التفسير                                                        الشيخ ناجح العبودي

بسم الله الرحمن الرحيم               

 (حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ * ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى                                   الْقُلُوبِ)                        الحج الاية / 31-32

 شرح المفردات:
1- حنفاء : حنفاء جمع حنيف وهو المائل من الاطراف الى حاق الوسط وسمي المسلمون حنفاء لانهم مالوا عن الالهة اليه سبحانه وتعالى ، سأل الامام الباقر (ع) عن الحنيفية فقال ((هي الفطرة التي فُطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله، قال (ع) فطرهم الله على المعرفة وفي رواية اخرى قال فطرهم على التوحيد ، وتكرر شرح الحنيفية بالفطرة على لسان الامام الصادق (ع) في اكثر من رواية.
2- يشرك: هذه المفردة من اشهر مفردات القرآن الكريم حيث تكررت هذه المادة بما يقارب (168) مرة وبهيئات مختلفة مثل أشرك-يُشرك - اُشرك - تشركون -مشركون - مشرك - مشركة -شركاء - الى غير ذلك وهذه الايات التي ذكرت فيها هذه المادة هي بأغلبها وبحسب ظاهرها تكشف تارة عن صفاتهم وخصائصهم والعلامات التي يعرفون بها واخرى عن سيرتهم العلمية والحياتية والاحكام الخاصة بهم وتارة ثالثة عن منقلبهم واخرتهم، فمن صفاتهم المذكورة بتلك الايات ان بعضهم يود ان يعمر الف عام وانهم يكرهون رفعة الاسلام وان ينزل شيء من السماء لرفعته واعلاء شأنه، وانهم آمنوا بما لم ينزل به الله سلطاناً، وأنهم يؤذون الاسلام ومتبعيه وأنهم يفترون إثماً عظيماً. وانهم ضلوا ضلالاً بعيداً وانهم لايجتمعون مع الحنيفية ومن سيرتهم انهم لا يجوز نكاحهم وانهم يدعون الى النار وان الرسول (ص) برئ منهم الى غير ذلك واما مآلهم وعاقبتهم ان الذي يشرك يحرم عليه الجنة ويطالب باحضار الشريك يوم القيامة وانه ينكر كونه من المشركين وانه يحبط عمله وان مثواه النار، كل ذلك وغيره ظاهر من تلك الايات المباركة.
والشرك له مرتبة قصوى وهي ان يجعل مع الله إلها آخر ومرتبة دنيا وهي فعل الصغائر من المعاصي وما بينهما مراتب وسيأتي توضيح بعض ذلك.
3- شعائر: تكررت هذه المفردة ما يقارب اربع مرات في البقرة158 (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) والمائدة ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) وفي الحج 32 (وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) وفي الحج 36 (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).
والشعائر هي جمع شعيرة على وزن فُعيلة وأُشتقت من قولهم شعر فلان بهذا الامر اذا علم به فهي المعالم، ويقال أُشعرت البدن اذا علمتها بما يشعر انها هدي يساق الى الكعبة وهو من مناسك الحج.
المعنى الاجمالي:
ان من اهم خصائص المسلمين واجل صفاتهم ان يكونوا من العارفين به سبحانه ومن الموحدين له غير مشركين وتتفاوت درجاتهم عند الله تعالى بحسب نوع ومقدار الشرك الذي يتجنبوه ،فالمشرك في شركه وانحطاطه وسقوطه من اعلى مراتب الانسانية وعبادة الله تعالى كالساقط من السماء فتلقفه الطيور الكواسر او تهوي به الريح الى مكان سحيق كالوادي الضيق الذي لا مخرج منه ولا حياة فيه، هذا بالنسبة الى السقوط اما الصعود والارتقاء في سلم الرضا فلا يحصل الا بتقوى القلوب التي من اهم اسبابها هو تعظيم الشعائر بل هوكل اسبابها على ما سيأتي من المراد من الشعائر.
