تقارير

التلوث البيئي في العراق الكارثة الخفية

 

 إعداد :أحمد عبد الحمزة الشيباني

 أدى استخدام الذخائر المشعة لليورانيوم المنضب من قبل القوات الأميركية وحلفائها، في حربين طاحنتين في العراق وأراضي بعض الدول العربية المجاورة له، وعلميات السلب التي تعرضت لها منشآت ومواقع العراق النووية الى كارثة بيئية وصحية نجمت عما خلفته تلك الذخائر المصنعة من نفايات نووية، وهي مشعة وذات سمية عالية، ومن نتائجها انتشار أمراض سرطانية وأورام غريبة وعلل وتلف جهاز المناعة وأعضاء وأنسجة أخرى وتشوهات ولادية وولادات ميتة وعقم وغيرها، ستتوارثها أجيال المنطقة لاَلاف السنين.

من المعروف ان تطلعات العراق النووية ودعوى امتلاكه لاسلحة الدمار الشامل وتهديده للامن والسلم العالميين بسبب ذلك كان المسوغ الاساس والذريعة الاكبر لدخول القوات الامريكية للعراق لذا فانه كان من الطبيعي ان تتوجه القوات الامريكية بكل ما تمتلك من قدرات للبحث عن هذه الاسلحة المزعومة على الاقل لضمان عدم استخدامها ضدها في حرب خسر فيها الاخر كل ما يملك وكان من المفروض ايضا ان تحاط كل تلك المواقع والمنشآت بحماية خاصة لو تمت لكانت كفيلة ان تمنع أي سلب لتلك المنشآت وبالتالي عدم حصول أي تسريب واضرار عشوائي بالبيئة لكن ما حصل غير ذلك فقد تركت القوات الامريكية تلك المواقع والمنشآت بلا أي حماية فنالها من اثار السلب والنهب ما نال غيرها من المؤسسات مع انها ليست كغيرها لما تحمله من خطر غير مرئي ولقد حذّر الخبراء من خطورة هذا الموقف ولم تكن الجهود المحلية في ظل الفلتان الامني بقادرة على السيطرة على الموقف كما لم يسمح لمفتشي الامم المتحدة الدخول الى العراق عقب الحرب ومتابعة هذه القضية الا بعد انتظار طويل وتكرار طلب من الوكالة الدولية للطاقة الذرية IAEA التابعة للأمم المتحدة من الإدارة الأميركية مراراً، بدخول العراق للوقوف على ما حصل للمواقع النووية العراقية عقب عمليات السلب والنهب لها، وسمح للوكالة الدولية، اخيرا بتفقد موقع التويثة النووي وغيره، ولتحديد ما تم فعلا سرقته من اليورانيوم. وكانت مهمة البعثة،التي تضم 7 خبراء دوليين، تحديد ما اذا كان مخزون اليورانيوم الذي كان موجودا في الموقع قبل الحرب على حاله. وكان المدير العام للوكالة الدولية د. محمد البرادعي قد عبر عن قلقه الشديد من امكان شمول عمليات النهب مواد نووية. وخشية وكالته انتشار التلوث بين السكان، وان تكون عمليات النهب شملت مواد مشعة تستخدم في صناعة "القنابل القذرة"..

