تقارير

 

  بداية الظاهرة
بدات حكاية الترويج للإباحية الجنسية المعاصرة مع ظهور ما أطلق على تسميته "الثورة الجنسية"،وذلك في العام1964 حيث روج في أول الأمر للقيود التي أدعوا إنها تكبل البشرية بالتقاليد البالية والجامدة والأخلاق الكاذبة التي تستخدمها الرأسمالية والبورجوازية للتحكم في المستضعفين، ووعد "مساكين" العالم وضعفاؤه بيوم الحرية المنشود، وقيل لهم لا يمكن أن تتذوقوا للحرية طعما إلا بتكسير كل الاغلال التي تحرمكم من الاستجابة لغريزتكم الطبيعية، فكانت منها بداية الدعوة للتحرر واطلاق العنان للشهوات لتنطلق كيف تشاء وأنى تشاء، .وقد كان من شعارات تلك الثورة المعلنة "استمتعوا بغير عقبات" و"يمنع الممنوع.
وقد اعتبر أن سنوات 1964 إلى 1973 سنوات "الثورة على النظام القديم" .
وبسرعة فائقة، اجتاحت الشباب في الغرب كله من أوروبا الشرقية إلى أميركا مرورا بأوروبا الغربية، عاصفة من التمرد على القيم الأخلاقية المرتبطة بالغريزة الجنسية، مرتدية لباس التحرر، متخذة مظاهراً مختلفة.
وفي نهاية ستينيات القرن الماضي، برز اسم المحلل النفساني النمساوي "ويلهيلم رايخ" المتوفى عام 1957، والذي احتل مكان الصدارة في نشر الإباحية حتى أصبح رمزا من رموزها، وقد خلف هذا المحلل اليهودي عدة كتب في موضوع الغريزة الجنسية منها كتابه الشهير الذي سميت حركة التمرد باسمه "الثور الجنسية"، وكتاب "الكفاح الجنسي للشباب" وغيرهما.
ومع بداية عام 1968، وفي جامعة "نانتير" بفرنسا، أدت محاضرة حول "ويلهيلم رايخ والجنس" إلى "الكفاح" ضد القانون الداخلي للجامعة، وهي الشرارة الأولى لظهور حركة "22 مارس"، ومن أشكال تلك الدعوة السعي إلى إسقاط القانون الذي يفصل الطلاب عن الطالبات في الأقسام وفي المساكن الجامعية فكانت الثورة البرولتارية، من جهة، والثورة الجنسية من جهة أخرى. هكذا ربط "ثوار" ستينيات القرن العشرين بين الثورتين في معركة واحدة، وبالإضافة إلى كل هذا كان رايخ ممن يقولون بالتحرر الجنسي للأطفال والمراهقين من قبضة الآباء والأمهات "الصانعين للأيدولوجيات المتسلطة والأفكار الذهنية المحافظة".حسبما كانوا يعبرون.. لتكون البداية، لإندلاع الشرارة الأولى للتمرد ضد القوانين والأخلاق، فهل تحققت الحرية المنشودة؟ والسؤال الذي يتبادر للذهن بعد أكثر من ثلاثين سنة؟ هل تحققت السعادة المطلوبة عند أتباع تلك الرغبة. لقد سقطت الأيدولوجيا الشيوعية ومعسكرها الشرقي دون أن تسقط "الثورة" الجنسية؟ بل على العكس تصاعدت موجة الإباحية محطمة حدود الدول والقارات والمجتمعات جاعلة من العالم كله شبكة دولية لثقافة الجنس الرخيص، وتجارة كبيرة وصناعة عريضة مبتكرة جعلت من المرأة السلعة والأداة، فبعد أكثر من ثلاثين سنة، انقلبت صورة العالم إثر تحولات اقتصادية وسياسية كبرى، وكان سقوط المعسكر الشيوعي منعطفا حاسما في تلك التحولات وعلامة من علامته البارزة، فضاعفت الرأسمالية الغربية عامة، والأميركية خاصة، الخطى نحو الهيمنة الواسعة على العالم والتحكم في مقدراته.
وتحولت البرجوازية عن شكلها القديم لتأخذ شكلا جديدا وتحولت الثورة التي قام بها الفقراء الى سلاح بيد الاغنياء و بظهور الاقتصاد الحر والسوق الحرة، ومن ثم الاستهلاك الحر، تحول الجنس إلى بضاعة حرة تروج في سوق الرقيق وتخضع لقوانين العرض والطلب.
يقول أحد الباحثين في هذا المجال وهو ميكايل بولاك "في الستينيات أنتجت عملية التحرر انفجارا في تجارة الجنس، فبجوار الحانات وقاعات السينما وقاعات الملاهي الليلية، لوحظ نمو صحافة الشذوذ الجنسي، فهل قمنا بالثورة ليكون لنا الحق في فتح سبعمائة حانة زائدة".
