رجال من صفحات التاريخ

 

 

 

المجدد

           الشيرازي 

 

 

 

إعداد : الشيخ أمجد الجنابي

 نســـــــبه وولادتـــه
السيّد محمّد حسن الشيرازي المعروف بالشيرازي الكبير يرجع نسبه الى زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ع)
ولد السيّد الشيرازي في 15 جمادي الاولى سنة 1230 هجرية بمدينة شيراز في إيران .

دراســـــــــــته

تربّى في حجر خاله المفضال السيد الجليل الميرزا حسين الموسوي طاب ثراه.
وعندما بلغ عمره أربع سنوات وبسبب حدّة ذكائه أرسله خاله إلى معلّم خاص لتعلّم القراءة والكتابة ، وخلال عامين وأربعة أشهر فرغ من تعلّم الكتابة وقراءة القرآن الكريم واللغة الفارسية وشرع في مطالعة الكتب العربية وأكمل مرحلة المقدّمات ، وعمره لا يزال ثماني سنوات ، وعندما بلغ عمره اثني عشر عاماً بدأ يحضر دروس الشيخ محمّد تقي في الفقه والأصول وذلك في مدينة شيراز . وفي عام 1248 هـ سافر إلى مدينة إصفهان ، ودخل مدرسة الصدر للعلوم الدينية ، وشرع في دراسة العلوم العقلية والنقلية , وبقي هناك حدود عشر سنوات ، درس عند أساتذتها المعروفين آنذاك فلازم العالم الجليل الفقيه الزاهد الورع المولى محمد علي المحلاتي ثمّ سافر الى مدينة كربلاء المقدّسة عام ( 1259 هـ ) لمواصلة دراسته الحوزوية هناك ، و بعد ذلك بفترة قصيرة توجّه إلى مدينة النجف الأشرف واستقر فيها ، فنال درجة الاجتهاد .

أســـــــــــــــاتذته

تتلمذ عند العديد من العلماء الأعلام نذكر منهم 1 ) السيد حسن المدرس
2) المحقق الكلباسي
3) الشيخ مرتضى الأنصاري .
4) الشيخ محمّد حسن النجفي ، المعروف بالشيخ الجواهري .
5) السيّد محمّد باقر الشفتي .

مـرجعيتــــــــــــه

في سنة 1281 هجرية توفي استاذه الشيخ مرتضى الانصاري رحمة الله عليه فتوجّهت أنظار المقلّدين إلى طلاّبه , وبعد أن اجتمعت مجموعة من طلاّب الشيخ الأنصاري وكان من ضمنهم السيّد الشيرازي ، فأشار جميع الحاضرين في الجلسة بضرورة تصدِّيه , وبعد تأكيد وإصرار الحاضرين عليه وافق على التصدّي لهذه المسؤولية المقدّسة فتسنم منصب الزعامة الدينية للشيعة وتصدّى للمرجعية العليا مدة ثلاثين عاماً

تلامذتــــــــــــــه

نذكر منهم ما يلي :
1ـ السيّد إبراهيم الدامغاني .
2ـ السيّد اسماعيل الصدر .
3ـ الشيخ حسين النوري الطبرسي .
4ـ الشهيد الشيخ فضل الله النوري .
5ـ الشيخ محمّد كاظم الخراساني ، المعروف بالآخوند .
6ـ السيّد محمّد كاظم الطباطبائي اليزدي .
7ـ الشيخ محمّد تقي الشيرازي .
8ـ السيّد محمّد الفشاركي .
9ـ الشيخ محمّد حسين النائيني .

