|
انا مفقود رسميا في قبرص
النجف
الاشــــــــــــــــرف : كنتَ طبيبا للاسنان لفترة معينة من الزمن ثم
تخليت عن هذه المهنة مهاجرا نحو الانسانية وحقوقها.. كيف كانت تلك الرحلة؟
وما هي اسبابها؟
الدكتور صــــــاحب الحكيم : رحلتي الى الخارج الثانية (وكانت الآولى
للأختصاص من كلية الجراحين الملكية في لندن) وكانت بتوفيق الله تعالى بعد
ان حصلت على معلومات مؤكدة ان النظام سوف يعتقل جميع الرجال من آل الحكيم
(وكنت قبلها قد اعتقلت بتهمة إخفاء الشهيد السيد مهدي الحكيم في بيتي
بالكوفة) وكنت محظوظا جدا ان صادف انعقاد مؤتمر للأطباء في قبرص وكنت احد
المرشحين للحضورمع زوجتي الدكتورة بيان الآعرجي وكانت السلطات الامنية
مطمئنة تمام الإطمئنان لعودتنا مرة ثانية الى القفص البعثي باعتبار ان جميع
الأطباء المؤتمرين قد سافروا بجواز واحد وهو عبارة عن ورقة رسمية واحدة
وضعت فيها اسماء وصور الاطباء خاصة بتلك السفرة العلمية الطبية ولا يعلم
الأغبياء من جلاوزة الامن الصدامي انني اخفيت جواز سفري الخاص بي وبزوجتي
واطفالي تحت غلاف حقيبتي ، وحال وصولي الى قبرص هربت فورا بدون حضور
المؤتمر مع زوجتى الى بريطانيا و كان ذلك عام 1982 ليبدأ فصل جديد من حياتي
تنفست فيه عبير الحرية الذي لا يعرف رائحته الا من ذاق عذاب وروائح المعتقل
وفور وصولي الى بريطانيا تشرفت مع الشهيد السيد مهدي الحكيم واخوة اعزاء في
تأليف منظمة حقوق الإنسان في العراق ليدخل مفهوم ( حقوق الإنسان) في
الأدبيات العراقية السياسية في هذا البلد المنكوب.
النجف الاشرف : محاكمة صدام كانت في فترة من الفترات عندما يتكلم عنها
البعض يتهم بانه انسان حالم وامنياته ضرب من الخيال وحراثة بالبحر.. لكن
صاحب الحكيم كان لا يصغي لتلك الاصوات حتى جاءت اللحظة الحاسمة ووقف
الطاغية خلف القضبان ، كيف يصف الحكيم شعوره وهو يرى السجان في الزنزانة
ومن ثم يعدم؟
الدكتور صاحب الحكيم: كنا نحاول ان ندفع أصحاب القرار والمنظمات الدولية
لتفكر في محاكمة صدام باعتباره مجرم حرب ومجرما ضد الإنسانية في المنفى اي
بدون حضوره ونحاول بطرق عدة كإبراز الوثائق العديدة التي تثبت صحة إدعاآتنا
وبالإضافة الى الحضور الفاعل في المؤتمرات الدولية في الأمم المتحدة في
جنيف ونيويورك او المهرجانات العالمية الإنسانية في الصين وجنوب أفريقيا
وأمريكا الجنوبية وغيرها ولكن كان العمل شاقا وأكثر الأحيان مجهدا وربما
يصل لحد اليأس بسبب وقوف جميع الدول الغربية في ذلك الوقت مع نظام صدام
المجرم.. ولكن الله من علينا باحتلال صدام للكويت وشكرا لتلك البادرة التي
فتحت الباب على مصراعيها حيث عرف العالم وقتها درجة وحشية هذا النظام وخبثه
وكذبه الذي كان يدعي الدفاع عن العرب واذا به يضطهد شعبا عربيا آخر
بالإضافة الى الشعب العراقي فضلا عن احتلال ايران.. ولم يكن تقديم صدام
للمحاكمة حلما بقدر ما كان قدرا يجب تحققه على المطلعين حقيقة على جرائمه..
