|
يقول (نيتشه) (أن الأقوياء يتعبون أحياناً).
وهذا دأب البشر فهم ككائن كُتب له حدٌ من الطاقة لابدّ أن ينفذ. لكن العجيب
انه منذ ما يقرب من ألف وأربعمائة عام كتب على صنف منهم أن تلقى الأحمال
والجهود عليهم وكتب لهم أن لا يتعبوا. ولو تتبعنا حالهم منذ السقيفة وإلى
زمن الذبح الأعمى والسيارات المفخخة للاحظناهم أنهم كلما ذبحوا ونزفوا
وقطّعت أشلائهم ازدادوا قوةً وإصراراً مثلهم كمثل المسمار كلما زاد الطرق
عليه زاد ثباتاً.
ولو أردنا أن نستكشف سرّ تلك القوّة فلا اظننا نجدها في أجسادهم البالية
التي غطتها سمرة الفقر ولا في معدهم الخاوية ولا في جيوبهم الفارغة وأراك
تظل حائراً في استكناه هذا السر العجيب.
لكن مائزهم عن غيرهم أنهم عطّروا قلوبهم بالحب والمودّة، مودّة سأل الله أن
توجد في قلوب المحبين ولم يسأل غيرها قط. ولعل ذلك هو سر قوّة هؤلاء فالقلب
لا يهمه ضعف الجسد ولا يهمه لون البشرة ولا يهمه الجوع ولا يهمه المال فهو
قوّة كلما أخذت منها ازدادت وعظمت. ولذا ترى العالم كله يحاول جاهداً إيجاد
ماء الخلود وألماسة الشرق وتراه يبحث وينقّب في الأراضي القفر ويعبر
الأبحار بحثاً عن القوّة التي يظن الكثير أنها في ذهب أسود، لكن هؤلاء
الباحثين مع إنهم أقوياء يتعبون، أما المساكين السمر فإنهم لا زالوا يسيرون
بنفس تلك القوّة التي ساروها يوم الطّف فإن قوّتهم لن تنطفئ. ولعل ثمة سر
آخر لقوتهم أيضاً وهو أن هؤلاء أضافوا لحب قلوبهم أملاً في انتظار صاحبهم
هذا الأمل الذي لا ينطفئ والذي يستذكره الشيعي وقت شدّته ليندبه ويعجّل
الفرج بلقياه والأمل كما يعرف الجميع سرّ من أسرار البقاء. وزاد لا ينضب
لمواصلة الطريق.
فمولاي يا صاحب الزمان لن نقول تعبنا مع أن التعب قد مزّق صدورنا لكن ليس
من ذبح الذابحين بل مزّقه انتظار لقياك. |