رجال من صفحات التاريخ                          إعداد : الشيخ أمجد الجنابي

 مجتهد كبير ومحقق قدير نقل نتاج الماضين إلى المعاصرين ، وكان حلقة مشعّة ، ما زال شعاعها متواصلاً ومتوهّجاً في الدراسة الحوزوية التخصّصية ، منذ أكثر من 80 عاماً وحتّى الآن . ولا تزال آراؤه ونظرياته تتداولها الأوساط العلمية ، وتهيمن بقوّة على الفكر الأصولي في مرحلته المعاصرة ، ويعبر عنها باسم (مدرسة النائيني ) ، بحيث يعد التطرّق لرأيه في مسألة ما ، ومعالجته سلباً أو إيجاباً ، ضرورة علمية لابد منها .

يقول فيه الحجة الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء : وكانت كلّ أحواله وأعماله وعلومه تدلّ على نفس كبيرة ذات قدسيّة كريمة قليلة النظير أو معدومة المثيل .

ولادته
ولد الشيخ الميرزا محمد حسين الغروي النائيني ابن الميرزا عبد الرحيم يوم دحو الأرض (25 ذي القعدة الحرام) سنة 1276 هـ، ونشأ وترعرع في نائين .
وينحدر من اُسرة معروفة في نائين، عريقة في العلم والأدب، وآباؤه وجوه ومشاهير هناك، وكان والده شيخ الإسلام فيها وكذلك أجداده.
الهجرة الى العراق
هاجر إلى العراق، واستقر في مدينة سامراء سنة 1303هـ ، وحضر درس السيد إسماعيل الصدر، ودرس السيد محمد الفشاراكي الأصفهاني، ثم أخذ يحضر درس مرجع الطائفة انذاك المجددالشيرازي ولازمه حتى وفاته سنة 1312هـ .
انتقل بعد ذلك إلى النجف الأشرف، فتوثقت العلاقة فيها بينه وبين الآخوند الخراساني وصار من أعوانه وأنصاره فساعده في مهامه الدينية والسياسية وحظي بمكانة عظيمة عنده فكان أحد أعضاء مجلس الفتيا الذي كان يعقده الآخوند في داره مع بعض خواص أصحابه للمذاكرة في المسائل المعقدة ، ولم يحضر في درس الأخوند العام.
النائيني وحركة الاستقلال
ساهم مع جماعة من العلماء في التصدي للإنكليزحيث شارك في الجهاد ضدهم منذ 1914م/1333هـ وحتى آب 1920م، ولكن دوره في هذه الثورة بدأ عندما بلغت نهايتها، حيث كان من الثلاثة الذين قادوا الحركة الاستقلالية التي انبثقت 1921ـ 1924، والراجح أن مشاركته في هذه الحركة لم يكن عفوياً، إنما كان ينطلق مما يختزنه في ممارساته السياسية من وعي لمخاطر ما كان يحدق بثورة العشرين 1920م من مخاطر، وخشية الوقوع في الفخ البريطاني وبعيد ثورة العشرين تم تعيين الملك فيصل ملكاً على العراق وقرّرت الحكومة إقامة مجلس نيابي وتعيين وزراء للدولة فعارضها المترجم له ومَنْ عاصره من العلماء، وحرّموا المشاركة في الانتخابات احتجاجاً على التدخّل الأجنبي ، ونتيجة لمواقفه الرافضة لمشاريع الاستعمار ووقوفه في وجه مخططاته الهادفة إلى تكريس الاحتلال ، أمرت الحكومة العراقية في نهاية 1923م، بتسفير العلماء المعارضين إلى خارج العراق وعلى رأسهم آية الله السيّد أبو الحسن الأصفهاني و الميرزا النائيني ممّا أدّى إلى حدوث اضطرابات ومظاهرات في العراق، وغادروا إلى إيران ومعهم جمع من أكابر العلماء ـ واستقرّ الشيخ في مدينة قم المقدّسة حيث استقبله لدى وروده زعيمها ومؤسّس حوزتها العلمية آية الله الشيخ عبدالكريم الحائري، واحتفى به احتفاءً بالغاً، وأمر تلامذته بالحضور عليه والاستفادة منه، فكانت له مجالس تدريس حافلة، وبعد برهة من الزمن دامت تسعة أشهر وباقتضاء الظروف الدينية والسياسية يومذاك عاد (قدس سره) إلى النجف الأشرف مداوماً على واجبه الديني التوجيهي والتربوي وزعامته الروحية للشيعة.
مكانته العلمية
استقل بالتدريس بعد وفاة الآخوند الخراساني، وكان مجلسه حافلاً برجال الفضل، وازدادت حوزته اتساعاً في عهد شيخ الشريعة الأصفهاني.
ومن ابرز تلامذته ((السيد محمود الحسيني الشاهرودي , السيد محسن الحكيم الطباطبائي , السيد ابو القاسم الخوئي , الشيخ حسين الحلي والشيخ محمد تقي الآملي والسيّد محمد حسين الطباطبائي ))
و بعد وفاة شيخ الشريعة الاصفهاني رجع إليه الناس في التقليد والفتوى إلى جانب السيد أبي الحسن الأصفهاني.
تميزعصره عن أقرانه وعلماء عصره بمكانته العلمية الخاصة حيث شكلت آراؤه ونظرياته مرجعاً لكثير من المسائل وخاصة في الفكر الأصولي لا غنى للدارس من التعرض إليها أو الاعتماد عليها، فخط بذلك معالم مدرسته الاصولية عرفت بعد وفاته ( بمدرسة النائيني). ولم يكن المحقّق الشيخ آغا بزرك الطهراني مبالِغاً حينما قال فيه : أمَّا هو في الأصول فأمر عظيم ، لأنّه أحاط بكلِّيَّاته ، ودقَّقَه تدقيقاً مدهشاً ، وأتقنه إتقاناً غريباً .
وقد رنَّ الفضاء بأقواله ونظرياته العميقة ، كما انطبعت أفكار أكثر المعاصرين بطابع خاص من آرائه ، حتّى عُدَّ مُجدِّداً في هذا العلم

