الافتتاحية

 

 

 

ترويــــج الأفــكار بين الســـلب والإيجـــاب

 

بقلم : رئيس التحرير

 منذٌ عقود من الزمن والعالم يتجه نحو تحقيق واقع فعلي لما يسمى بالغزو الثقافي أو صراع الحضارات والثقافات من خلال تصدير الأفكار إلى شعوب العالم وخصوصا الشعوب المسلمة ... من هنا نعرف السر في كثرة وسعة انتشار مصادر ووسائل الإعلام وترويج الأفكار حتى بات لا يخلو مكان أو بيت من وسيلة أو أكثر من هذه الوسائل ولكل منها مشربها وهدفها الخاص التي تسعى إلى تحقيقه ...
والخطورة في الأمر هي أن كثيراً من هذه الأهداف خفية وغير معلنة بل هي من الخفاء ما يصعب على كثير من الناس إدراكها إلا بعد تسللها وارتكازها داخل نفس المتلقي فيتفاجئ بها عندما تظهر كجزء من ثقافته ومتبنياته الفكرية .
فبعدما كان الشخص مختارا لمنهل أفكاره وتوجهاته مقتصرا على تناولها من خلال الوسائل المتاحة وهي محدودة بالطبع كالكتاب مثلاً، أصبح الآن محاصراً بكم هائل من الوسائل الإعلامية والفكرية كالقنوات الفضائية وشبكات الانترنت حيث ساعدت التقنية العلمية الحديثة على سهولة تناول هذه الوسائل من خلال الأجهزة الشخصية كالكمبيوتر الجيبي والنقالات وغيريهما ...
ومما يزيد الخطورة هو أن أغلب المتلقين من السذاجة والبساطة بحيث يستخدمون هذه الأجهزة و يتابعون هذه البرامج بشكل مفرط دون وعي أو التفات إلى غايات وأهداف تلك الجهات ...
بل لعل الخطر بات يهدد معظم المتلقين ومنهم المثقف وذلك لكثرة وتنوع وسهولة الانتقال بين البرامج والتي معها يحصل التشتت وعدم التركيز فيما يبث من أفكار، فيحصل الخلط وعدم القدرة على تمييز الغث من السمين والنافع من الضار ...
ولا يخفى على أحد أن تأثير هذه البرامج والأفكار والتقنية الحديثة على شعوب البلدان التي عانت من الظلم والجور والانفصال عن مواكبة العالم سنين طوال يكون تأثيرها أكبر وأسرع، بل من الصعوبة بمكان السيطرة عليه سيما إذا كان الانتقال والانفتاح على هذه التقنية بشكل مفاجئ وسريع . ومن هذا الواقع المرير والمؤلم صار من اللازم على كل فرد الالتفات لما يدور حوله من محاولات وخطوات جادة لتسميم الأفكار وحرف المرتكزات الحقة والأخلاق السامية ...
وأول شيء عليه أن لا يحسن الظن أبدا بواهبي تلك التقنية والبرامج بهذا الشكل المفرط، وعليه أيضا أن يتوجس خيفة بما يطرح من أفكار وأن لا يتعامل معها بسذاجة وبساطة ...
وكذلك عليه أن لا ينجر كالأعمى لامتلاك ما يطرح في الأسواق من أجهزة ذات تقنية حديثة من دون أن يكون المناط في امتلاكها هي الضرورة مقتصراً على ما يلبي حاجته الفعلية متجنباً الكماليات المشبوهة ...
ومن المهم أيضا أن يعاود ـ وعلى الدوام ـ إلى مناهلنا العذبة لتلقي الأفكار الصحيحة والأخلاق السامية حتى ترتكز في النفس فيمتلك بذلك الحصانة الكافية من تسلل الأفكار المشبوهة داخل نفسه ...
ومن المهم أيضاً قيام أفراد وجهات مثقفة بدور المتابع والموجه للقاصرين من الشباب والبسطاء من الناس وتحذيرهم باستمرار من خطر تلك الأفكار وسلبيات ارتكازها في النفس حيث تظهر بعد حين على شكل ثقافة وأفكار متبناة من قبل المتلقين، وذلك من خلال كشف مضامين وأهداف تلك الأفكار والبرامج وخبث أساليب طرحها وتأثيراتها السلبية على الأفكار والأخلاق ...
وكذلك من الضروري وضع الخطط والبرامج والأفكار الهادفة وبثها في المجتمع من خلال استخدام نفس تلك الآلات الإعلامية والتقنية الحديثة لتكون البديل والرافد والمنهل المأمون للمجتمع إذا ما اضطر لاستخدام تلك الأجهزة والغور في عالمها البرمجي والتقني .
بقي شيء أخير لابد منه أيضا في مقام مواجهة هذا الخطر وهو بث روح مسؤولية التصدي والتصحيح لدى أفراد المجتمع بأسره بحيث أن الكل يستشعر ذلك التكليف لينهض بكل ما أوتي من إمكانية وقدرة لتحصين المجتمع من الآثار السلبية لتلك الأفكار التي تودي بمبادئ وأخلاق مجتمعاتنا المسلمة .