القوات الامريكية موقف غريب
ومن المريب حقا ذلك الموقف الذي وقفته الإدارة الأمريكية من التلوث البيئي الخطير،الذي يهدد الشعب العراقي. فادارة بوش تعتبر نفسها صديقة، ومحررة للشعب العراقي من النظام الدكتاتوري، وتدعي بأنها تتمنى للعراق الخير والتقدم والازدهار، بينما ألحقت قواتها بشعبه أبلغ الأضرار البيئية والصحية، مهددة حاضره ومستقبله، حيث يؤكد العلماء أن تأثيرها لن يقتصر على جيله الحالي، بل وسيطال أجياله اللاحقة.. ووقفت موقفاً لا مبالياً حيال التلوث الإشعاعي، الذي حصل عقب عمليات السلب والنهب، التي جرت، في العراق، وطالت المواقع النووية العراقية، وأسفرت عن سرقة العشرات من الحاويات والبراميل والصناديق المخصصة لحفظ الملوثات، وسكب محتوياتها.. جرى ذلك على مدى أسبوعين، وأمام أنظار القوات المحتلة، ولم تقم بأي أجراء جدي لإيقافها، ولا لدرء مخاطر التلوث الإشعاعي.. ليس هذا فقط، وإنما واصلت، وعلى مدى 4 أسابيع، المماطلة في الاستجابة لطلب الوكالة الدولية للطاقة الذرية بدخول العراق للتأكد من المواد المفقودة من المواقع النووية المسجلة لديها، وتقدير حجم التلوث الإشعاعي المتسرب، والحد من أخطاره على المواطنين، ضاربة عرض الحائط بالتحذيرات التي أطلقها العديد من إختصاصيي الوكالة المذكورة، وقبلهم خبراء في هيئة الطاقة الذرية العراقية، من إحتمال تعرض بغداد الى تلوث إشعاعي خطير، بعد الانتشار السريع لكميات كبيرة من النفايات المشعة من مواقع خزنها داخل مبنى الهيئة وفي محيطها، والى كثير من البيوت والى الأحياء السكنية المجاورة والقريبة، وتأكيداتهم بان موجة السلب والنهب الواسعة، التي سببها غياب السلطة المركزية، وموقف اللامبالاة الذي وقفته القوات الأميركية، وبضمنها القوة التي كانت موجودة داخل مقر الهيئة، قد شملت المقر ومحتوياته النووية. في هذا السياق رفضت الإدارة الأميركية إزالة مخلفات الحرب الأخيرة، المضروبة بذخيرة اليورانيوم المنضب، المنتشرة في أرجاء العراق، بذريعة أنها "غير مضرة"، وهي تعلم أن ذخيرتها بقدر ما هي سلاح فعال ضد المدرعات،إلا أنها خطيرة جداً صحياً وبيئياً، لكونها مصنعة من النفايات النووية، ولها تأثير مركب- إشعاعياً وسام كيمياوياً- كما أثبت العديد من العلماء المختصين المستقلين، ومنهم العالم الألماني سيغفرت-هورست غونتر، والعالم الأمريكي دوج روكي، والعالم البريطاني كريس بسبي، والعالم الكندي هاري شارما، والعالم الأمريكي (كرواتي الأصل) أساف دوراكوفيتش، والباحث البريطاني داي وليامز، والباحث التشيكي يان فالو. ولليوم لم تسمح لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة UNEP لدخول العراق لإجراء مسح ميداني شامل لتقييم المخاطر البيئية الناتجة عن استخدام أسلحة مزودة بمواد كيماوية سامة او يورانيوم منضب، مع ان رئيس البرنامج د.كلاوس توبفر نبه الى ان صحة العراقيين معرضة للخطر بسبب القذائف الخارقة للدروع المحتوية على اليورانيوم المنضب، التي استخدمت في حرب الخليج عام 1991، والحرب الاخيرة وقد تحولت هذه الاليات المدمرة الى مادة اولية دخلت في الصناعة العراقية المحلية والاواني المعدنية تحديدا بعد ان رفضت دول الجوار العراقي استقبال الملوث منها بالاشعاعات والمواد الكيميائية حيث اعترفت الكويت والامارات بانها اعادت شحنات من السكراب الملوث الى العراق بعد ان اثبت الفحص بانها تحتوي على سكراب ملوث بمواد اشعاعية وسامة.