صفاته وأخلاقه

1ـ ذكاؤه : كان السيّد يتمتّع بذاكرة قوية وعجيبة، وينقل عنه أنّه كان يحفظ أكثر القرآن الكريم ، وأدعية الأيّام ، وزيارات المشاهد المقدّسة ، ولم ينقل عنه أنّه عندما كان يذهب للزيارة يصطحب معه كتاباً أو أي شيء آخر من كتب الزيارة .
2ـ هيبته ووقاره : يقول أحد أصدقائه : قضيت مع السيّد مدّة طويلة نتباحث سوية في الدروس , إلاّ أنّه لم تكن لدي الجرأة الكافية على النظر إلى وجهه , وعندما كنت أريد الدخول عليه كنت أحس بأنّ قلبي يأخذ بالاضطراب , بالرغم من أنّه كان بشوشاً وسمحاً ولطيفاً .
3) نقل حفيدهُ العلامة المحقق المفضال السيد رضي الشيرازي (نزيل طهران) حكايات تُنبيء عن حكمته وتبصّره وحرصه على صون روح الوئام بين المسلمين. قال: عندما شرع السيد الميرزا الشيرازي ببناء مدرسته الدينية العلمية الكبرى في مدينة سامراء وهي من جملة المنشآت التي اقامها في هذه المدينة خلال سنوات اقامته فيها، تشجّع المسلمون السُنّة بدورهم لبناء مدرسة دينية لعلمائهم، ولكنهم لم يتمكنوا من إتمام بناءها نظراً لانهم كانوا يفتقدون المال اللازم لها ولم يكن أمامهم من حيلة سوى الرجوع الى السيد الشيرزاي لطلب مساعدة مالية منه، وعندما ألتمسوا منه مثل هذه المساعدة قام على الفور بتلبية طلبهم وزوّدُهم بمنحةٍٍ مالية سخيّة، وكانت هذه اللفتة الكريمة منه عاملاً من عوامل الانسجام والوئام بين سكان الدينة.
4) حصل أن تشاجر رجل مسلم سنّي مع رجل دين شيعي في سامراء واشتدّ النزاع بينهما فتدخل آخرون في الصراع ممّا ادى الى تفاقم الموقف ووصل الأمر الى أن بعض الجُهّال قاموا برشق بيت السيد الشيرازي بالحجارة والأساءة اليه فشاع الخبر في انحاء البلاد وكاد أن يتطور الموقف الى نزاع مسلح وفتنة طائفية عويصة لولا حكمة وتبصّر السيد الشيرازي وقيامه بتطويق الازمة وتهدئة الحالة بنفسية الزعيم المسالم والمُصلح الرؤوف الذي يضعُ مصلحة الامة والدين فوق كل اعتبار، وأرادت جهاتٌ اجنبية طامعة أن تستغل الموقف لصالحها، ومن هنا قام القنصلان البريطاني والروسي في بغداد بالسفر الى سامراء لاعلان تأييد حكومتيهما للسيد الشيرازي لكسب ودّه ولتحقيق غاياتهما في النكاية بالحكومة العثمانية، وعندما وصل القنصلان الى سامراء رفض الشيرازي استقبالهما والاجتماع بهما وأبلغهما بالواسطة أن ليس هناك ما يدعو للقلق لقد حصل شيء ما بين ابنائنا ونحن قادرون على تجاوزه بالحسنى ولسنا بحاجة لمساعدة أحد.
ومن جانب آخر أعلن رؤساء العشائر العربية القاطنة في منطقة الفرات الاوسط وهي تدين بالمذهب الشيعي تأييدهم للسيد الشيرازي وأبلغوه أن ثمانين ألف رجل مسلم بالسيوف المشهرة مُستعدون لخوض المعركة الى جانبه وأنهم رهن إشارته فردّ عليهم السيد بالقول ليست هناك حاجة لذلك فنحن كفيلون بحلّ ما وقع بين ابناءنا وتجاوزه بالسلم والمصالحة، وبهذه الصورة استطاع السيد الشيرازي أن يُهدّأ الموقف ويحولَ دون تأزمّه وأن يسدَّ الطريقَ على المُتربصين الدوائر ضدّ المسلمين ومصالحهم العليا، وعندما علم والي بغداد العثماني بهذا الموقف النبيل للسيد الشيرازي سافر الى سامراء ومعه كتاب شكر من السلطان العثماني، وحالما وصل الى سامراء استقبله السيد الشيرازي بوصفه فرداً مسلماً حيث أعرب له الوالي عن آيات شكر حكومته وعن تقديره له على مساعيه الحميدة في تجنب البلاد الاسلامية من الوقوع في فتنة طائفية لاتحمد عقباها وكادت أن تكون كارثة على الحكومة العثمانية، خاصة وانها كانت في صراع خفي ومعلن مع الحكومة البريطانية آنذاك، وكانت الحكومتان تستغلاّن المواقف والأحداث والوقائع في دول الشرق الاوسط ضدّ بعضهما بعضا.


