تقارير .......................................................................

 

                                                             بقلم : علي جعفر

   تعتبر المرأة احد ابرز العناصر الاجتماعية التي كان للتخلف والانحدار الحضاري للمسلمين عاملا رئيساً في تدهور مركزها الاجتماعي وتحولها إلى عنصر مستهلك وظيفيا واجتماعياً، فكان ذلك مولداً لإشكالية اجتماعية حضارية، طرحت عدة اجتهادات كمحاولات لحلها واستنقاذاً للمرأة من الواقع الذي عليه في المجتمع المسلم.

 ومن ابرز هذه المحاولات تلك التي ترجع أسباب هذا الواقع إلى التفاوت الحقوقي بين الرجل والمرأة في الإسلام والذي مهد إلى ثقافة اجتماعية اضطهدت المرأة وسلبتها حريتها واستقلالها الشخصي ووضعتها تحت سلطة متعسفة تتمثل بسلطة الذكر وهيمنة الرجل على مفاصل الحياة الاجتماعية. وهذه المحاولة في الحقيقة هي نقل لاسباب هذه الإشكالية عما هو اجتماعي إلى ما هو قانوني معتقده ان هذه الاسباب لا يمكن ازالتها الا بالقضاء على هذا التفاوت القانوني ومحاربة أي محاولة قانونية تستند عليه في التقنين ومن اهمها الدستور الذي يمثل القانون الأعلى في المجتمع. ومن هنا تعالت الأصوات إلى رفض تأطير الدستور القادم بالثابت الإسلامي وخاصة القانوني منه باعتباره تشريع لإضطهاد المرأة وترسيخ لواقعها الانحداري. ولكي تتضح الرؤية في واقعية هذا الطرح، لابد لنا التأكيد على حقيقتين يمثلان محددين منطقيين لالتزام الدعوة إلى هذا التأطير.
1- ان المجتمع المسلم يعتقد بوجود خالق عادل حكيم انزل شريعة شاملة تتمثل بمبادئ وثوابت عامة لابد من الالتزام بها اعتقاداً والعمل على تطبيقها ولا يمكن لنا ان نجزئها، بل حذرنا القرآن من ذلك (ويقولون نؤمن ببعض ونكفر بعض ويريدون ان يتخذوا بين ذلك سبيلاً) فالثابت الإسلامي لا يمثل القبول به وعدمه مورد اختياره.
2- ان القانون لابد أن ينطلق من التكوين الطبيعي والواقعي لاشخاصه وان لا يقفز على هذا الواقع ويفترض او يفرض واقعاً مغايراً له لان مثل هذا الفرض سيكون سبباً لفشل هذا القانون والتجربة التاريخية جسدت هذه الحقيقة، فنجد احد رواد الاشتراكية بما كان يمتلكه من مواهب فكرية واردارية وامكانات اقتصادية هائلة قد فشل في تطبيق نظريته (قانونه الاشتراكي) بالرغم من شرائه مستعمره بكاملها محاولاً جعلها نموذجاً لمجتمع اشتراكي وما ذلك إلا لانطلاقه من واقع مخالف للواقع الذي كان عليه افراد مستوطنته. في ضوء هذين المحددين سننظر الى التفاوت الحقوقي للمرأة في القانون الإسلامي ومدى تأثيره على مركزها الاجتماعي والسياسي كمواطن له حقوقه وواجباته مقارنة بالرجل. وكتشخيص موضوعي نجد ان التفاوت الحقوقي القانوني لا يتعدى 8% من خلال مقارنة الابواب الفقهية المنظمة لهذا التفاوت مقارنة مع مجموع الفقه المدون، وهي نسبة ضئيلة تعكس القاعدة المسلمة لدى الفقهاء ان لا تفاوت قانوني بين الرجل والمرأة في الإسلام إلا اذا جاء نص خاص ودليل محدد على وجود تفاوت، فالتفاوت استثناء وليس القاعدة، وهنا يتساءل البعض أليس من الممكن ان نُلغي هذا الاستثناء ونجعل حقوق المرأة مساوية لحقوق الرجل في جميع المجالات؟

