|
يتجه العراق منذ التغير الذي حصل في نظام الحكم السيـاسي باتجاه تغير جذري
في السياسة الاقتصادية للبلد عموماً ومن بين الملامح التي تظهر هذا التحول
هو اتجـاه العراق نحو اقتصاد السوق الحر والسعي لدخـول منظمة التجارة
العالمية وهذا ما يعني تغير مجمل قناعاته واخضاعها لقناعات المؤسسات
الاقتصادية الدولية بغض النظر عما إذا كان ذلك سيحضى بترحيب الشارع العراقي
اولاً ومن بين الخطى التي يبدو ان الحكومة تزمع اتخـاذها في الطريق إلى ذلك
هو التوجه نحو خصخصة بعض المؤسسات الحكومية فهل ستكون هذه الخطوة بداية
النهاية لمعاناة العراقيين ام انها بداية معاناة من شكل آخر تقوده المؤسسات
المالية بدل الحكومية.
الخصخصة مشكلة أم حل
تعني عملية الخصخصة تحويل المؤسسات الحكومية التي تقدم مختلف الخدمات
للمواطنين إلى مؤسسات خاصة وذلك ببيعها إلى القطاع الخاص ليقوم هو بدوره
بإدارة هذه المؤسسات بكل متعلقاتها وبتقديم هذه الخدمات للمواطنين مقابل
جني الفائدة وبحسب التجارب العالمية تختلف النتائج التي تتحقق من جراء
اعتماد بعض الدول السياسية الخصخصة وذلك بحسب تلك الدول وبحسب الطريقة التي
تعاملت بها للإتجاه نحو الخصخصة، وبشكل عام بعد النظام السياسي وجديته في
تحسين ظروف البلد الاقتصادية، ونزاهة شخوص المسؤولين الحكوميين والسيطرة
على الفساد الإداري في المؤسسات الحكومية من العوامل الأساسية في نجاح أو
فشل التحول نحو الخصخصة. ان سيطرة الحكومة في البلدان النامية على كل
المؤسسات الخدمية والشركات الصناعية اضافة إلى إدارتها لشؤون البلد
السياسية تفرض انشغالها بكم هائل من المشاغل الأمر الذي ينعكس سلباً على
أدائها في جميع القطاعات (إن لم تركز على جانب دون آخر) وبسبب زحمة
انشغالها ونظراً إلى استئثار المؤسسات الأمنية بالحصة من اهتمامات جميع
البلدان النامية كان من الطبيعي
ان
ينعكس ذلك على الاهتمام بباقي المؤسسات الخدمية ولا يحتاج المنابع إلى كثير
من العناء ليعرف الفرق بين الميزانيات التي تنفقها الدول على الأجهزة
الأمنية والأجهزة الخدمية ولذلك فإنه كثيراً ما باتت تطرح مسألة الخصخصة
كحل لهذه الزحمة في الاهتمامات والمشاغل الحكومية ويذهب الكثير من الخبراء
الاقتصاديين إلى ضرورة اعتماد الخصخصة ويقول مؤيدوها أنها الحل الوحيد لما
تعيشه المؤسسات الحكومية في البلدان النامية من حالة الترهل وتردي الخدمات
وعدم تطورها ومواكبتها للتقدم الحاصل في العالم ويؤكدون على أنه في الوقت
الذي تعمد فيه الحكومات في البلدان النامية إلى بذل أقصى طاقاتها للقيام
بأمور لا تقوم بها على الوجه الصائب فإنها من الممكن أن توظف القطاع الخاص
للقيام بتلك الأمور وهو (أي القطاع الخاص) غالباً ما يبرع في إدارة تلك
الأعمال وهذه هي الحجة الأساس في الدعوة إلى التحول إلى القطاع الخاص لكن
هؤلاء عموماً لا يطرحون إلى جانب التطور الحاصل في مستوى الخدمات الذي
تؤمنه الخصخصة السلبيات التي عادة تصحب عملية التحول مثل الاحتكار وإزدياد
نسب البطالة وغير ذلك من السلبيات الأخرى، والحقيقة أن كثرة الأمثلة على
فشل الحكومات في إدارة صناعات ناجحة ونجاح القطاع الخاص في ذلك لا يعني ان
الخلل في السياسة الاقتصادية وفشل القطاع العام فهناك أمثلة كثيرة على نجاح
القطاع العام في إدارة مؤسسات انتاجية فمثلاً تعد معامل صنع الفولاذ التي
تديرها الحكومة سواء التايلندية في تايلند والكورية في كوريا الجنوبية من
انجح معامل الفولاذ في العالم ما يشير إلى ان هناك عوامل أخرى تؤثر على
نجاح الأعمال وإزدهارها، نعم يمكن القول ان هذه العوامل موجودة ومؤثرة
غالباً في القطاع العام دون الخاص ومن هذه العوامل :
1ـ
وضع
الرجل غير المناسب على رأس هرم إدارة المؤسسات لكونه قريباً لمسؤول في
الحكومة أو من خواص الحزب الحاكم في البلد وهذه ظاهرة تكاد تكون مجمع عليها
في كافة البلدان النامية وهو ما يؤدي إلى جمود هذه المؤسسات بل وتراجعها
إحياناً بسبب جهل المسؤول بالآلية التي يمكن أن تدار بها هذه المؤسسات
وتتقدم بها للأمام.