تحريم التبغ
في زمن حكم الدولة القاجارية في إيران تمَّ التوقيع على عقد بين ناصر الدين الشاه القاجاري وبين بريطانيا ، وذلك عام ( 1306 هـ ) , وبموجب هذا العقد فإنّه يحق للإنجليز التصرّف بالتبغ ( التتن ) في داخل إيران وخارجها ، وعلى أثر هذا الامتياز وصل إلى إيران أكثر من مِائتي ألف أجنبي ، قاموا باستغلال الناس واستضعافهم، وإشاعة المفاسد الاجتماعية والأخلاقية .
وقد أرسل السيّد الشيرازي برقية من مدينة سامراء المقدّسة إلى الشاه القاجاري حول هذا الموضوع ، نقتطف منها ما يلي : ( إنَّ تدخّل الأجانب في الأمور الداخلية للبلاد ، واختلاطهم بالمسلمين ، وإشاعة الفساد تحت ستار امتياز التنباكو , يعتبر منافياً لصريح القرآن الكريم ، والقوانين الإلهية , وبالتالي يؤدّي إلى ضعف الدولة ، وعدم تمكُّنها من المحافظة على سيادتها واستقلالها , وهذا ممّا يزيد قلق المواطنين وقلقنا على مستقبل المسلمين ) .
أمّا موقف الحكومة القاجارية ضد هذه الفتوى فقد كان عنيفاً , لذلك بدأت بوادر النهوض والتحرّك عند الناس بقيادة العلماء ضد الحكومة ، وبعد مراسلات ومحاورات جرت بين السيّد الشيرازي والحكومة , لم يتوصّل الطرفان إلى نتيجة ، بسبب تصلّب مواقف السلطان القاجاري العميل للإنجليز ، ممّا اضطر السيّد الشيرازي إلى إصدار فتواه المشهورة:(بسم الله الرحمن الرحيم ، اليوم استعمال التنباكو والتتن بأي نحو كان ، يعتبر محاربة للإمام صاحب العصر والزمان صلوات الله وسلامه عليه). ولم تؤثر الفتوى هذه على الشعب الإيراني فقط، بل سرى أثرها حتى الى بلاط الشاه، فعندما شاع خبر الفتوى بين الناس ترك جميع افراد الشعب الايراني التدخين وكُسرت كُل نارجيلة وكُل آلة تستعمل للتدخين حتى ان نساء وخادمات القصر الملكي في طهران كسرن كل نارجيلة وجدت في زوايا القصر ثمّ أعقبها بالفتوى الأخرى ، وهي: (إذا لم يُلغَ امتياز التنباكو بشكل كامل سأعلن الجهاد العام خلال ثمان وأربعين ساعة) ، وعلى أثر ذلك حدثت اضطرابات وتظاهرات في أماكن متعدّدة , تطالب بإلغاء امتيازه بصورة كاملة ، وأخيراً اضطرَّت الدولة وتحت ضغط الجماهير بقيادة العلماء إلى الإعلان عن إلغاء الامتياز)