 أليس من الممكن أن نُلغي هذا الاستثناء ونجعل حقوق المرأة مساوية لحقوق الرجل في جميع المجالات؟

الملاحظات التالية سيكون لها دور في تحديد الموقف من هذا السؤال:
1- ان مقولة الحق ليست مقولة هوائية ليس لها موازينها الخاصة، فهي احد ركني القانون الوضعي ولها محدداتها الخاصة ومن عدة زوايا والنقاش العلمي في حقيقتها وصل إلى اصل وجودها، إذن ليس من المنطقي النقاش حول شرعية هذا الحق او عدمه من دون الاخذ بنظر الاعتبار لهذه المحددات العلمية، وفيما يتعلق بالكلام حول حقوق المرأة لابد من الالتفات ان الحق هو ميزة او قيمة يمنحها القانون للشخص، مما يعني انه الحق خاضع في تحققه الى القانون وهذا ينقلنا الى مصدر وشرعية القانون وضرورة انسجامه مع طبيعة المجتمع وواقعه الاجتماعي والثقافي والعقائدي والاختلاف الذي نشاهده في قوانين العالم هو نتيجة الاختلاف في مصدر القانون من جهة وواقع المجتمع من جهة أخرى. ومن هنا سنحاول رسم دائرة التفاوت الحقوقي ضمن دائرة الحقوق التي يذكرها القانون الوضعي، ففيما يرتبط بالحقوق السياسية لا نجد القانون الاسلامي يحدد حواجز حقوقية لمشاركة المرأة في ادارة البلد إلا في منصب القضاء بمعناه الفقهي ، مع ان هذا المنع لا يمثل ضرورة فقهية بحيث لا يمكن زلزلته من ناحية الدليل الفني، واما ما يرتبط بالحقوق العامة وهي التي تمثل مقوماً للشخصية الانسانية ولا يمكن للفرد نفسه التنازل عنها كحق الحياة والحرية فهي متساوية بين الرجل والمرأة وبالتالي التفاوت ينحصر في دائرة الحقوق المدنية وهي التي تترتب على تكون المجتمع وهي تتفاوت في الدرجة بحسب اختلاف طبيعة المجتمع وتكوينه ومن هنا تظهر عملية الخلط والتعمية في قضية الحجاب وحرية المرأة فان وجوب الحجاب مقيد بدائرة الرجال والمجتمع اذ لو كانت المرأة في مجتمع نسائي او لم تكن ضمن مجتمع لم يجب، فلو حاولت المرأة ان تعيد تجربة روبشن كروزوا وتعيش في جزيرة منعزلة فلا يجب عليها الحجاب، اذن فليس هو من حقوق الانسان الطبيعية كما يوهم بذلك من ينادي بازالته، فهو حق اجتماعي لا شخصي.
2- ان بعض الحقوق وان كان اصل تشريعها في صالح بعض (الرجال) لكنها في التطبيق تكون في صالح المرأة كالارث فهناك العديد من الحالات وكما نبه على ذلك الشيخ محمد حسن آل ياسين في بعض ابحاثه تكون حصة المرأة اضعاف حصة الرجل كما لو مات رجل وله اب وبنت يرثانه فللأب الربع وللبنت ثلاثة ارباع، وهذا نتيجة طبيعية لان التفاوت في الارث ليس بين الرجل والمرأة، بل بين الولد والبنت وفرق كبير من ناحية قانونية بين الحالتين. ثم لماذا هذا التهويل الإعلامي بالتركيز على قضية التفاوت في الإرث مع انه من مصادر الدخل الاستثنائية وتجاهل المصادر الأكثر أهمية للدخل، وهو العمل وهو يتساوى فيه الرجل مع المرأة من ناحية التحصيل وفي صالح المرأة من ناحية الانفاق!!
3- ان التمايز الحقوقي بين الرجل والمرآة هو نتيجة طبيعية للتمايز الوظيفي بينهما وهذا ما اكدته الابحاث الميدانية الانثربولوجية، إذ تم اكتشاف بعض المجتمعات الأمومية التي تكون السلطة فيه للنساء ولهن دور الرجال في المجتمع الابوي كما هو الحال في مجتمعاتنا المتحضرة ولاحظوا ان حقوق الرجال انتقلت للنساء وبالعكس، فالرجل ينفق من ثروة الزوجة والأولاد ينسبون الى الأم الى درجة اصبحت ملامح الانوثة في الرجل دون المرأة.