2ـ ثبات الأجور للعاملين وعدم ربطها بميزان يمكن ان يدفع العمال إلى بذل
المزيد من الجهد وتفجير الطاقات الكامنة لدى العامل وهذا ينطبق على طول سلم
الوظائف من ابسط موظف إلى المدير ان هذه السياسة المتبعة في المؤسسات
الحكومية لا تدفع العمال فقط إلى الركون إلى الراحة والتقصير بأداء الواجب
بل وإهماله تماماً فتتحول ساعات العمل في كثير من المؤسسات الحكومية إلى
ساعات من الراحة يقضيها العمال داخل مؤسساتهم.
3ـ ضعف الاستثمار الحكومي في مؤسسات القطاع العام وعدم السعي لمواكبة
التقدم العلمي الحاصل في العالم وإدخال وسائل الانتاج الحديثة والتي من
شأنها تطوير مستوى الخدمة المقدمة للمواطنين حيث غالباً ما تتوجه الحكومات
في البلدان النامية الى تخصيص ميزانيات ضخمة للمؤسسات دونما حاجة فعليه
وماسة لذلك على حساب المؤسسات ذات الحاجة الماسة كالكهرباء والماء والزراعة
وغيرها من مصاعد الدخل التي من شأنها أن تجعل من البلد فيما لو استغلت أكثر
قوة من صفقات الصواريخ او الطائرات التي تركن في المدارج.
4ـ عدم الجدية في التوجه نحو تحقيق الأرباح عبر الانتاج الجيد والمنافس
ودخول الأسواق المستهلكة الخارجية فضلاً عن سد الحاجة المحلية وهذه القضية
متفرعة عن النقطتين الأوليتين (الإدارة السيئة وثبات الأجور).
5ـ انتشار ظاهرة الفساد الإداري بشكل كبير في القطاع العام بسبب الأجواء
المساعدة لذلك حيث ضعف الرقابة الحكومية.
الخصخصة بين الإيجابيات والسلبيات
من الإيجابيات التي يتوقع الحصول عليها من اعتماد نظام الخصخصة.
1ـ تطوير الخدمات المقدمة للمواطنين والارتقاء بمستواها الكمي والنوعي حيث
يمكن للقطاع الخاص توفير خدمات افضل في قطاعات كثيرة إذا ما اخضع لشروط
تمليها مصلحة المواطن وخلق حالة من التنافس في السوق تستطيع الحكومة من
خلال حث الشركات على تقديم الخدمة الأفضل والابتعاد عن احتكار الخدمة
واستغلال حاجة المواطن لها.
2ـ دعم الاقتصاد العام للبلد حيث ان رغبة المؤسسات الخاصة في تحقيق وزيادة
الارباح تدفعها إلى تطوير وتوسيع ما تقدمه من خدمة وما تنتجه مما يؤدي أما
إلى سد جزء كبير من حاجة البلد او سدها بالكامل او حتى التصدير للدول
الأخرى وكل ذلك يعد دعماً كبيراً للاقتصاد الوطني والدخل القومي.