انقاذ ملايين الشيعة في افغانستان

في عام 1880 للميلاد بعد أن وجدت بريطانيا نفسها مجبرة على الانسحاب من أفغانستان عمدت إلى تنصيب عميل لها على البلاد، يكون مطيعاً لها ومنفّذاً لأوامرها ورغباتها وأهدافها.
وكان الخيار البريطاني المناسب هو (عبد الرحمن خان) الذي كان معروفاً بقساوة القلب وعديم العاطفة والرحمة، وكان يحتقر شعبه شديد العداء والكراهية للعلماء، وأول عمل قام به تخريب المدارس والمساجد والمراكز العلمية والثقافية وزج العلماء والمثقفين والمفكرين والفنانين وأصحاب المهارات والمهن في السجون. وقد سعى (عبد الرحمن) للحصول على مبرر ديني وشرعي للقضاء نهائياً على المسلمين الشيعة في هزارستان وقد طلب (عبد الرحمن) من علماء البلاط إصدار فتوى تكفير المسلمين الشيعة، باعتبارهم متمردين وقد استجابوا لطلبه وأصدروا فتوى تكفير المسلمين الشيعة!! ويقال بأن عبد الرحمن كان قد حصل على فتوى تكفير المسلمين من علماء نجد والحجاز وإن (علماء) الأفغان استندوا على ذلك وأرسل (125) ألفاً من قواته النظامية الى هزارستان وشن هجوما واسعا ضد الشيعة في ربيع عام (1892م) فبدا بقتل الشيعة وتعذيبهم وحرق القرى وهدم المساجد وحرق المزارع والأشجار وإبادة المواشي فاخبر الشيخ الآخوند ملا كاظم الهروي صاحب كتاب (كفاية الأصول) المجدد ميرزا حسن الشيرازي عن الأوضاع المأساوية للشيعة في افغانستان فبعث رسالة شديدة اللهجة الى (ناصر الدين شاه) ملك ايران، وأمره أن يطلب من بريطانيا الايعاز الى عبد الرحمن بوقف مجازر المسلمين الشيعة، وهدد سماحته في حال استمرار المجازر فانه سيتخذ قرارات حاسمة. وابلغ (ناصر الدين شاه) رسالة الإمام الشيرازي الى الانجليز الذين طلبوا من عميلهم عبد الرحمن وقف المجازر فورا. وبناء على أوامر الانجليز أوقف (عبد الرحمن) مسلسل ابادة المسلمين الشيعة وأمر بانسحاب قوات الجيش من هزارستان.

خدماته الاجتماعية

أوّلاً : جعل مدينة سامراء المقدّسة مدينة آمنة ، بعد أن كان أغلب سُكَّان المدينة وضواحيها ـ قبل مجيء السيّد الشيرازي ـ يعيشون على السلب والنهب والفساد , بحيث أنّ الزوّار الوافدين لزيارة العتبات المقدّسة لم يكونوا يشعرون بالأمن والاستقرار .
ثانياً : بنى مدرسة لطلبة العلوم الدينية في مدينة سامراء المقدّسة ، وعُرفت فيما بعد بـ( مدرسة الشيرازي ) , وتعتبر من أكبر المدارس العلمية الشيعية في العراق ، وظلّت تلك المدرسة قائمة تحكي قصّة العصر الذهبي للفكر الشيعي , إلى أن جاء نظام صدام وقام بتخريب تلك المدرسة , تعبيراً عن حقده الدفين للإسلام وعلمائه .
ثالثاً : بنى جسراً في مدينة سامراء المقدّسة ، وذلك لتسهيل وفود الزائرين والمسافرين إليها , بعدما كان الناس يستخدمون الزوارق للعبور إلى المدينة .
رابعاً : أمر بإعادة ترميم بناء المرقدين الشريفين للإمامين الهادي والعسكريH , وبنى إلى جانبهما حسينية وسوقاً كبيراً ، مع حمَّامين لخدمة الزوار القادمين إلى المدينة .

وفاته

توفّي السيّد الشيرازي ( قدس سره ) في الرابع والعشرين من شعبان 1312 هـ بمدينة سامراء ، ودفن بجوار مرقد امير المؤمنين ( عليه السلام ) في النجف الأشرف .