|
شرح المفردات
تركنوا: مادة ركن وردت في القران الكريم ما يقارب اربع مرات الاولى هود 80
{قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ}
والاسراء 74 {وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ
شَيْئاً قَلِيلاً} والذاريات 39 {فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ
أَوْ مَجْنُونٌ} والموضع الرابع ما نحن بصدده.
والركن لغة هوالعمود الضخم من الحجر اوالجدار الذي يربط الجدار او يربط
الاشياء بعضها بالبعض الاخر ثم حصل توسع في اللفظ والاستعمال واطلق على
الاعتماد والاستناد الى الشيء.
وفسروا الركون المنهي عنه في الاية اعلاه بعدة معاني منها الميل اي لا
تميلوا الى الذين ظلموا ميل محبة ومنها التعاون ومنها اظهار الرضا لهم
ومنها المودة لهم ولقائل ان يقول ان الجامع لهذه المعاني هو لا تستندوا
عليهم في امور يكون الاستناد فيها عليهم مضيعة للدين والحياة الدينية
وسيأتي مزيد بيان فتابع وترقب!
الذين ظلموا: فيه قولان ، الاول: المراد منه الحدث اي لا تركنوا الى من صدر
منه ظلم ما أي ظلم كان حتى ولو كان يسيراً، والثاني: المراد من الظالمين اي
الذين اتصفوا بالظلم لكثرة ما فعلوه واشتهروا به وسيأتي مزيد بيان فأنتظر.
تمسكم: وردت مادة هذه الكلمة في القرآن الكريم في اكثر من ستين موضعاً
وكانت في اغلب هذه المواضع متعلقة او مضافة للشر وأضرابه مثلاً مضافة الى
السوء {لم يمسسهم سوء} واخرى الى النار {لن تمسنا النار} وثالثة الى
البأساء {مستهم البأساء} ورابعة الى القرح {ان يمسسكم قرح فقد ...} وخامسة
الى الضر {إن يمسسك الله بضر فلا كاشف...} ومادته الى العذاب {يمسهم العذاب
بما كانوا يفسقون} وهكذا الى اكثر من اربعين مورداً، واضيفت بشكل نادر
وهومرتان الى الخير والحسنة {وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير} {إن
تمسسكم حسنة تسوءهم}.
اما لغة فقالوا ان المس كاللمس الا ان الثاني مع الملاصقة والاحساس والاول
قد يحصل بدونهما.
ومن الطريف تلميح البعض الى انه تعالى جعل عقوبة الركون هي مس النار وهو
ليس الخلود فيها وعقوبة الظلم هي النار.
ومالكم من دون الله من اولياء: قيل فيها انها في موضع حال من مفعول {فتمسكم}
اي تمسكم النار في حال ليس لكم من دون الله من اولياء في يوم القيامة الذي
يفقد فيه الانسان كل اولياءه من دون الله، او تكون حال من الركون بمعنى من
المعاني انكم اذا ركنتم للظالمين بتوهم او باعتقاد انهم لكم اولياء فالظلمة
مهما كثروا لا ينصرونكم اذا كان الله جل وعلا هو الخاذل لكم هذا في الدنيا.
ثم لا تنصرون: على قول لا تنصرون في الدنيا لان النصر نوع من الثواب فيكون
جزاءاً للمطيعين واما العاصين ومن يركن اليهم فحاله الخذلان في محاربة
الاعداء او النفس او اي شيء من اجله ركن للظالم وعلى قول آخر لا تنصرون يوم
القيامة بمعنى لا تنالوا الشفاعة والتعبير بثم على القولين له وجه، فعلى
القول الاول مهما توهمتم من نصر عاجل وعز وربح فمئآله الخذلان، وعلى القول
الثاني تكون ثم تفيد التراخي بالزمان الى زمان يوم القيامة بمعنى ذرهم في
طغيانهم يعمهون فمصيرهم الخذلان ومس النار والفضيحة على رؤوس الاشهاد.
