حوارات أخلاقية

 الصبر هو ثبات النفس وعدم إضطرابها في الشدائد والإبتلاءات.. والصبر هو فضيلة كانت للكثيرين سبباً في رضا الله وقبول الأعمال.. وكما قال رسول الله صلى الله عليه وآله (الصبر من الإيمـان بمنزلة الرأس من الجسد ولا جسد لمن لا رأس له ولا إيمان لمن لا صبر له...) وللوقوف على هذا العنوان تعالوا معاً لنقف على حقيقة هذا المصطلح من خلال إطلالة على حوار بين والدٍ وولده.

 فهذه عودة للكلام في مبحث الصبر .
علي : السلام عليك يا أبي
الوالد : وعليكم السلام يا قرة عيني وفلذة كبدي.
علي : فرج الله عنك يا أبي كما فرجت عني فيما اعانيه واكابده بما بينته لي في بحث الصبر ولا أكتمك يا أبي كان لكلامك وقعاً حسناً في نفسي ولكن بقي امر مهم الا وهو ما هو الطريق لتحصيل الصبر.
(طريق تحصيل الصبر)
الوالد : كنت قد ذكرت لك يا بني ان الصبر هو ثبات باعث الدين في مقابلة باعث الهوى فإذا أدركت هذا فاعلم ان الطريق إلى تحصيل الصبر يتم بتقوية باعث الدين وتضعيف باعث الهوى.
علي : وكيف اقوي باعث الدين.
الوالد: تقوية الباعث يكون بأمور.
الأول: أن تكثر التفكير فيما ورد في فضل الصبر وحسن عواقبه في الدنيا والآخرة وان تعلم ان ثواب الصبر على المصيبة أكثر مما فاتك، وانك بسبب ذلك مغبوط على المصيبة لأنه قد فاتك ما لا يبقى معك الا مدة الحياة الدنيا وحصل لك ما يبقى بعد موتك ابد الدهر، واعلم انك قد جوزيت على المدة القصيرة الفانية بالمدة الطويلة الخالدة، ومن أبدل خسيساً بنفيس فلا ينبغي ان يحزن لفوات الخسيس.
الثاني: ان تتذكر قلة قدر الشدة الدنيوية وقلة وقتها واستخلافك منها عن قريب مع بقاء الأجر على الصبر عليها.
الثالث: ان تعلم ان الجزع قبيح مضر بالدين والدنيا ولا يفيد ثمرة الآ خسران الثواب وجلب العقاب كما قال امير المؤمنين عليه الصلاة والسلام : (إن صبرت جرت عليك المقادير وانت مأجور وان جزعت جرت عليك المقادير وأنت مأزور).
الرابع: ان تعوّد باعث الدين مصارعة باعث الهوى تدريجياً حتى تدرك لذة الظفر بها وتقوّي متنك في مصارعتها فإن الاعتياد والممارسة للأعمال الشاقة يؤكّد ويقوّي القوى التي تصدر منها تلك الأعمال ولذا ترى ان قوة الممارسين للأعمال الشاقة ـ كالحمالين والفلاحين ـ تزيد على قوة التاركين لها فمن عوّد نفسه على مخالفة الهوى سهل عليه التغلب على الهوى.
علي : وكيف اضعف باعث الهوى.
الوالد : إنما يكون تضعيف باعث الهوى بمجاهدة ومخالفة النفس الأمارة بالسوء وترويضها بالصوم والجوع وقطع الأسباب المهيجة للشهوة كالنظر إلى ما يهيجها وتخيل ما يهيجها وعلى العموم فالورع عن محارم الله جل جلاله واجتناب نواهيه والانزجار عما زجرت عنه الشريعة له دخالة عظمى في ذلك.
علي: انار الله دربك يا والدي وكشف عنك كل هم وغم كما كشفت عني وأوضحت لي ما أبهم عليَّ.