وتساءل فريديريك مارتل قائلا "لماذا نزعم بتحريك العالم الجمعوي والنضالي عندما تتحول الغاي برايد (تجمع الشواذ) إلى عملية استهلاكية ضخمة تتولى تنظيمها شركة تجارية ذات أهداف اقتصادية أكثر منها نضالية، وعندما تحل، بدل المطالب، عملية تسويقية للصدريات والأقمصة والساعات اليدوية والمناديل ذات الألوان القزحية، بل ينظم يوم زيارة شاذة لقصور اللوار مقابل 579 فرنكا فرنسيا؟
واذن فقد تبخرت الحريات المزعومة المتوهمة، وتحولت "الثورة" الجنسية إلى "ثروة" جنسية، وانزلق الكثير من المنادين بالتحرر إلى عالم الدعارة الظاهرة والمبطنة، وأصبح الكثير منهم على رأس شبكات النخاسة الجديدة والمتاجرة بالرقيق الأبيض وهذه تجارة عملاقة تستطيع ان تسحق أي احد يمكن ان يقف في طريقها
وتذكر بعض الإحصائيات الخاصة بالولايات المتحدة ان أرباح تلك التجارة يفوق مداخيل دور الإعلام في الولايات المتحدة.
و يقدر بعض الخبراء والجمعيات المهتمة أن الرقم يتراوح بين 15 و20 مليار فرنك فرنسي وتذهب نسبة 70% منها إلى جيوب الوسطاء.
وفي الولايات المتحدة وحدها يتراوح الرقم بين 10 و14 مليار دولار في السنة، ولا ينافس الأميركيين في هذا المضمار إلا الألمان. وفي الوقت الذي تستمر فيه تلك المنظمات بالترويج والتبشير لبضاعتها بشعارات تحرير المراة لفتح اسواق من النساء اللاتي يمكن ان يكن مادة اولية جديدة لتلك التجارة وفي المقابل لاتحصل تلك النساء المغرر بهن الا على قوتهن اليومي


عودة النخاسة برعاية الراسمالية
امام الطلب المتنامي والكبير للمادة الاولية في تجارة الدعارة كان لابد للشبكات الكبرى من البحث عن مصادر للمادة الاولية فالقوانين الحاكمة في البلدان المتقدمة تحد من نشاط تلك المؤسسات لذا فهي في سعي دائم لاكتشاف مصادر جديدة في وقت يتعذرفيه على المراقبين وضع حدود دقيقة لشبكتها الممدودة شرقا وغربا وشمالا وجنوبا لأسباب مختلفة، منها تورط أجهزة المراقبة وسهولة شرائها وإسكاتها، و تبدو مثل كوكب من جمعيات المخربين وزعماء المافيا تتبادل فيما بينها خدمات ومساعدات ومنافع وتعقد الاتفاقيات، أو تذهب إلى عين المكان للعرض وتلبية الطلب. ويتجاور في الميدان ما هو تقليدي وما هو جديد وعصري، ويتعايش الذين يديرون تجارة التقسيط الأصغر مع الذين ينظمون العمليات الكبرى لاستيراد وتصدير النساء والبشر بشكل عام ويمكن لأي احد اليوم أن يقدّم طلبا للحصول على طفل قاصر بفضل تقنيات الاتصال المتطورة، كما تقول المرأة المكلفة بالطفولة في فرنسا كلير بريسيه، حين كشفت عن وجود أطفال للبيع الجنسي بعضهم في سن الصبا والرضاعة قتلوا بعد استغلالهم جنسيا وقد اعتاد العالم على ملاحظة عودة الإباحية، مع كل ثورة، وكمثال على ذلك الكيبيك بعد "الثورة الصامتة" مع مطلع ستينيات القرن العشرين التي وضعت حدا لاحتكار الكنيسة الكاثوليكية للنظام التربوي التعليمي.
وكذلك ما حدث في إسبانيا بعد فرانكو أواخر عام 1975 حيث استسلمت لطلبات التحرر في مهرجانات "لاموفيدا".
وفي الماضي القريب، استأثرت جنوب أفريقيا بالانتباه عقب سقوط نظام التمييز العنصري وصعود الزعيم نيلسون مانديلا إلى الحكم إذ بعد عشرين شهرا من انتخابه، كتبت أسبوعية "لوكورييه أنتيرناسيونال" أن أحياء الدعارة تناسلت سريعا في كبريات مدن البلد. وقد استفحل أمر هذه الشبكات في الشرق الأوروبي بعد انهيار الدولة الشيوعية السوفياتية، وأصبحت المنظمات الخطيرة مطلقة الأيدي للمتاجرة بكل الممنوعات، وعلى رأسها تجارة الدعارة المدرة للأموال، على عكس المادة المخدرة، كما قال مايكل سبيكتير معلقا في صحيفة "لو كورييه أنتيرناسيونال": بأنه يباع مرة واحدة وينتهي الأمر، لكن النساء يجلبن أموالا لفترة أطول..".