 التساوي المطلق بين الرجل والمرأة
 كلام غير واقعي


4- ان التفاوت الحقوقي وفي مجالات معينة، يمكن القول انه الحالة المتحققة في مختلف القوانين في العالم وعلى مر العصور، ولواقعية وضرورة هذا التفاوت وكونه ناشئاً من الخصوصية لكل من الرجل والمرأة نجد ان الالتزام به محل اصرار من قبل المشرع في اكثر الانشطة انفتاحية وغربية واكثرها عدالة في التنافس وهو النشاط الرياضي، فلم نجد قانوناً رياضياً قد جعل المراة منافساً مكافئاً للرجل ورفض القاعدة القانونية الوضعية بان العقد شريعة المتعاقدين، وقد حصل اخيراً ان منع الاتحاد الدولي (فيفا) هداف المنتخب المكسيكي لكرة القدم اللاعبة دومينج من اللعب لأحد أندية الدرجة الثانية للرجال وأصدر بياناً اكد على ضرورة المحافظة على الفصل بين الجنسين.
ومن هذه الملاحظات نجد ان التفاوت يمثل حالة واقعية تفرض نفسها على المُقنن والمُشرع في كل زمان ومكان وان اي كلام حول التساوي المطلق هو كلام غير واقعي، ولكن هذا لا يعني جعل الباب مفتوحاً لتوسيع هذا التفاوت الى درجة تجعل من المرأة مواطنمن الدرجة الثانية لا يتمتع بالحقوق الكاملة كانسان يمثل جزءاً من مجتمع سياسي وله دوره في بناءه وقد لاحظنا ان اهم مراكز التفاوت في الحقوق بين المرأة والرجل ليس لها ارتباط بدرجة المواطنة ولم تمس حقوقه الطبيعية فحق الحرية وحق الملكية والمساواة امام القانون وحق الأمن كلها مكفولة وفق القانون والتالي لن يكون لتأطير الدستور وبالخطوط العامة للإسلام أي تأثير سلبي على المركز السياسي والقانوني للمرأة كمواطن وفرد في المجتمع العام.

