مقالات

محاكمة صدام ... إلى أين ؟

بقلم : أحمد الخفاف

 ما أود ان اطرحه هو ذلك الهاجس الذي شغلني كما شغل كل من شاهد جلسات المحاكمة. وكل مراقب لهذه الجلسات يعلم ان هيئة الدفاع وكذلك المتهمون يحاولون ان يستغلوا منبر المحكمة ليخاطبوا الراي العام العربي ويحاولوا كسبه وكسب تعاطفه من خلال الشعارات الوطنية والقومية التي يطلقونها، فلنقف على أبرز الأمور التي طرحت من محامي الدفاع في المحكمة.
عدم شرعية المحكمة!!!
اريد ان اقول تعليقا على ذلك ما يلي:
1-من اين تؤخذ الشرعية وما هو مصدرها ؟ ان قلتم ان مصدرها هو الله فهذا اعتراف بعدم شرعية جميع الحكومات العربية وعلى مدار قرون عديدة ومنها حكم صدام نفسه , وهنا يصح لنا ان نتهم انه حكم البلاد والعباد بلا شرعية مستمدة من الله (وهنا ليس لصدام الا الاستنجاد برفيقه العزيز عزة الدوري ليبحث له عن لقب النبوة او الامامة , كما افتى له بجواز كتابة القران بدمه).. او ان مصدر الحكم هو الشعب.. فايضا لنا ان نتهمه بحكم البلاد بشكل لا شرعي , لا نه لم ياخذ اي اذن من الشعب بان يحكمه.. واذا قال اني فزت بالانتخابات فلن ندخل في جدل معه حول تلك الانتخابات ونزاهتها وانما يكفي ان نقول ان هذه الانتخابات المدعاة لم تكن الا بعد التسعين كما اظن وعليه فيكون حكمك منذ عام 1968كنائب ومن ثم كرئيس الى او ل انتخابات اجريت في البلد انما هو حكم باطل.. وعليه فجميع التصرفات التي تصرفتها في البلد وموارده وجميع الاحكام التي اصدرتها باطلة , وبما ان حادثة الدجيل قد وقعت ضمن هذه الفترة فكل ما جرى فيها من قبلك لم يكن شرعيا.
بينما الحكومة الحالية قد جاءت من انتخابات قد خرج لها الملايين من الناس , افلا تعطي هذه الملايين الشرعية. وهل يتم تجاهلها بكل بساطة.
2-قد يقال ان المحكمة غير شرعية لانها في ظل الاحتلال والاحتلال غير شرعي وباطل وما بني على شيء غير شرعي وباطل فهو باطل.. هذا ما ظهر به صدام في او ل الجلسات ويبدوانه لقن به لينهي الامر من اساسه.. ونقول: اذا كان في ظل الحكم اللا شرعي تكون المحكمة لا شرعية (لان ما بني على الباطل يكون باطلا) فكل المحاكم التي عقدت في ظل حكمك كانت لا شرعية لان حكمك لم يكن شرعيا.. وعليه فكل احكام الاعدام التي اصدرتها ووقعت عليها ولوجرت من خلال محاكمات حقيقية فهي باطلة وهذا معناه انك تسببت بقتل اعداد لا يعلمها الا الله من خلال المحاكمات وانت متهم بذلك.
هذا فضلا عن حالات القتل التي تمت بلا محاكمة او بمحاكمات صورية.. ومن هنا ينفتح الباب واسعا على كل الحكومات العربية التي يشملها نفس الكلام هذا
هل يوجد شاهد على ارتكاب صدام لجرائم حرب او ابادة جماعية
 ان المتابع لوقائع محكمة صدام هذه المحكمة التي لم يشهد التاريخ مثيلاً لها يرى وبشكل واضح مواقف وخروقات تقع مرة من نفس المتهمين ومرة أخرى تقع من محامي الدفاع وذلك من خلال الاسئلة التي يلقونها على الشهود.. بغض النظر عما يتخلل هذه الاسئلة من تعليقات هي خارج الانضباط الاصولي لوظيفتهم وحدود مهنتهم كمحامين.. فكم مرة راينا القاضي ينبههم ان ليس وقته الان الادلاء بمرافعة الدفاع وانما فقط توجيه الاسئلة الى الشاهد.. ولا ادري هل جهلا منهم باصول المرافعات او تعمدا لاستغلال الفرصة واستغلال منبر المحاكمة ومنصة الدفاع ليمارسوا اعلاما سياسيا بالقاء ما يعتقدونه من تبريرات او تضعيفات لما يلقيه الشهود.. وساتوقف عند البند الذي اظنه من اختراع المحامي القطري لانه هو الذي ركز عليه عند سؤاله للشهود..
