ثقافة فقهية

الشيخ محمد رضا دكسن

 

 يمكننا تقسيم الشعائر الحسينية الشريفة الى قسمين :
القسم الاول : ما ورد فيها نص ثابت وصريح عن اهل بيت العصمة صلوات الله عليهم، والقسم الثاني : هي الشعائر المبتكره التي التي لم يرد فيها نص، أما القسم الأول ففيه عدّة محاور وهي على النحو التالي:
اولاً : البكاء
من الشعائر الحسينية البكاء على الحسين
(ع) وما فيه من الدلالات التي سأذكرها من خلال التعرض لهذه النقطة فهو امر بنفسه مطلوب فلو جلس الانسان وحده دون ان يعقد مجلساً او يجلس مع عائلته كما كان يفعل ذلك اكابر علمائنا ايماناً منهم ان يُسَجَلوا في قائمة العلماء الحسينين الذين اذا ما ذكر الحسين (ع) دمعت اعينهم وشعوراً منهم بانه عمل صالح يتقرب فيه الى الله تعالى شأنه كبقية العبادات وقد وردت في هذه الشعيرة العبرة عن الحزن والاسى والتظلم المعقول احاديث كثيرة عن أئمة اهل البيت (ع) والتي تعبر عن التفاعل العاطفي والروحي مع مأساة الحسين (ع).
وبحسب التتبع انه لزين العابدين
(ع) تأكيدات مستمرة فقد روى ابن قولويه في (كامل الزيارات) جـ2 ص213 ان مولىً للامام علي بن الحسين (ع) اشرف عليه وهو في سقيفة له ساجد يبكي فقال له : (يا علي بن الحسين اما آن لحزنك ان ينقضي ؟ فرفع رأسه اليه وقال : (ويلك - او ثكلتك امك - والله - لقد شكا يعقوب الى ربه في اقل ما رأيت حين قال (يا اسفا على يوسف) - سورة يوسف : 84 - وانه فقد ابناً واحداً، واني رأيت ابي وجماعة اهل بيتي يذبحون حولي).
اذن نستكشف من الرواية إن زين العابدين
(ع) لم يترك هذه الشعيرة حيث كان يبكي وهو ساجد بل كان يخلط طعامه بدموعه.
وروي ايضاً عن الامام ابي عبد الله الصادق
(ع) انه قال : (بكى علي بن الحسين على الحسين بن علي "صلوات الله عليهم اجمعين" عشرين سنة - او اربعين سنة - وما وضع بين يديه طعام الا بكى على الحسين (ع).
ومن هذه الروايات :
عن الامام الصادق
(ع) انه قال لفضيل : (تجلسون وتحدثون ؟ قال : نعم جعلت فداك قال ان تلك المجالس احبها فأحيوا ذكرنا يا فضيل انه من ذكرنا او ذكرنا عنده فخرج من عينه مثل جناح الذباب غفر الله له ذنوبه ولو كانت اكثر من زبد البحر).
وعن ابي هرون المكفوف قال : (دخلت على ابي عبد الله فقال لي انشدني فأنشدته فقال : لا كما تنشدون وكما ترثيه عند قبره فانشدته :
امرر على جدَثِ الحسين
وقل لاعظمه الزكيـــــــــــه
قال فلما بكى امسكت انا فقال فمررت ؟
قال : ثم قال زدني
قال فانشدته:
يـــــــــــا مريم نوحي على مولاك
وعلى الحسين فاسعدي ببكاك
حتى قال له مولى له: جعلت فداك يا ابن رسول الله، اني اخاف عليك ان تكون من الهالكين ! فقرأ : (انما اشكو بثي وحزني الى الله واعلم من الله ما لا تعلمون) - سورة يوسف : 86.
اني لم اذكر مصرع بني فاطمة الا خنقتني لذلك العبره - كامل الزيارات جـ1 ص213.
اذن لا اعتقد ان رجلاً كزين العابدين
(ع) لا يستطيع ان يضبط احاسيسه وشعوره طيلة هذه الفترة لدرجة انه يبكي صباحاً ومساءً في حال سجوده او غيره.
بقدر من كان يمارس هذه الشعيرة لدلالتها عن جملة كبيرة من المعاني العميقة التي تعبر عن رفض الظلم واشعار المستكبرين بالاستنكار والوقوف بوجه مخططاتهم من خلال هذه الدمعة.
والروايات دلّت على ان هناك ثواباً كبيراً يترتب على هذا النوع من البكاء لدرجة صار محبوباً ومرغوباً.
قال : فبكى وتهايج النساء، فلما ان سكتن قال لي : يا ابا هارون من انشد في الحسين فابكى عشرة فله الجنة، ثم جعل ينتقص واحداً واحداً حتى بلغ الواحد فقال : من انشد في الحسين فأبكى واحداً فله الجنة، ثم قال من ذكره فبكى فله الجنة - بحار الانوار 44 : 278 جـ25.
ايها القارئ الكريم لا زلت في الشعيرة الاولى من القسم الاول كما ذكرت وعليه لابد ان نفهم لماذا نبكي : او لماذا البكاء ؟
البكاء كممارسة تترتب عليه آثار كبيرة وابعاد:
1- البعد السياسي .. فهو طريقة مثلى انسانية واجتماعية سليمة وهادئة لاستنكار الظلم والجور ومصادرة الحقوق. وكما رأينا ذلك في الحقبة المظلمة الماضية حيث كان اتباع اهل البيت
(ع) اقل ما يريدون التعبير من خلاله فهو الدمعة.
2- ان البكاء يجسد تفاعلاً ذاتياً اخلاقياً مع مأساة كربلاء.
3- ان البكاء يمثل منهجاً في تزكية النفس وتطهيرها من الأدران ويرفع درجة الاحساس في الانسان بآلام الانسانية والانحرافات الاجتماعية والوعي لقضايا الظلم والعدل.