شفاء من مرض عضال
ينقل عنه (قدس سره)انه قال عند انشغالي في تحصيل العلوم الدينية في سنة خمسة وثمانين ومائتين وألف تقريبا ظهر وجع في قدم أخ لي من الأب اسمه محمد سعيد وكان الورم خلف قدمه بحيث عجز عن المشي فجاءوا بالميزرا أحمد الطيب بن الحاج ميرزا عبد الوهاب النائيني ليعالجه فزال الاعوجاج الذي هو خلف قدمه وذهب الورم وتفرقت المادة ولم تمض عدة أيام إلا وظهرت المادة بين الركبة والساق وبعد عدة أيام ظهرت المادة في الفخذ في نفس تلك الرجل ومادة بين الكنف حتى تقيح كل واحد منهما وكان له وجع شديد فعندما يعالجه ينفجر ويخرج منه قيح إلى أن مضت سنة تقريباً أو أكثر من ذلك وهو على هذا الحال بل كل يوم تزداد الجراحات ولم يقدر في هذه المدة أن يضع قدمه على الأرض وهو يتقلب من جانب إلى جانب و ضعف بدنه ونحل جسمه وقلت حركته وظهر في تلك الأيام وباء شديد في نائين فلجأنا إلى قرية من قراها خوفاً من ذلك الوباء فاطلعنا على جراح حاذق يقال له (أقا يوسف) ينزل في قرية قريبة من قريتنا فبعث الوالد شخصاً إليه فحضر للعلاج وعندما عرض أخي المريض عليه سكت ساعة حتى خرج الوالد من عنده وبقيت عنده مع أحد أخوالي يدعى الحاج ميرزا عبد الوهاب فبعد مدة من مناجاته معه فهمت من فحوى تلك الكلمات بأنه يخبره يائساً ويخفي ذلك عني لئلا أخبر الوالد فيضطرب ويجزع. فعندما رجع الوالد قال ذلك الجراح: أنا أخذ المبلغ الفلاني أولاً ثم أبداً بالمعالجة وكان قصده من هذا الكلام هو امتناع الوالد عن دفع ذلك المبلغ قبل الابتداء في المعالجة ليكون سبباً لذهابه قبل الشروع في المعالجة. فامتنع الوالد من إعطائه ما أراه قبل المعالجة فاغتنم (الجراح) تلك الفرصة ورجع إلى قريته.
وقد علم الوالد والوالدة أن هذا التصرف من الجراح كان ليأسه وعجزه عن المعالجة مع أنه كان أستاذا وحاذقاً وكان لي خال آخر يدعى ميرزا أبو طالب في غاية التقوى والصلاح وله شهرة في البلد بأنه يكتب للناس رقع الاستغاثة إلى إمام عصره الإمام الحجة (ع) وهي سريعة الإجابة والتأثير وإن الناس كثيراً ما يرجعون إليه في الشدائد والبلايا فالتمست منه والدتي أن يكتب رقعة استغاثة لشفاء ولدها.
فكتبها في يوم الجمعة وأخذتها الوالدة وعندما جاءت أخذت اخي وذهبت عند بئر قرب قريتنا ورمت تلك الرقعة في البئر وكان اخي متعلقاً فوق البئر بيد الوالدة فظهرت له وللوالدة في ذلك الوقت رقة فبكياً بكاءاً شديداً وكان ذلك في آخر ساعة من يوم الجمعة.
وبعد مضي عدة أيام رأيت في المنام ثلاثة فرسان بالهيئة والشمائل التي وردت في واقعة إسماعيل الهرقلي قادمين من الصحراء باتجاه بيتنا فحضرت في ذهني في ذلك الحال واقعة إسماعيل وكنت قد وقفت عليها في تلك الأيام وكانت تفصيلاتها في ذهني فانتبهت أن هذا الفارس المتقدم هو الإمام (ع) جاء لشفاء أخي المريض وكان أخي المريض نائماً على ظهره أو متكئاً في فراشه في ساحة البيت فتقرب الإمام الحجة (ع)منه وبيده المباركة رمح ووضع ذلك الرمح في موضع من بدنه ولعله كان في كتفه وقال له قم فقد جاء خالك من السفر.
(وقد فهمت في ذلك الوقت أن مقصود (ع) من هذا الكلام البشارة بقدوم خال لنا آخر اسمه الحاج ميرزا علي أكبر كان سافر للتجارة وطال سفره ونحن قد خفنا عليه لطول السفر وتقلب الدهر من القحط والغلاء الشديد)
قام أخي من مكانه الذي كان نائماً فيه وأسرع إلى باب البيت لاستقبال خاله المذكور.
فاستيقظت من نومي فرأيت الفجر قد طلع وقد أضاء الجو ولم يستيقظ أحد من النوم لصلاة الصبح فقمت من مكاني وأسرعت إلى أخي قبل أن ألبس ملابسي وأيقظته من النوم وقلت له: انهض فإن الإمام الحجة (ع) قد شافاك. وأخذت بيده وأقمته على رجليه فاستيقظت أمي من النوم وصاحت علي: لماذا أيقظته من النوم؟ لأنه كان يقظاً من غلبة الوجع عليه، وقليل من النوم بالنسبةالى حاله كان يعد غنيمة قلت: إن الإمام الحجة (ع) قد شافاه.
فعندما أقمته على قدميه ابتدأ بالمشي في ساحة الغرفة وقد كان غير قادر على وضع قدمه على الأرض لمدة سنة أو أكثر فانتشرت هذه الحكاية في تلك القرية واجتمع جميع الأقرباء والأصدقاء ليروه بما لا يصدق بالعقل ونقلت الرؤيا وكنت فرحاً جداً لأني بادرت ببشارة الشفاء عندما كان نائماً وقد انقطع الدم والقيح من ذلك اليوم والتأمت الجروح قبل أن ينقضي أسبوع وبعد عدة أيام وصل الخال سالماً غانماً.
مواقفه السياسية
ونذكر منها ما يلي :
أوّلاً : كان أحد أعضاء هيئة العلماء التي تألَّفت لتوجيه الحركة الدستورية في إيران ، تحت إشراف الآخوند الخراساني ، وكان يتولَّى كتابة البرقيات والبيانات التي كانت تصدر باسم الآخوند .
ثانياً : كان من جملة العازمين على الرحيل مع الشيخ الخراساني إلى إيران ، من أجل صَدِّ الهجوم الروسي على شمال إيران ، وتوجيه الحركة الدستورية من داخل الساحة الإيرانية ، نحو الاتجاه المطلوب الذي انحرفت عنه أخيراً ، لكن ذلك الرحيل لم يَتم ، بسبب الوفاة المفاجئة للشيخ الخراساني.
ثالثاً : ساهم مع جماعة من العلماء في التصدي للإنكليز عندما أعلن الجهاد ضدهم عام 1914م/1333هـ.
رابعا : عارض مع السيِّد أبي الحسن الأصفهاني ترشيح فيصل الأوّل لعرش العراق من قبل الإنكليز ، والانتداب الإنكليزي على العراق ، واستمرَّا في معارضتها حتَّى وصل الأمر إلى تسفيرهما إلى إيران ، ثمّ عادا إلى العراق .
 