تجاهل مريب

لقد تجاهلت الإدارة الأمريكية مناشدة الخبراء العراقيين، ومنهم: المهندس الكيمياوي مهدي نعيم طارش، والإختصاصي بالفيزياء الإشعاعية علي حسن عزيز، والمهندس النووي د.حامد الباهلي والخبير البيولوجي د. محمد زيدان، للقوات الأميركية المحتلة، وللجهات الدولية المعنية، وفي المقدمة منها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بأن تتدخل فوراً لدرء الخطر والسيطرة عليه، وتوفير الحماية للمواطنين منه، وإجراء مسح شامل في المنطقة، ومن ثم في المحافظات الأخرى، للتأكد من عدم إنتقال التلوث اليها. وأهملت تقارير ميدانية تؤكد خطورة الوضع. وكشف فيه عن معدلات عالية للإشعاع المتسرب في المنطقة المحيطة بمقر هيئة الطاقة النووية العراقية في التويثة. والأمر ذاته ينطبق على مخزن النفايات النووية الذي يحتوي على كميات كبيرة من المركبات والمساحيق والمواد المشعة، وقد تسرب بعضها بالفعل.وأكد التقرير أن خطراً حقيقياً ومرعباً انطلق من هناك، وبحسب تحذير العلماء لن توقفه أي حدود ما لم يتم تداركه، وقد ظهرت أولى نتائج ما حدث في المناطق المجاورة لمقر هيئة الطاقة ، حيث تعرض المواطنون لجرعات متفاوتة من الإشعاع، بسبب استخدامهم للحاويات الملوثة.وسجلت أجهزة القياس معدل عالٍ من الإشعاع في منازلهم وعلى مواشيهم وطيورهم.ونبه الخبراء، وأن محاولة الأهالي التخلص من التلوث بطرق غير صحيحة أدت إلى نشره في رقعة أوسع.وحذروا أيضاً من ان مواد كيميائية قاتلة وغازات سامة وبكتيريا وجراثيم تستخدم للأغراض التجريبية فقدت، وقد إختفى البعض من حاويات النظائر المشعة.
وفي ظل الشلل التام لهيئة الطاقة النووية العراقية المسؤولة عن مثل هذه الحوادث، بسبب الانفلات الأمني، وعدم قيام القوات المحتلة بأي إجراء جدي مطلوب، تفاقمت المشكلة، لاسيما وان سراق البراميل والحاويات يجهلون ما فيها، فقاموا بنقل التلوث الإشعاعي الى بيوتهم، وعرضوا عوائلهم لخطره. ولجهلهم أيضاً تصرفوا مع محتوياتها بطرق عشوائية مختلفة، ألحقت أضراراً بالبيئة العراقية، قد تتعدى أخطارها الحدود العراقية-بحسب خبير نووي، حيث كان البرميل الواحد يحتوي على 300-400 كغم من اليورانيوم المشع، النوع المسمى" الكعكة الصفراء وقد سكبت كمياتها، إما على الأرض، او في نهر قريب، او في بالوعات منزلية، وإستخدموا البراميل الفارغة، الملوثة بالإشعاع، لخزن الماء، ولحفظ الاغذية، ولجمع الحليب، ونقلوا منه، بواسطتها، كميات كبيرة الى معامل تصنيع الألبان، وشربوا من الماء، والحليب، وتناولوا الطعام، وتناول الآخرون الأجبان الملوثة بسببها.. والطامة الكبرى أن القياسات الإشعاعية،التي أجراها الخبير النووي المهندس حامد الباهلي للعشرات من البيوت المحيطة بمقر هيئة الطاقة الذرية العراقية، بينت تسرب التلوث الإشعاعي الى كل مكان، حتى في الأفرشة، والملابس، ووجده في أزرار ملابس طفلة بعمر 10 سنوات.وكان بدرجة خطيرة جداً، إذ بلغ 30 ملليرات في الساعة، بينما الجرعة المسموح بها هي 0.02 ملليرات،أي أكثر بحدود 500-600 مرة. وكان التلوث بيورانيوم "الكعكة الصفراء".وهناك تلوث أخطر- بنظائر مشعة، كانت محفوظة في حاويات، وكان شكلها جذاباً- يشبه، أحياناً، العملة، جميل وبراق، فيتصوره الإنسان العادي كعملة معدنية، أو تحفة ثمينة.