مراتب الشرك والشرك الخفي:
قد عرفت فيما تقدم ان للشرك مراتب وان قصوى تلك المراتب هي ان يجعل مع الباري سبحانه إلهاً فيعبده تارة مع الله تعالى ويشركه اخرى في صفاته وافعاله سبحانه وتعالى وقد قيل في محله انه لا خلاف ولا نزاع في ان الكل متفق في ان هناك خالق وصانع لهذا الخلق والعالم لكن الخلاف والكلام كل الكلام في وحدته وعدم تعدده اوانه واحد لكن هناك من يشاركه في صفاته وافعاله فتكون المنازعة في اهم وجوهها في الربوبية وسعتها، هذا هو اقصى المراتب في الشرك اما الادون فهو الذي يعبر عنه شرك يغفر والذي اشارت اليه الاية الكريمة (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ) ولبيانه نذكر بعض الاقوال حيث اختلفوا في المراد من الشرك في الاية وبالتالي من هم المشركون على اقوال اهمها:
1- انها نزلت في مشركي قريش فهم لا يؤمنون ولا يصدقون به سبحانه الا من خلال الاوثان والشرك فهي التي تقربهم اليه تعالى زلفى كما يزعمون.
2- نزلت في مشركي العرب حيث يقرون انه تعالى هو الخالق والرازق لكن مع ذلك يقولون في تلبيتهم لبيك لا شريك لك الا شريكا هو لك تملكه.
3- انهم اهل الكتاب آمنوا بالتوارة والانجيل ثم اشركوا بانكار القرآن ونبوة نبي الاسلام (ص) .
4- انهم المنافقون يظهرون الايمان ويشركون في السر.
5- انهم المشبهة حيث آمنوا به تعالى بالجملة واشركوا بالتفاصيل فجعلوا له يداً حسية وساقاً وانه في جهة الى غير ذلك من اباطيلهم.
6- ان المراد بالشرك شرك النعمة اي انهم اشركوا غير الله معه في نعمه وارزاقه يقول الامام الباقر (ع) كما في تفسير العياشي (هو الرجل يقول لولا فلان لهلكت ولولا فلان لأصبت كذا ولولا فلان لضاع عيالي الا ترى انه جعل لله شريكاً في ملكه يرزقه ويدفع عنه) فقيل له (ع) افيقول لولا ان من الله علي بفلان لهلكت ، قال (ع) نعم لا بأس بهذا.
7- المراد بالشرك هو شرك الطاعة فالذي يجب ان يعبد ويطاع هو الله سبحانه وحده واما اهل المعاصي فيشركون في طاعته فيطيعون الشيطان عند فعلهم المعاصي ، ومن هذا المعنى يظهر ان فعل المعاصي حتى الصغائر منها فيه اطاعة للشيطان فيكون قد اشرك فاعلها بطاعة الله تعالى، ولكن هذا شرك يغفر يمكن ان يجتمع مع الايمان بوجه من وجوه، ومن هذا يظهر ان مرتبة المؤمنين تختلف بنوع ومقدار الشرك الذي يتجنبونه فيكون الموحد الاول هو الذي لم يعص الله تعالى طرفةعين وهو المعصوم من نبي أو إمام أو وصي وباقي الناس يتفاضلون بالاقل معصية والاكثر عملاً للخيرات فيكون هو الاقرب للمعصوم .. وهكذا.