وفاته ومدفنه
اعتلّ جسم المجدّد النائيني في أواخر عمره ونهكت قُواه، فكان يعاني من آلام المرض مدّة إلى أن وافاه الأجل المحتوم، فالتحق بالرفيق الأعلى يوم السبت السادس والعشرين من شهر جمادى الاُولى سنة 1355 هـ، وشيّع جثمانه الطاهر في النجف الأشرف تشييعاً عظيماً، ودفن في الحجرة الخامسة على يسار الداخل إلى الصحن العلوي الشريف من باب السوق الكبير.
قال الحجّة الكبير الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء في كلمته التأبينية: عرفت تلك النفس التي هي إلى صقع عالم الملكوت أقرب منها إلى صقع عالم الملك، وباُفق عالم الأرواح المجرّدة ألصق منها بعالم الأرواح المتعلّقة بالمادة... ثمّ قال: عرفت الميرزا النائيني في سامرّاء وهو يومئذ مطمح الأنظار ومسرح الأفكار وموضع إشارة الأنامل... وكانت له المنزلة التي يُغبَط عليها عند المرجع الأعلى ـ السيد الشيرازي ـ إذ كان يَعدُّه من ذوي الرأي والمشورة، ويُحضره في المهمّات التي يحضرها أهل الحلّ والعقد... إلى أن يقول: وكانت كلّ أحواله وأعماله وعلومه تدلّ على نفس كبيرة ذات قدسيّة كريمة قليلة النظير أو معدومة المثيل .