واتذكر كيف بكيت بحرقة خلال المقابلة على الهواء مباشرة في التلفزيون
البريطاني عندما كنت اعرف بها المجرمين الذين كانوا يدخلون القفص واحدا بعد
الآخر ، للمشاهد والرأي العام البريطاني ، وكان المخرج أمامي (خلف العدسة
كما تعرفون ) يوصيني بإشارات من يديه ان اصبر واكتم عواطفي و اظهر بموقف
متزن ، ولكن ذلك من الصعب تحقيقه.. وربما تشاركوني الرأي اننا كنا ولا نزال
نتمنى ان لا تكون هذه المحاكمة بهذا الأداء المتردي.. وقد كتبت وقتها انني
من الشامتين بصدام وأفراد عائلته ونراه اليوم وهو يمسك القرآن الذي لم
يشاهده احد ماسكا للكتاب الكريم طيلة أيام حياته.
ربع قرن من حقوق الانسان في
العراق
النجف الاشرف: لقد جمع الاستاذ صاحب الحكيم عشرات الآلاف من التواقيع وجمع
اكثر من هذا الرقم من الصور التوثيقية والادلة التي تدين وبشكل لا يقبل
الشك الطاغية ، لماذا نرى صاحب الحكيم بعد تحقق الحلم يقف اعلى التل
للمراقبة فقط لماذا لم يدفع بكل اوراقه وتواقيعه لتكون شاهد اثبات في
محاكمة العصر؟
الدكتور صاحب الحكيم: لقد جمعت اكثر من مليون توقيع في أطول عريضة في
التاريخ صنعتها من ( أطوال عديدة من القماش الأصفر وهو شعار الإعتصام
المستمر) والذي اسميته بأنه أطول إعتصام في تاريخ العراق والعرب بل
والإسلام إذ استمر لمدة 333 أسبوعا وقف خلالها المعتصمون والمعتصمات طول
هذه المدة الطويلة في البرد والثلج والزوابع .. وأقول : انا لست على التل
بعد 25 عاما متواصلة من العمل ضد النظام الصدامي البعثي المجرم.. اما عن
الشق الاخر من السؤال، لماذا لم يدفع بكل اوراقه وتواقيعه لتكون شاهد اثبات
في محاكمة العصر؟ اقول: ان المحكمة العليا المختصة بجرائم صدام واعوانه قد
اعتمدت كتاب ( تقرير عن اغتصاب وقتل وتعذيب اكثر من 4000 امراة في بلد
المقابر الجماعية العراق) كوثيقة رسمية تعتمد عليها المحكمة المذكورة.
النجف الاشرف: هل للاستاذ الحكيم مؤلفات ؟ ماهي ؟ المطبوع منها او المخطوط،
وهل من مشاريع مستقبلية في هذا المجال؟
الدكتور صاحب الحكيم: قد الفت اول واكبر كتاب في تاريخ العراق عن المرأة
العراقية وهو تقرير عن إغتصاب وقتل وتعذيب أكثر من (4000 ) إمرأة في بلد
المقابر الجماعية وكما الفت اكبر ( موسوعة عن قتل مراجع الدين وعلماء وطلاب
الحوزة الدينية في بلد المقابر الجماعية : (العراق) ، كما اني عازم على
توثيق الشهداء و المعذبين في العراق والكتابان اعلاه ليسا الوحيدين الذين
اصدرتهما فقد صدر لي ( التقرير الدولي لحقوق الانسان في العراق) و(عذاب بلا
نهاية) عن إنتفاضة آذار الجبارة عام 1991 و(الاطفال ضحايا ابرياء للقمع
السياسي) و( قتل الإنسان في الأهوار) وهناك اصدارات اخرى كثيرة تجدوها في
موقعي الناشيء وانا الان اعد مشروعا لتوثيق الشهداء في العراق و ادعي انني
املك اكثر من 8000 وثيقة و صورة وامر اعدام من قبل النظام المجرم ، وتقارير
منظمات دولية عديدة بلغات مختلفة واني في سبيل ترتيب هذه الذخائر قبل ان
يطويها النسيان فإني احس ان لهؤلاء الضحايا العراقيين من الرجال والنساء
الحق علينا وواجبنا تخليدهم وتبيان مظالمهم بعد ان عم الارهاب في العراق
ولم يعد حديث الشارع الا انقطاع الكهرباء والامن المتردي وصعوبة العيش
وازدياد البطالة.