المرأة وخبر النقص

تذكر بعض الكتب التاريخية بعض الروايات التي مضمونها ان المراة ناقصة عقل ودين والتي يفهم ان المرأة دون الرجل في اهم اخطر صفتين تميزان الإنسان عن الحيوان وهما العقل والالتزام بالدين مما يؤيد الدعوة الى رفض ربط حقوق المرأة في القانون والمجتمع بالدين لان نصوصه تنظر للمرأة بكونها إنسان من الدرجة الثانية وكذلك إسلامها. هنا لابد من الاشارة ان المعروف بين الفقهاء ونص على ذلك الشيخ الانصاري المؤسس لعلم الاصول بصورته الحديثة ان الخبر ولو كانت نسبته الى المعصوم (ع)صحيحة فأنه يرفض او يؤول اذا كان مخالفاً للقواعد العامة للإسلام او قواعد العقل، وهذا الخبرعند تحليله من ناحية فقهية وتاريخية، سنجد من الصعب جداً الالتزام بصدوره من المعصوم (ع) وخاصة اذا فهم بالمعنى الذي ذكرناه قبل قليل. لقد فسرت بعض الاخبار النقص في الدين بتوقف المرأة عن الصوم والصلاة مدة معينة في كل شهر، ولكن هذا التفسير لا ينسجم مع الواقع، اذ ان المرأة تتشرف بالخطاب الإلهي. ويكون لها اعتبارها القانوني أمام الله سبحانه وتعالى قبل الرجل بـ (6) سنوات وبالتالي عند تساويها في العمر ستكون اما مساوية له في العبادة او اكثر منه لانها تستطيع منع طرد الحالة الشهرية بأساليب مباحة شرعاً وحيئنذ ستكون اكثر عبادة واما اذا لم تمنع ذلك فان السنين الست ستسد الفرق وبمعدل ان كل سنة عبادة تعادل اكثر من اربع سنين عدم عبادة بالإضافة الى ذلك فإن المرأة اثناء توقفها من الصلاة يستحب لها ان تجلس في مصلاها وتستقبل القبلة ذاكرة لله سبحانه وتعالى بالتسبيح وغيره ولها ثواب على ذلك، هذا من الصلاة أما الصوم فيجب على المرأة قضاؤه وبالتالي فهي اكثر عبادة من الرجل فيه. واما نقص العقل فقد فسر بعدم قبول شهادتها في بعض الموارد او بمعادلة شهادة امرأتين بشهادة رجل، وهذا التفسير لا ينسجم مع الواقع الفقهي حيث ان القاعدة مساواة شهادة المرأة للرجل الا في حالات استثنائية وعدم قبول الشهادة كما يحصل للمرأة يحصل للرجل ، فكيف اصبح ما هو مشترك بين الرجل والمرأة دليلاً على نقص العقل في احدهما وكماله عند الآخر. ثم كيف نطمئن بصدور مثل هذه الاحاديث مع ان احاديث تكريم المرأة وغضب الله لها كثيرة جداً، بالإضافة ما كان للمرأة المسلمة في عصر النص من دور سياسي وثوري يتنافى مع مضمون هذا الحديث، فهذه سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (ع) وعند سكوت وصمت الامام امير المؤمنين (ع) عن حقه وحقها، كانت تخرج بخطبها الخالدة والتي كشفت الحقائق امام المسلمين وفضحت التلاعبات السياسية، وهذه بنتها زينب بطلة كربلاء، بدورها الحسيني وما قامت به من دور في الدفاع عن شرعية حركة الإمام الحسين (ع) والوقوف امام ابن زياد ويزيد ومحاولتهم لسلب هذه الشرعية وما كانت هذه الادوار لتتم لولا كمال العقل والدين والقلب واللسان,، وهذا الكمال لم يقتصر على بنات النبوة والإمامة فنجد ان السيد الخوئي ( قدس سره ) يذكر في معجم رجال الحديث عشرات النساء اللواتي نقلن احاديث الأئمة وكنّ عالمات فقيهات. فهل مثل هذا الواقع الفقهي والتاريخي للمرأة في الاسلام يتوافق مع القول بنقص عقلها ودينها؟! حتى يدعى انه مؤسس لدونية المرأة اجتماعياً وقانونياً. ان الواقع السلبي للمرأة في المجتمع الاسلامي وبعد كل ما تقدم ليس نتيجة التمايز الحقوقي بل هو نتيجة التخلف الذي اصاب المجتمع في جميع مفاصله والواقع الملموس يصرح بذلك لان الواقع السلبي ليس مختصاً بالمرأة، بل جميع مفاصل المجتمع حتى ما كانت انتاجاً غريباً فهي متدنية بمقارنتها بما يقابلها في المجتمع الغربي المتقدم، بل إن المرأة في بعض المجتمعات اللاإسلامية بصورة اسوأ بكثير مما عليه في المجتمع الإسلامي. ومن هنا نرسل رسالة عامة ونحن نبني دولة ومجتمعاً جديداً، لنتخلص من رواسب التبعية للاطروحات الغربية عن واقعنا وهويتنا وننطلق بصدق من مشاكلنا واسبابها الممتدة الجذور في واقعنا الإجتماعي والثقافي، فان عصر الشعارات والقيمومة على الأمة قد ولى، وكفانا تبرئة لنفوسنا عن هذا الواقع غير المنطقي بكل المقاييس وليتحمل كل فرد منا مسؤوليته التي يفرضها عليه واقع هذا البلد بكل تعقيداته وارتياطاته الاقليمية والدولية .