ثانياً : الزيارة
اكدت الروايات ان زيارة الحسين
(ع) في حد ذاتها امر مرغوب ولو من بعيد ولعل اول زيارة قام بها هو زين العابدين (ع) على ما ذكر في جملة كبيرة من الروايات.
ونصت بعض الروايات على انها فريضة على من يؤمن بامامته من شيعة اهل البيت
(ع) كما اشارت الى الثواب والاجر العظيم وذكر في جملة من الروايات افضلية الزيارة على العمرة والحج المندوبين.
كما جاء عن ابي عبد الله
(ع) (ولو ان احدكم حج دهره ثم لم يزر الحسين بن علي (ع) لكان تاركاً حقاً من حقوق رسول الله (ع) لأن حق الحسين (ع) فريضة من الله واجبة على كل مسلم) - كامل الزيارات 238.
وهناك زيارات كثيرة ذكرت ما من شأنها شد الانسان المسلم الى قضية الحسين
(ع)فتقوي الجانب الوجداني وذلك بالتركيز على المأساة وما جرى في كربلاء كزيارة عاشوراء المشهورة .
وروي بطريق معتبر عن عبد الله بن سنان قال: ( دخلت على سيدي ابي عبد الله جعفر بن محمد
(ع) في يوم عاشوراء فألقيته كاسف اللون ظاهر الحزن ودموعه تنحدر من عينيه كاللؤلؤ المتساقط فقلت : يابن رسول الله مم بكاؤك لا ابكى الله عينيك؟ فقال لي : اوفي غفلة انت؟ اما علمت ان الحسين بن علي (ع) اصيب في مثل هذا اليوم؟ قلت : ياسيدي فما قولك في صومه؟ فقال : صمه من غير تبييت وافطره من غير تشميت , ولاتجعله يوم صوم كهلا وليكن افطارك بعد صلاة العصر بساعة عن شربة من ماء فأنه في مثل ذلك الوقت من ذلك اليوم تجلت الاحياء عن ال رسول الله (ص) وانكشفت الملحمة عنهم وفي الارض منهم ثلاثون صريعا في مواليهم يعز على رسول (ص) مصرعهم ولو كان في الدنيا يومئذ حيا لكان صلوات الله عليه واله هو المعزى عليهم . ياعبد الله بن سنان ان افضل ماتأتي به في هذا اليوم ان تعمد الى ثياب طاهرة فتلبسها وتتسلب قال : وما التسلب ؟ قال : تحلل اوزارك وتكشف عن ذراعيك كهيئة اصحاب المصايب ثم تخرج الى ارض مقفرة او مكان لايراك به احد او تعمد الى منزل لك خال او في خلوه منذ حين يرتفع النهار فتصلي اربع ركعات تحسن ركوعها وسجودها وتسلم بين كل ركعتين تقرأ في الاولى الحمد وقل يا ايها الكافرون وتقرأ في الثانيه الحمد وسورة (اذا جاء المنافقون ) او ماتيسر من القرأن ثم تسلم وتحول وجهك نحو قبر الحسين (ع) ومضجعه فتمثل لنفسك مصرعه ومن كان معه من ولده واهله وتسلم وتصلي عليه وتلعن قاتليه فتبرأ من افعالهم يرفع الله عز وجل لك بذلك في الجنه الدرجات ويحط عنك من السيئات الى اخر الخبر . والذي اريده هنا ان اقف عند اسرار هذه الشعيره والتي تقرأ فيها - اشهد انك قد اقمت الصلاة واتيت الزكاة وامرت بالمعروف ونهيت عن المنكروتقول فيما تقول السلام عليك ياوارث ادم صفوت الله السلام عليك ياوارث نوح نبي الله وهكذا جملة من الابعاد الاساسيه التي نجذرها ونؤكدها في نفوس اتباع اهل البيت (ع) عندما نقول :- لبيك داعي الله ان كان لم يجبك بدني عند استغاثتك ولساني عند استنصارك فقد اجابك قلبي وسمعي وبصري سبحان ربنا ان كان وعد ربنا لمفعولا . وان موقف الحسين (ع) ورفضه للظلم يشدنا الى تلك الاقوال والكلمات التي تتضمن الرفض للمنكر والوقوف بوجه الجائرين. (يايها الناس ان رسول الله (ص) قال : من رأى سلطاناً جائرا مستحلا لحرام الله ناكثا لعهده مخالفا لسنة رسول الله (ص) يعمل في عباد الله بالاثم والعدوان فلم يغير عليه بقول ولافعل فكان حقا على الله ان يدخله مدخله إلا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتولوا عن طاعة الرحمن واظهروا الفساد وعطلوا الحدود واستأثروا بالفيء واحلوا حرام الله وحرموا حلاله واني احق بهذا الامر ولاهمية هذه الشعيره وما يترتب عليها من الاثر العظيم في بناء المجتمع الايماني المجاهد . اذكر هذه الروايه لكم :- عن ابي جعفر الباقر (ع) قال (ع):- مروا شيعتنا بزيارة الحسين بن علي (ع) فأن زيارته ترفع الهدم والغرق والحرق واكل السبع , وزيارته مفترضه على من اقر للحسين (ع) بالامامه من الله عز وجل ) . وقد ذكرنا في هذا المعنى روايات لها علاقة بالمقام ولعلها من مصاديق الايه الشريفه ( قل لااسألكم عليه اجرا الا المودة في القربى ) .