هذه النظائر المشعة الخطرة نهبت أيضاً، ووضعها السراق في جيوبهم، وربما قدموها لأطفالهم، أو هم يحتفظون بها الآن في بيوتهم، وربما انتقلت من مكان الى اَخر، والجميع يجهل خطورتها كمادة مشعة، ستسبب لهم، ولذويهم، أو للآخرين، مخاطر صحية كثيرة. فكل من لمسها او اقترب منها معرض للخطر-كما يؤكد الخبراء، ليس بالضرورة الآن، وإنما بعد أشهر، أو بضعة سنوات.من المؤكد تعرضه لخطر الإصابة بالسرطان، والأورام الخبيثة، والتشوهات الولادية وغيرها.وقد تبدأ الأعراض على نحو بسيط- مثل الصداع والتقيؤ، وتنتهي بالوفاة، إذا كانت الجرعة عالية. وقد تبدأ على نحو اَخر، بشكل بطيء. علماً بأن كميات كبيرة من هذه المواد المشعة نهبت من مقر التويثة، بحيث لم يبق منها فيه سوى حاويتين إثنين فقط، من مجموع العشرات. وكان يوجد في التويثة قبل الحرب نحو طنين من اليورانيوم المنخفض التخصيب، ونحو 94 طنا من اليورانيوم الطبيعي، وكميات أقل من مادة السيزيوم عالية الاشعاع والكوبالت والسترونيوم المخزنة في التويثة ويضاف للدمار البيئي الذي خلفته عمليات السلب التلوث الناجم عن استخدام الاسلحة المحرمة دوليا والتي تحتوي على مواد مشعة ذات تأثير خطير على البيئة وتشير الدراسات والتي منها الدراسة الميدانية العلمية الكبيرة، التي أجراها المركز الطبي الدولي لأبحاث اليورانيوم UMRC في سبتمبر(أيلول) ـ أكتوبر (تشرين الأول) 2003، التي وجدت ان التلوث الاشعاعي منتشر في كافة مدن وسط وجنوب العراق، وبدرجة خطيرة، بلغت في بعض المواقع التي تعرضت للقصف بذخائر اليورانيوم المنضب، أكثر من 30 ألف مرة الحد المسموح به وقد تعرض أثنان من الفريق العلمي الذي قام بقياسات الإشعاع في المناطق المضروبة، هما البروفسور تيد ويمان من كندا، والبروفسور محمد الشيخلي من العراق، للإصابة بأعراض تسمم إشعاعي حادAcute Radiation Syndrome مع أنهما لم يمكثا هناك أكثر من أسبوعين، وكانا يتخذان مع باقي أعضاء الفريق العلمي إجراءات وقائية.. فما بالك لو مكثا فترة أطول، أو كانا أثناء القصف؟وقد اثبتت فحوصات متقدمة أجريت لمرضى ولعينات أخذت من بول ودم وعظام، ورئات جنود أميركيين وكنديين وبريطانيين وبوسنيين وأفغان وعراقيين، أموات وأحياء، انهم تعرضوا لتأثير إشعاعات الذخيرة المذكورة، وأثبتت وجود اليورانيوم المنضب فيها. وقد حذر علماء وباحثون وأطباء من المناوئين للذخائر المشعة، من مغبة تجاهل مخاطر تلك الذخائر على البيئة والصحة العامة، منذ أول استخدام لها في ميادين القتال "الحية" عام 1991، ونبهوا الى أن الحدود لا تعيق انتقال إشعاعات اليورانيوم من بلد الى آخر عبر الرياح والمياه الجوفية.
الحكومة الوطنية:واجبها امام الكارثة
لقد عاش العراقيون الوان المحن والبلايا لاسيما مناطق الجنوب ومحنة انتشار المواد الملوثة اليوم واحدة من اشد المحن فهي لا تميز بين صغير وكبير ورجل او امرأة ولا ترحم من تطأه بما تسببه من امراض مستعصية وعاهات لذا فان المواطن ينتظر من الجمعية الوطنية القادمة ان تتبنى برنامجا لتخفيف معاناة العراقيين من جراء استشراء الافات بسبب انتشار هذه المواد برنامجا لازالة هذه المواد وتطهير البيئة منها واخر لتخفيف معاناة الذين طالتهم هذه السموم غير المرئية.