المعنى الاجمالي
خطاب للمؤمنين الذين يرجون النجاح والخير في الدنيا والصلاح والجنة في
الاخرة ويقصدون رضوان الله الاكبر، خطاب ينهاهم عن الركون للظالمين في شيء
يُضيّع الدين ويفسد الحياة الدينية او يسبب الضعف والخور في الدين سواء كان
هذا الركون بنيته او قول او فعل، ومن يفعل ذلك يلقى الهزيمة والخذلان في
الدنيا قبل الاخرى، ولو حصل هذا الركون فما عليك الا ان تحافظ على الاعمال
الصالحة ومنها اقامة الصلوات والمحافظة على اوقاتها فأقامة الصلاة من أعظم
الحسنات والباري تكرم على خلقه بأن الحسنات يذهبن السيئات.
الامور التي لا ينبغي الركون فيها للظالمين
1- من المعلوم الذي لا يختلف فيه اثنان انه لا يصح الاشتراك مع الظلمة في
ظلمهم وإلا كان منهم وكذلك الاعانة لهم في ظلمهم فكل ذلك من الحرام الواضح،
وهو يمثل القدر المتيقن من الركون على قول.
2- عن محمد بن يعقوب عن عدة من اصحابنا عن الامام الصادق (ع) في قوله عز
وجل {ولا تركنوا....} قال (ع) الرجل يأتي السلطان فيحب بقاءه الى ان يدخل
يده في كيسه فيعطيه، ومما يظهر من كلام الامام (ع) ان من مصاديق الركون
للظالم هو حب بقاء الظالم وبقاء دولته طمعاً لما في ايدي الظلمة من حكام
الدنيا ومن امثلة ذلك ما ورد في حكاية صفوان الجمال وكري جماله للظالم.
3- عن علي بن ابراهيم حول الركون المنهي عنه في الآية قال (ع) (ركون مودة
ونصيحة وطاعة) فيكون من معناه ان من مصاديق الركون هو مواده الذين يحادون
الله ورسوله، ومن مصاديقه نصيحته الظالم سواء كانت فيما به الخير للظالم
الذي يسبب بقاء الظلم كطاعته في مبتدعات الدين التي يكون للمؤمن محيص من
عصيانها، او نصيحته بما يقوي نظامه من خلال الاخلاص له في القول والعمل.
4- اظهار موالاتهم والرضا بهم وجعلهم اولياء ومن الجدير بالذكر ان هناك فرق
بين الولاية لهم وبين الركون اليهم فالولاية لهم هي الاقتراب منهم بحيث
يجعل المسلمين في معرض التأثر بدين الظلمة واخلاقهم وسننهم المبتدعة اما
الركون فهو بناء الدين والحياة الدينية على ظلمهم، فيكون كل مورد فيه ركون
فيه ولاية لهم وليس كلما حصل الركون حصلت الولاية.
والحاصل ما يجمع هذه الوجوه وغيرها ما ذكرناه في المعنى الاجمالي للآية،
واما الامور المستثناة من الاستناد عليهم والتي ليست بركون كالمعاملات من
بيع وشراء او ائتمان مبني على حفظ منافع المسلمين وتقويهم بها، وكل ذلك كان
جارياً في عهد وحياة رسول الله (ص) بل بعضه صدر
منه كأستئجاره لراحلة لغرض الهجرة من مشرك، وكذلك يلحق بذلك الروابط
العلمية بين المسلمين والمجتمعات غير المسلمة، وأشتهر خذوا الحكمة ولو من
اهل النفاق ولا ركون في كل ذلك وما شابهه وماثله.
فكرة مرفوضة
قال صاحب تفسير المنار بعد ذكر قول الزمخشري في موارد الركون للظلمة حيث
قال الزمخشري ان الركون للظالمين (متناول للانحطاط في هواهم والانقطاع
اليهم ومصاحبتهم ومجالستهم وزيارتهم ومداهنتهم والرضا بأعمالهم والتشبه بهم
والتزي بزيهم ومد العين الى زهرتهم وذكرهم بما فيه تعظيم لهم) ، علق صاحب
المنار على قول الزمخشري (كل ما أدعمه في النهي عن الركون الى الذين ظلموا
قبيح في نفسه لا ينبغي للمؤمن اجتراحه وقد يكون من لوازم الركون الحقيرة
ولكن لا يصح ان يجعل شيء منه تفسيراً للآية ومراداً منها حيث ان المخاطب
فيها رسول الله (ص) والسابقون الاولون الى التوبة من الشرك والايمان معه
ولم يكن احد منهم مظنة للانقطاع بظلمة المشركين والانحطاط في هواهم والرضا
باعمالهم الى غير ذلك) انتهى كلامه.