ثالثا . المجلس الحسينـي..
من الشعائر التي ورد فيها نصوص عن اهل بيت العصمة هي المجالس الحسينيه التي تنم عن الاجتماعات الدورية والمرتبه وشبهها سواء كان ايام المصيبه ام في الايام الاخرى ليكون فيها تسليط الضوء على عظم الجرم الذي اقترفه الامويون والتأكيد على الجوانب الاجتماعيه والاخلاقيه والسياسيه وغيرها من حياة الامام سلام الله عليه لتكون مدرسة للاجيال .
قام اهل البيت
(ع) وبعض زوجات النبي الاكرم كأم سلمه مجالس العزاء في المدينه المنورة عند رجوع عيالات الامام الحسين (ع) ومعهم زين العابدين (ع) ومن هذه الروايات [دخلت على ابي عبد الله الصادق (ع) وكان ابو هارون المكفوف ممن يقرأون الشعر في التعزيه على الحسين (ع) فقال لي : يابا هارون انشد في الحسين فأنشدته فلم يكتف بهذا القدر وقال انشدني كما تنشدون بالرقة . يعني لم يكتف الانشاد العادي وانما طلب ان يكون الانشاد مع الطور الرقيق الحزين قال فأنشدته القصيدة المعروفة:
امرر على جدث الحسين
وقل لا عظمه الزكية
حتى بكى الى اخر الخبر . وللمجالس الحسينية أبعادا كثيرة اذكر منها .
1- المحافظة على استمراريه وبقاء هذه الواقعة المهمة وتجذيرها في نفوس الامه .
2- ان هذه الثورة هي رمز الضمير والفداء والاباء ومقاومة الظلم والتعسف .
3- انها جامع لمختلف الشرائح من المجتمع المسلم وان اختلفوا بينهم في وجهات الرأي في مسائل كثيره لكنها جامع وموحد لهم.
4- تعتبر مدرسة متكاملة ينتهل منها الاجيال المعاني الساميه والدروس والعبر
5- انه صرخة بوجه الباطل واعلاء لصوت الحق هذا الشق الاول من الموضوع الذي كان من المهم ان نسلط الضوء عليه وهناك شعائر مستجدة على مر التاريخ منذ الواقعة الى الان لم يرد بها نص فيها كلام كثير اعرضت عنه في هذا العدد لضيق المقام والحمد لله رب العالمين.