لقد كان المحامي القطري يسال الشاهد ما يلي: هل رايت بنفسك صدام يرتكب جرائم حرب او ابادة جماعية.. وكان الشاهد يجيب بلا.. ويعيد السؤال عن المتهمين الاخرين: هل رايت احد الاشخاص الموجودين هنا يرتكب جرائم حرب او ابادة جماعية.. وكذلك يكرر الشاهد قوله: لا..
وطبعا التدقيق في السؤال يجعلنا نعرف لماذا يجيب الشاهد: لا.. ولديّ الملاحظات التالية..
1- ان هيئة الدفاع التفتت (بعد عدة جلسات) الى ان الجريمة التي يحاكم عليها صدام هي ارتكاب مجازر جماعية او جرائم حرب.. فركزت على سؤال الشاهد ب(هل رأيت) وليس سمعت او نقل لك.. حتى تبرهن ان شهادة الشهود خارج الموضوع التي عقدت المحكمة من اجلها.. وبالتالي لن يبقى قيمة لاي امر اخر يذكره الشاهد..
2- ان الشهود وبادخالهم بشكل فردي الى قاعة المحكمة فلا شك ان كلا منهم سيتناو ل قضيته الشخصية او قضية مفردة وعلى الاكثر سيذكر القضايا التي ترتبط بقضيته.. وهذا يعني ان الجرائم التي يشهدون عليها لا يمكن ان تكون ابادة جماعية. وانما ابادة جماعة من الافراد كلا على حدة ولهذا يقول الشهود لا.. لان الشهود يفهمون من كلمة ابادة جماعية انما هو قتل جماعة من الناس مرة واحدة وفي حادث واحد ولهذا يقولون لا..
3- ان قضية الدجيل لم تكن من قضايا الحرب (كالحرب مع الاكراد او مع ايران او مع الكويت) ليصدق على أي قضية من قضاياها انها من جرائم الحرب.. وهذه خدعة من هيئة الدفاع... ومن هنا ايضا ان يكون جواب الشاهد لا.. لان قضية الدجيل اصلا ليست حربا وانما هي اعدام الكثير من الاشخاص والتجريف للاراضي وتهجير العوائل واخضاع كثيرين الى السجن بلا وجه حق.. اما لان النظام اصلا ليس شرعيا ليمارس هذا الحكم.. كما الزمنا النظام بذلك وعلى لسانه ولسان دفاعه او لان النظام على فرض شرعيته لم يمارس محاكمة عادلة ومنصفة للمتهمين بالقيام بعملية اغتيال له.. وانما حكم على الظنة والشك ومجرد الاتهام.. وكذلك للتشفي والانتقام وهذا ما لا يسمح به القانون.
4- من الصعوبة بمكان بل قد يكون من المستحيل ان يكون هناك شاهد على جرائم ابادة جماعية.. فان هذه الجرائم ترتكب في ظروف يقتل فيها الجميع حتى النساء والصبيان والاطفال.. فلا يبقى هناك مجال عادة لبقاء شاهد.. ولهذا شاهدنا في المقابر الجماعية جثث للاطفال وللبنات الصغيرات وللصبيان فضلا عن النساء والرجال.. فما تطلبه هيئة الدفاع قد لا يبدوحقيقيا. وقد ينطبق هذا ايضا على جرائم الحرب.
5- ايضا من الصعوبة الاخرى هي مشاهدة صدام يرتكب ذلك بنفسه وهذه ايضا الخدعة الثانية التي يمارسها اعضاء الدفاع.. فهل يمكن تصور ان ظالم وجلاد كصدام يرتكب جرائم عظيمة او حتى جريمة واحدة ويترك شاهدا عليها من عامة الناس.. وان كان هنالك شاهد فانما يكون من اعوانه ومن المقربين اليه.. وشهادة هؤلاء ضد صدام قد يمكن اعتبارها من المستحيلات السبعة.. بينما تهمة راس النظام تكون عادة باصدار الاو امر والتوقيع والموافقة على ارتكاب مثل تلك الجرائم.. او على الاقل الاقرار وغض النظر عنها وعدم محاكمة مرتكبيها ممن هم كانوا ضمن ادارة النظام..
كان على المحامي السائل وعلى القاضي ايضا ان يبين ما المراد من الابادة الجماعية لا ان يترك الشاهد الى ما يتبادر الى ذهنه من معنى قد لا يكون هو المعنى المتهم به صدام.. لان وضوح المعنى يجعل الشاهد يجيب بالشكل الصحيح..