وتحتل مدينتا موسكو وكييف مكانة متقدمة في التجارة المدمرة، وتزدهر شبكات أخرى في كل من بلغاريا وبولونيا وسلوفاكيا ورومانيا ودول البلقان التي يقال إن ثمن امرأة واحدة يتفاوض عليه انطلاقا من 100 ألف فرنك فرنسي.
ونقل رولان بيير بارانغو في مقال له نشر بصحيفة "لوموند" الفرنسية بعنوان "المرآة للأوكرانيات" أن أكثر من 14 ألف ألبانية يمارسن الدعارة في أوروبا.
وحسب السلطات الأمنية الألبانية، فإن ما بين 30 و40% منهن اختطفن من بلادهن وأدخلن إلى عالم الدعارة بالقوة في الخارج، و40% منهن قاصرات.
ويقدر الإنتربول الدولي أن دخل السمسار الواحد في أوروبا من هذا "العمل" يصل إلى 720 ألف فرنك فرنسي في السنة عن كل امرأة. وعقب إلقاء القبض على سماسرة بلغاريين في فرنسا، أورد الصحافي فيليب موتا في مقال له نشر بصحيفة "لوفيغارو" الفرنسية بعنوان "عبيد الشبكة البلغارية" أن المتاجرين يديرون تجارة مغرية، "فكل فتاة تحصل على متوسط مال يقدر بمليوني فرنك سنويا، وبعضهن جمعن أكثر من 10 ملايين فرنك في بضع سنوات، لكن لم يكن لهن منها سوى "ساندويتش" وبعض الفاكهة كل يوم.
ولم يقتصر الأمر على الشبكات غير القانونية فحسب، بل توجد أشكال أخرى من المتاجرة بالرقيق الأبيض بطرق "قانونية" واضحة، وتحت سمع وبصر السلطات الرسمية، بل تحت رعايتها وحمايتها.


العودة للعفة هي الحل
اربعة عقود استغرقها العالم ليدرك الخطر الكبير الذي يتهدد تلك المجتمعات التي انتهجت سياسة الاباحية ولذا فقد ظهرت الدعوات للعودة الى الأخلاق والعفة من جديد، وأطلت مرة أخرى من الولايات المتحدة حيث ظهرت جمعية كبيرة تدعى "Adolescent Family Life Act" التي ولدت على عهد الرئيس ريغان وبدأت في عهده تسجل خطواتها الأولى للتبشير بالعفة قبل الزواج.
هذه الدعوة انخرط فيها كل الرؤساء الجمهوريين والديمقراطيين، وقبل وصول جورج بوش الابن إلى البيت الأبيض وصل السقف المالي الممنوح لهذه الحركة إلى 135 مليون دولار في السنة.
وتتلقى المؤسسات الدراسية الجامعية والجمعيات التي تدعم برامج الاستعفاف مساعدات مالية متصاعدة. ويدعى المراهقون إلى الانخراط في جمعيات مثل "لست أنا.. ليس الآن"، "على الحب أن ينتظر" و"أصدقاء أولا"، للتعاون على احترام الالتزام الجماعي بالاستعفاف.
إلى غاية سنة 2005 وصل عدد الفتيان والفتيات الذين قبلوا التوقيع على هذا العقد الأخلاقي حوالي مليونين ونصف المليون، ويلح المنخرطون في هذه الحركة على أنه من اللازم أن يتعلم العضو التحكم في نزواته وشهوته الجنسية لتكوين شخصيته واحترام الآخر.
وان لا يكون الجنس بالنسبة إليهم مجرد لعبة ترفيهية يكتفي فيها الفتى والفتاة بمعرفة تقنياتها.
وكانت الأسبوعية الأميركية الشهيرة "نيوزويك" قد نشرت تقريرا عن حركة العفة الأميركية في نسختها العربية أهم ما فيه مقالان حول تمسك المراهقين الأميركيين بالعذرية والعفة، وانخراط الحكومة الأميركية الحالية في ذلك، بل ودعمها المالي والمعنوي للاختيار الجديد عن طريق الزيادة في السقف المالي المخصص للإنفاق على برامج العفة ليصل إلى 135 مليون دولار عام 2003 بعد أن كان في حدود 60 مليون دولار عام 1998.
ومن الجدير ذكره أن برامج العفة التي تشترك فيها العديد من الهيئات والجمعيات والمؤسسات التعليمية وصلت إلى 700 برنامج، وتجد إقبالا متزايدا من الأبناء والآباء.
ومما جاء في تقرير لورين علي وجولي سيلفو أنه "وفق دراسة أخيرة أجرتها مراكز السيطرة على الأمراض، ارتفع عدد طلاب المرحلة الثانوية الذين يقولون إنهم لم يمارسوا الجنس بعد بنحو 10% بين عامي 1991 و2001
 وفي سويسرا نشرت أسبوعية "الإيبدو" استطلاعا مطولا للصحافية السويسرية "صابين بيرولت " عن عودة ظاهرة العفة إلى صفوف الفتيان والفتيات، وساقت عدة شهادات لهؤلاء الفتية .