الوالد: بوركت يابني.
(دفع شبهة)
علي: بعد كل ما تفضّلت به عليّ اراني مستحيياً عن ذكر امر يا أبي.
الوالد: لاحياء في العلم هلمّ تفضل.
علي: كأن النفس الإنسانية ـ حسب وجهة نظري القاصرة ـ تكره النوازل والبلايا والهموم والغموم فإذا ثبت هذا، فالسؤال هو أننا على اي شيء ننال الأجر على الصبر والحال انا أشبه بالمضطرين لكراهة ذلك.
الوالد: يتضح جواب سؤالك بالتأمل فيما اسلفت من الكلام ولكن مع هذا اقول لك كل من كان عارفاً بالله وبأسرار حكمته وقضائه وقدره يعلم يقيناً صادقاً بان كل امر صدر منه تعالى وابتلى به عباده من ضيق او سعة وكل امر مرهوب او مرغوب على وفق الحكمة والمصلحة بالذات وما عرض من ذلك مما يعد شراً فهو أمر عرضي زائل لا يمكن نزع الخير الموجود فيه فمثلاً الذئب موجود الهي وفق حكمة ومصلحة بالذات وهو وان كان يؤذي البشر احياناً ولكن هذا الأمر الذي يعد شراً هو امر عرضي لا ينافي الحكمة والمصلحة الاصيلة فيه فإذا تيقن الإنسان بذلك استعدت نفسه للصبر ومقاومة الهوى في الغم والحزن وطابت بقضائه وقدره وايقن بان قضاءه لم يجر الا بالخيرة.
علي: وهل ورد هذا في كلام الأئمة الأطهار (ع).
الوالد: نعم يا بني فقد اشار إلى ما ذكرناه امير المؤمنين (ع) بقوله (اطرح عنك واردات الهموم بعزائم الصبر وحسن اليقين) وورد عنهم (ع) (من لا يعد الصبر لنوائب الدهر يعجز وورد أيضاً إن تصبر تغتبط وإلا تصبر يقدر الله مقاديره راضياً كنت أم كارهاً. والروايات كثيرة في المقام.
علي: هب يا ابي اني وفقت لذلك فماذا يترتب عليه.
الوالد: من بلغ هذه الدرجة يلتذ بكل ما يرد عليه ومثله يتمتع بثروة لا تنفذ ويتأيد بعز لا يفقد.
علي: وبم يتحقق خروج الإنسان عن هذه الدرجة.
(الخروج عن الصبر)
الوالد: كلامك هذا يرجعنا إلى ما بدأنا به من الكلام حيث ذكرت لك الجزع فالجزع يخرج المرء من درجة الصابرين ويتحقق ذلك بشق الجيوب وضرب الخدود والمبالغة في الشكوى وإظهار الكآبة وتغيير العادة في الملبس والمطعم ونحوها فينبغي اجتناب هذه الأمور وان يظهر الإنسان الرضا بقضاء الله ويبقى مستمراً على عبادته ويعتقد ان ما مرّ كان وديعة فاسترجعت.
(عدم منافاة البكاء للصبر)
علي: والبكاء هل هو من الجزع.
الوالد: جريان الدمع مقتضى البشرية ولا يخرج به الإنسان عن درجة الصابرين ولذلك لما مات إبراهيم ابن رسول الله (ص) فاضت عيناه بالدمع وقال (ص) (العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول ما يسخط الرب) بل هذا لا يخرج الإنسان عن درجة الراضين فحاله حال من اقدم على الفصد والحجامة فهو راض بها مع انه متألم بسببها لا محالة.
علي: زاد الله شرفك يا ابي ورضي عنك وانا أسألك الدعاء لكي اوفق لنيل درجة الصابرين.
الوالد: وفقك الله لها ولكل خير بجاه محمد وآله صلوات الله عليهم أجمعين.
علي: السلام عليكم.
الوالد: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.