مقالات .....................................................

 العراق وآليات العمل المستقبلي

                                              صباح العريض   

                                                                        قسم العلوم السياسية والدولية

                                                                             الجامعة الإسلامية / النجف الاشرف

   سبق وأن قال المفكر الصيني الكبير ( صن تزو ) في رؤية استراتيجية لطبيعة المعارك والحروب : ( إن المعركة تُحسم قبل أن تبدأ ) إذ أنها تحكم من حيث نتائجها بحسب الوقائع المادية والمعنوية التي تحيط بها ، وتؤثر فيها ، ولعل ما يواجهه أبناء الأمة العراقية من تحديات جسام برزت بعد سقوط النظام المقبور وحتى اليوم ما نستطيع أن نصفها على إنها من أكبر وأخطر التحديات التي جابهت العراقيين مهددة إياهم بالزوال والتهميش فعلياً وليس بالمعنى الاصطلاحي إذا لم يتم التعامل معها بالشكل الأمثل ووفق المقاييس العقلية الملتزمة وسياقات التعامل المنطقي الواعي و المدرك لحقيقة الأمور وتوابعها .

 ومن هنا تأتي الأهمية الكبيرة التي تتمثل بوجود آليات حقيقية لتفعيل القدرة العراقية للعمل وبما يتلائم وحجم التحديات المطروحة سواء على الساحة العراقية أو الساحة الإقليمية والدولية ، وبحسب ما تراه الرؤية الفلسفية لمسارات التاريخ والتي صاغها تويني بنظرية ( التحدي والاستجابة ) فان القدرات الكامنة للأمم والشعوب سرعان ما تبرز وتتفاعل بشكل مطرد مع  حجم ومستوى التحديات التي تجابه تلك الأمم والشعوب وهو ما أشار إليه وأكده الكثير من الباحثين والمختصين في مجال دراسة الحضارات الإنسانية ، وهذا الحال ينطبق على الوضع العراقي فالشعب العراقي وان عاش في أجواء الظلم والقهر السياسي والاقتصادي والثقافي عقود طويلة احتدت منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 ، وما مارسته الأنظمة المتعاقبة من استبداد واضح كان يقوم على أسس مذهبية وطائفية متخلفة وبعيدة عن أبسط مقومات العدل والإنصاف ، والتي تصاعدت وتيرتها - تلك الممارسات - لتصل الذروة في ظل نظام البعث المقبور ، ولكن زوال ذلك النظام وتبدل الأمور وفق معطيات جديدة فأن الشعب العراقي تأقلم وبشكل ايجابي وسريع مع تلك التغيرات ، إذ إن أبناء هذا الشعب سرعان ما مارسوا أرقى ممارسة ديمقراطية يمكن أن تشهدها أكثر المجتمعات الإنسانية رقياً وحضارة ، وأعني بذلك عملية الانتخابات التي برهنت وبمصداقية عالية على مدى العمق الحضاري لأبناء هذه الأمة ، فأوربا على سبيل المثال وهي التي تضم بين دفتيها أرقى التجارب الديمقراطية في العالم قد استغرقت فيها عملية الممارسة الديمقراطية وتطبيقاتها ما يقارب الثمانية قرون حتى تصل ما وصلت عليه من نضج سياسي في تطبيق آليات العملية الديمقراطية وهو ما يدفعنا للمطالبة وبإصرار من جميع الإخوة الذين تحملوا أعباء المسؤولية التاريخية الكبيرة وتصدوا لمسألة العمل السياسي ، بأن يبادروا لاستثمار وتوظيف هذه الحركة الجبارة والتي هي في واقعها وليدة العمق الحضاري لهذا الشعب والإرادة الحقيقية للتغيير الجذري الهادف إلى إصلاح الخلل الكبير الذي أَسست عليه طبيعة الحياة السياسية وما استتبعها في وطننا ، ولعل ( منهجية العمل التدريجي ) تأتي على رأس الوسائل والأساليب التي من المفترض أن يتم إتباعها للتعامل مع حجم التقدم ونسبة تقبله التي من الممكن أن تلاحظ لدى أفراد الشعب ، على اعتبار أن أفراده هم العنصر الأول والحقيقي لأي حالة تغييرية يمكن أن يشهدها العراق ، كالحالة التي تعيشها اليوم والتي نستطيع أن نعبر عنها ب( الحرب الحضارية الشاملة ) التي تستهدفه والتي تشن ضد أَسس بقاء وديمومة هذا البلد كدولة وكنظام وقبل ذلك كشعب ، سواء أكانت تلك الحرب قد أعلنت من قبل أطراف وجهات إقليمية ودولية أم داخلية هدفها عرقلة خطوات التقدم والتي أخذت بالتتابع بشكل متزن وصحيح .