3ـ نتيجة تحقيق الضغط على الحكومة وانحسار المشاغل الحكومية بسبب اعتماد
الخصخصة في إدارة كثير من القطاعات فإن أداء الحكومة فيما تقدمه من خدمات
وهي غالباً ما تكون أصولية ومؤثرة جداً سيكون جيداً مما يعني حصول المواطن
على خدمة أفضل في القطاع العام بسبب القطاع الخاص. تعد هذه الأمور هي من
الإيجابيات التي يمكن أن يحصل عليها المواطن من اعتماد الخصخصة في إدارة
بعض القطاعات لكن هذه الإيجابيات تبقى مرهونة بالخطوات التي تتبعها الحكومة
للتحول على القطاع الخاص وإلى جانب الإيجابيات التي قد تحملها عملية التحول
للقطاع الخاص هناك سلبيات كبيرة أيضاً منها :
1ـ احتكار الخدمات حيث تعمد كثير من مؤسسات القطاع الخاص بعد سيطرتها على
الخدمة وانفرادها بالسوق في ظل القوانين التي تسمح بذلك إلى رفع الأسعار
ويتحول همها الأساسي إلى عملية جني الأرباح دون تحقيق أي تطور او تقدم في
نوع الخدمة مما يعود بالمواطن إلى اسوأ مما كان عليه حيث الخدمة رديئة ولكن
بأسعار عالية كما حصل في ساحل العاج مثلاً حيث بيعت شركة الهاتف إلى القطاع
الخاص (كما هو واقع الحال في أغلب الأحيان) قبل ان يوضح أطار ناظم او
تنافسي كاف في مكانه المناسب وأقنعت الشركة الفرنسية
التي
اشترت موجودات الحكومة بمنحها الاحتكار ليس في الخدمات الهاتفية الموجودة
فقط بل في خدمة الهاتف الخلوي كذلك ثم قامت الشركة برفع الأسعار بشكل أعلى
إلى درجة كبيرة
2ـ ازدياد البطالة حيث تعمد مؤسسات القطاع الخاص بهدف زيادة الربح إلى
تقليص الوظائف والاقتصار على الحد الأدنى من العمال مما يؤدي إلى تسريح
أعداد كبيرة من العمال مما كان القطاع العام يستوعبهم ومع الأخذ بنظر
الاعتبار افتقاد البلدان النامية إلى شبكة الحماية الاجتماعية ضد البطالة
والفقر فإن ذلك يمثل مشكلة كبيرة جداً لابد من حسابها جيداً قبل الاتجاه
نحو القطاع الخاص.
3ـ عجز القطاع الخاص عن تلبية الاحتياج الفعلي للسوق وسد الثغرة التي
يخلفها غياب الدعم الحكومي عن بعض الخدمات حيث يبقى القطاع الخاص أقل
إمكانات من الحكومة (هذا بفرض المستثمر في القطاع الخاص هم من داخل البلد).
أين وصلت الخصخصة في العراق
كان من المجمع عليه في تصريحات المسؤولين الذين تناوبوا على إدارة العراق
خلال الفترة السابقة أن لا يتم اتخاذ القرارات الحساسة والخاصة بمصير البلد
وان يتم انتظار حكومة وطنية منبثقة عن انتخابات دستورية لكن في واقع الأمر
يبدوا أن قرارات خطرة اتخذت من وراء الكواليس وبدأت هذه القرارات تنكشف
شيئاً فشيئاً فالاتفاق مع صندوق النقد الدولي وكان احد مواده رفع المحروقات
تبين انه اتخذ في الحكومة السابقة لحكومة الجعفري وهي حكومة لم تكن مخولة
لاتخاذ هكذا قرار ويتداول اليوم أن الحكومة الحالية قد اتخذت قرارات هي
الأخرى بخصوص خصخصة بعض القطاعات والسؤال فيما لو صح ذلك هو هل تم ذلك بناء
على إجراءات مدروسة وهل اتخذت الحكومة الخطوات اللازمة من إيجاد القوانين
الضابطة والتنافسية لمثل هذه الخطوة وهل تم تحديد القطاعات التي يراد
خصخصتها بشكل موضوعي دون شبهات فساد وكيف تم تحديد ذلك فمعامل السمنت مثلاً
هي من أكفأ ما يديره القطاع العام وان لم يرق للمستوى المطلوب كيف تتحول
للقطاع الخاص دون معامل أخرى معطلة نسبياً أو كلياً كالنسيج والصناعات
الغذائية وغيرها وهل سيترك للقطاع الخاص الانفراد بسد حاجة السوق واحتكارها
أم ماذا؟ كل هذه الأمور لابد أن يطلع عليها الشارع العراقي ليعرف كيف تجري
الأمور ويكون له القرار في تحديد مجراها.
ونحن نتجه إلى الخصخصة نقول هل تم ذلك بناء على مصلحة الشعب وهل تحددت
القطاعات التي يراد خصخصتها بموضوعية ودون شبهة فساد؟ |