الأنتهاكات مستمرة
النجف الاشرف: كان الاستاذ الحكيم في يوم ما يحارب عنوانا واحدا ويدعوا
لمحاكمة طاغية عرف شره ومكره، اما الان فحقوق الانسان تنتهك يوميا في
العراق وعلى مدى السنين الثلاثة التي اعقبت سقوط الطاغية وليومنا هذا وبصور
شتى من ذبح وقتل وخطف وعبوات ناسفة وسيارات مفخخة..الخ، كيف يقيم الاستاذ
صاحب الحكيم حقوق الانسان في العراق؟ وهل كتب على هذا الشعب ان يكون مستباح
الدم؟
الدكتور صاحب الحكيم: بالرغم من التطور الهائل في مختلف مجالات حقول حقوق
الإنسان في العراق و التنعم بحرية الكلام والصحافة و الإعلام ، الا ان
العراق أضحى اخطر منطقة في الخريطة الدولية..!! لكن لماذا يقتل الأطفال
والنساء والمدنيون يوميا وبشكل جنوني ، هل يستحق الشعب العراقي ان تصفه
احدى المنظمات الدولية بأنه (ان الشعب العراقي اكثر اشد بلدان العالم
وحشية) ، في السابق كان العاملون في المنظمات الدولية والانسانية يقولون
لنا كنتم تتحدثون عن جرائم صدام ونظامه المجرم ما بالكم الآن لماذا يُذبح
الناس في الاسواق ويُخطف الأبرياء واذا كان لبعض العرب والاجانب أياد في
ذلك وهذا صحيح فمن يأويهم وكيف تيسر لهم وسائل الاختفاء..؟ الأطفال
الأبرياء وعمال البناء الذين لا يملكون قوت يومهم وتنتظرهم زوجاتهم
واطفالهم واذا بهم جثث مقطوعة الرؤوس ، وايدي هناك وارجل هنا ؟ لماذا لا
تفكر الحكومة (المحمية) بهؤلاء الضحايا، وآلاف الايتام والارامل اتعلمون ان
العراق يحوي اكثر البلدان في العالم أرامل وايتام ليس لهم معيل ماذا وكيف
يأكلون ؟ نعم .. لقد كتب على هذا الشعب ان يكون مستباح الدم وان يموت
بالإضافة الى ذلك جائعا هو وأطفاله ونساؤه ..!!
موسوعة العلماء
النجف الاشـــــرف: ما هي امنيات الاستاذ صاحب الحكيم ؟ وهل سيـأتي اليوم
الذي يتوقف الحكيم عن امنياته وتتحقق جميع احلامه ؟
الدكتور صـــــــــــــــــــاحب الحكيم: أتمنى اشياء كثيرة والتمني رأس
مال المفلس.. وأول ما اتمناه وانا الآن في انتظاره بشوق حار وأعد الأيام
لتحقيقه هو طبع كتابي السابع الموسوم (موسوعة عن قتل مراجع الدين وعلماء
وطلاب الحوزة الدينية في بلد المقابر الجماعية العراق) والذي يقع في 3850
صفحة من القطع الكبير حجم هذه المجلة المباركة الذي صرفت من اجل انجازه 20
عاما وآلاف الدولارات لصف حروفه وإنجاز صور ضحاياه وضم بعض وثائقة ، وهذا
الكتاب يخلد جهاد مراجع وعلماء الدين في العراق ويذكر حياتهم وتضحياتهم
ومواقفهم وادعي انه ليس له مثيل في تاريخ التشيع والعراق.
كما اتمنى ان أخلد بقية الشهداء الذين أحتفظ بالاف الصور عنهم وكثير من
حياتهم وكذلك المعذبين والمعتقلين ، هؤلاء الذين لهم حق علينا ان نخلدهم
ونذكرهم ونعلم الأجيال بمآثرهم كما أتمنى ان أقيم متحفا لما تحتوي عليه
منظمة حقوق الإنسان في العراق من آلاف الصور والمستندات وأوامر بالاعتقال
وشهادات وفاة بالاعدام وتقارير المنظمات الدولية التي تتحدث عن جرائم
النظام الصدامي المجرم كما اتمنى ان يعود لي بيتي الذي صادره النظام
الصدامي المجرم في النجف الأشرف (وبعد ان يئست من عيادتي وعيادة زوجتي
الدكتورة بيان الاعرجي ومكتبتي المنهوبة) لأعود بقرب بطل الإسلام الخالد
كما اتمنى ان أرى توقف الذبح والقتل في العراق بل وتوقف جميع انتهاكات حقوق
الانسان ( في بلد الأئمة الهادين) .
|