بحراسة
المدينة. وجاء ابن سعود بجيشه وحاصروا مدينة النجف وحاولوا اقتحام
السور الا ان محاولاتهم باءت بالفشل فبقي هو وجيشه محاصر للمدينة
القديمة (وفي هجمات ابن سعود حديث طويل أعرضنا عن ذكره خوفاً للاطالة)
ويقال: إنَّ بعض من كان على السور رأى قريباً من الفجر فارساً خرج إلى
جيش ابن سعود فقاتلهم وشتت شملهم فما أن أصبح الصباح حتى أصبحوا شتاتاً
في البوادي، فدفع الله شرهم عن النجف الأشرف وحمى المدينة من بطشهم .
ثم توجّه ابن سعود إلى كربلاء فقتل أهلها قتلاً ذريعاً حتى فاض الدم من
الحرم الحسيني كالميزاب، ولم ينجُ إلاَّ من لاذ بالحرم العباسي، لأنهم
كلما توجّهوا إلى صحنه الشريف خرج إليهم فارس فقاتلهم وجلاهم عنه حتى
قال عبد الله: خلو حرم العباس فإنه ابن أختنا، ثم دقَ القهوة على ضريح
أبي عبد اللهA، وأحرق قبر حبيب بن مظاهر إلى غير ذلك من الأفعال
الشنيعة، ثم ولّى هزيماً لعنه الله. وبعد تلك الغارة الوهابية الفظيعة
توجه الشيخ جعفر إلى طهران لمقابلة الشاه فتح علي داعياً إياه لتعمير
الحائر الحسيني بعد التدمير الذي أصابه على يد الوهابيين، ثم أخذ الشيخ
يتجوّل في أنحاء إيران يشجع على التعمير. وقد توّجت جهوده هذه
بالإصلاحات التي جرت عام (1232هـ) على يد السلطان فتح علي شاه.
كاشف الغطاء
اشتهر الشيخ جعفر بهذا اللقب ، بعد أن ألف كتابه (كشف الغطاء عن مبهمات
الشريعة الغراء)، الذي أهداه لسلطان إيران (فتح علي شاه القاجاري)،
وأذن لهُ فيه بما نصَّ عليه في كتاب الجهاد منه، وبعد أن انتشر الكتاب
في الأوساط، وذاع صيته في الآفاق، وكان ذلك في أواخر عمرهِ وفي فترة
مرجعيته، فصار يعرف بهذه الشهرة، وربما كان اشتهارهِ بهذا اللقب بعد
وفاته وقال الشيخ حرز الدين: ((وبهِ اشتهر أخيرا)) اما علمه وسعة باعه
في الفقه، فما ظنك بمن درس وباحث كتاب شرائع الإسلام للمحقق الحلي ثلاث
مائة مرة بأدلتها تفصيلاً على وجه الإحكام والإتقان، وكان الشيخ يقول:
لو مُحِيَتْ جميع كتب الفقه من أولها إلى آخرها لأمليتها للناس على
خاطري بلا زيادة ولا نقيصة من شدة الممارسة والضبط. .
ويقول عنه التنكابني: ((والإنصاف أنه كان كذلك كما يظهر من تأليفاته
خصوصاً كشف الغطاء فيظهر كم هو محيط بالفقه بل إنَّ مسائل الفقه حتى
الديّات كانت كالخاتم في الإصبع حيث يشاء يحركه لأنه في كل قاعدة وفي
أكثر المسائل من الطهارة حتى الديّات يذكر الفروع مما يوضح أنه كان
ضابطاً محيطاً بجميع أبواب الفقه مستحضراً لها بالفعل)).
وفاته
توفي الشيخ كاشف الغطاء ( قدس سره ) في الثاني من رجب 1228 هـ ، بمدينة
النجف، ودفن بمقبرته الخاصة في محلّة العمارة ـ إحدى محلات مدينة النجف
الاشرف .