فكأن صاحب هذا الكلام يريد ان يقيد اطلاق هذا الخطاب وشموله بجعله موجهاً
الى ما سوى النبي9 والاصحاب فيكون الاصحاب كل الاصحاب ممن لا يفعل هذه
الافعال بل لا يتصف بالظلم مطلقاً، وما هذا التأويل الا هو الركون بعينه
وتضييع للدين وبيان ذلك بشكل مختصر: 1- ان الخطاب عام موجه لكل واحد واحد
من المكلفين نعم للبعض ان يخرج من الشمول ولكن بدليل خاص كخروج النبي (ص)
وبعض اصحابه المطيعين لله ورسوله.
2- ان عدم كون المخاطب مظنة المعصية لا يمنع من توجيه النهي اليه بل هكذا
النهي الشرعي ويجوز ان يكون النهي بطريقة اياك اعني واسمعي يا جارة وعلى
هذا الاساس نًُهي النبي9 مما هو اعظم من الركون كالشرك بالله وترك تبليغ
بعض آوامره كما في الزمر 65 والمائدة 67 والاحزاب2 فراجع وكل تلك الامور
ونظائرها مما لايمكن ان يظن ان يضمرها (ص) في نفسه فضلاً عن ان يفعلها.
إشكال لا رد مقنع له
ورد في ورايات اهل السنة على نحو الشهرة من وجوب الطاعة والتسليم لسلطان
الزمان اي سلطان براً كان او فاسقاً حيث نقلوا عن النبي (ص) في وجوب طاعته
وان اخذ مالك وضرب ظهرك، فكيف يلتقي هذا الوجوب من هذا النهي القرآني
الصريح في حرمة الركون للظالمين.
الصلاة تذهب السيئات:
الاية الثانية جاء في سياق كأنها العلاج للذي يركن الظالمين مدة من عمره
فكان الصلاة من حيث الاداء والمحافظة على اوقاتها والتوجه الى الاقبال
عليها تكون مبعدة لمس النار اللازم للركون هذا اجمالاً اما من حيث مفردات
الاية.
طرفي النهار: بيان لصلاتي الصبح والمغرب فهما في طرفي النهار.
وزلفاً من الليل: الزلف القرب أي اول الليل القريب من النهار وهو وقت صلاة
العشاء، فتكون الاية متعرضة لبيان ثلاث صلوات من الخمس المفروضة، نظير ذكر
اربع صلوات كما في سورة الاسراء {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ
إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ
مَشْهُوداً} ويظهر ذكر صلاة واحدة {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ
والصَّلاَةِ الْوُسْطَى}. فتكون الخمس جميعاً مذكورة ولكن لكل منها خصوصية
يقتضي مقام الاية ذكرها فلا داعي لتوسعة الالفاظ حتى تدخل الصلوات الخمس في
آية واحدة.
الصلاة الصلاة
عن الصادق (ع) قال يقول رسول الله (ص): اربع من كن فيه لم يهلك على الله
بعدهن إلا هالك، يهم العبد بالحسنة فان لم يفعلها كتبت له حسنة وان فعلها
فله عشر حسنات، ويهم المرء بالسيئة فان لم يفعلها لم يكتب عليه شيء وإن هو
عملها اجل سبع ساعات وقال صاحب الحسنات (الملك الموكل) لصاحب السيئات وهو
صاحب الشمال لا تعجل عسى ان يتبعها بحسنة تمحها فان الله عز وجل يقول {ان
الحسنات يذهبن السيئات}او يتبعها بأستغفار (يتبعها استغفار) فان من قال
استغفر الله الذي لا اله الا هو عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم الغفور
الرحيم ذو الجلال والاكرام وأتوب اليه لم يكتب عليه شيء وإن مضت سبع ساعات
ولم يتبعها بحسنةٍ أو إستغفار قال صاحب الحسنات لصاحب السيئات اكتب على
الشقي المحروم.
وعن الصادق (ع): صلوات المؤمن بالليل يذهبن بما عمل في النهار. واللهم
اجعلنا من المصلين والحمد لله رب العالمين. |