الشعائر والشعائر الحسينية:
الشعائر هي المعالم للاعمال فشعائر الله هي معالم الله التي جعلها مواطن للعبادة وهي اعلام متعبداته من موقف اومسعى او منحر او صلاة او اداء فريضة فهو مشعر لتلك العبادة ومن هذا الكلام يظهر ان كل العبادات تعتبر شعائر الله وإن أشتهر بعضها بهذا الاسم كمناسك الحج فكل العبادات والفرائض تعتبر علامات لله سبحانه وتعالى يُعرف بها وبها يحصل ويتم الغرض من الخلق (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ومن هنا يظهر جلياً ان المحافظة على فعل الواجبات والاجتناب عن المحرمات من أعظم الشعائر ، ومن اعظم العلامات التي يعرف بها المؤمنون وبها يحصل المؤمن على مرتبة التقوى فيكون عمله مقبولاً وهو من قبل الله تعالى محبوباً فكيف لايكون تعظيم هكذا شعائر بمعناها الواسع الوسيع سبباً بل كل السبب في تقوى القلوب.
ولا يشك مسلم في ان اهل بيت العصمة وآل الرسول (ع) قد فرضت مودتهم على الناس فيكون حبهم من العبادات بل الصلاة عليهم ولا يتم عمود الدين ولايستقيم الا بها ومن المعروف بل المشهور ان حبهم طاعة وقولهم وفعلهم وتقريرهم سنة، وهم قالوا احيوا امرنا رحم الله من احيا امرنا ودعوا الله تعالى ان يوالي من يواليهم، وان يعادي من يعاديهم وان يحب من احبهم ومن اهم صفات المحبين والموالين بحسب قولهم الذي يفرحون لفرحهم ويحزنون لحزنهم ولاجل ذلك صار اظهار الفرح في وقت فرحهم من العبادات المستحبة وهكذا الحزن، ويظهر هذا جلياً في ما لاقاه ابي الضيم في طف كربلاء فالائمة (ع) انفسهم كانوا يقيمون العزاء ومجالس الحزن والبكاء عليه،وكانوا يظهرون الحزن اذا اقبل المحرم، وعليه فلا اشكال ان البكاء على الحسين واقامة مجالس العزاء وما شاكل ذلك يعتبر من مواساة اهل البيت في حزنهم فيكون من شعائر الله التي يكون تعظيمها من تقوى القلوب.
هل التطبير من الشعائر الحسينية:
مما تقدم علمنا ان الفعل حتى يكون من الشعائر يجب ان يكون عبادة سواء كانت واجبة او مستحبة وعبادية العبادة على المشهور موقوفة على تشريع الشارع ومن هنا تجد ان كل العلماء والفقهاء لم يصرح واحد منهم ان ادماء الرأس (التطبير) فعل فعله المعصوم او امر به او اقره ولم يحصل هذا الفعل بعد الغيبة بأجيال وعقود ومن هنا تجد استاذ الاساتذة والمحققين السيد الخوئي (قده) يقول بصريح العبارة (لم يرد نص بشعائريته فلا طريق الى الحكم باستحبابه) ولكنه قدس سره يترك الباب مفتوحاً نوعا ما بقوله (ولا يبعد ان يثيبه الله تعالى على نية المواساة لاهل البيت الطاهرين اذا خلصت النية) بمعنى انه عرفاً ليس من المواساة الثابت كونها من الشعائر لكن بعض الفاعلين له يفعله بنية المواساة، ومع هذه النية (نية المواساة) لو كانت خالصة لله تعالى لا يصير الثواب مضموناً وحاصلاً بل قد ينقلب الفعل محرماً فيكون الفاعل عاصياً ومعادياً للحسين وفاعلاً للمنكر الذي حاربه الحسين (ع) وذلك اذا تحقق احد امرين او كلاهما: اولا/ ان يلحق به ضرر وأذى نوعي اي أغلب الناس يقول بضرريته.
ثانياً/ اذا كان فعله سببا لتوهين المذهب وإذلاله وجعل الاعداء يسخرون من المذهب ويستخفون به وبرموزه وأتباعه فنكون شيناً على اهل البيت لا زيناً. فاذا احرز عدم تحقق هذين الامرين وكانت نية المواساة خالصة لاتبعد إثابته من قبل الله تعالى كما يقول السيد الخوئي. فتأمل .
والحمد لله رب العالمين.