|
أول موقف وقفه الإمام الحسين (ع) بوجه طغيان الأمويين وجبروتهم أن رفض
البيعة ليزيد عليه اللعنة فقال لعامله حين جاء يطلب البيعة ليزيد ان مثلي
لا يبايع مثل يزيد فكان ذلك منه (ع) رفضاً وتسمية للأمور بمسمياتها ليعرف
كل ذي حجم حجمه مع ما كان يمثله يزيد اللعين من كونه على رأس هرم سلطة
الأمويين بجبروتها وطغيانها واستحلالها للمحارم ووقف أتباع الحسين (ع) على
مر التاريخ يمجّدون هذه الوقفة ويسمّون الأمور بمسمياتها أيضاً وكان أمام
كل طاغية من طواغي الحكم صرخة وصفحة يتلقاها على ألسن أتباع الحسين (ع) وهم
يرددون شعاراته(ع) في كل عام . ثم كان في تخلّيه (ع) عن اكمال حجه وتوجهه
نحو هدفه مع كل ما يحمل ذلك من دلالات مثالاً لاتباعه الذين ما ان يسمعوا
اليوم همسة الروح وهي تهتف يا حسين حتى يتركوا كل ما يشغلهم ويقصدوا حرمه
الشريف على طريقٍ طالما عبدته الطغاة بالأشواك وفخاخ الموت وعلى ذلك الطريق
الموحش وفي ذلك النفق الذي صبغت نهايته بالدم سار الحسين (ع) بركبه وأهل
بيته وعلى نهجه سار اتباعه ومحبوه فكم وكم من الشهداء أتباع مذهب أهل البيت
خطفهم الدرب وجمعهم في حفرة جماعية وكم وكم من الشهداء غيبتهم طوامير
الظالمين حتى قضوا فيها وكم وكم من الأبرياء وزعت اشلاءهم فخاخ الحقد
الأسود دون ان تميّز بين رجل او امرأة بين كهل كبير ورضيع صغير وكم وكم ولا
اظن ان ترتوي ارض كربلاء من الدماء الزكية ومع كل ذلك ومع تقادم السنين ما
ضعفت صرخة الحسين (ع) بالظالمين وما خبت حرارة مقتله في صدور المؤمنين
يتوارثونها جيلاً بعد جيل وما زالت مراسيم عاشوراء تأخذ دورها في وصل
القديم بالجديد من التضحية في سبيل المبادئ وعلى درب الحسين (ع).
نشر السواد أول المراسيم
وأول هذه المراسيم هو نشر السواد فما ان يحل اول يوم من شهر محرم الحرام حتى
ترى ان السواد أصبح الجامع المشترك الذي يجمع ما يرتديه الناس صغاراً
وكباراً وعلى اختلاف طبقاتهم ومشاربهم وتتوشح المدن والقرى الشيعية بالسواد
فتراه اينما حلت ببصرك يغطي سطح هذا المنزل وجدار ذاك وترى شعارات الامام
الحسين (ع) في عاشوراء حروفاً رسمت بلون الدم على السواد وتسمعها تصرخ بوجه
الظلمة بالحق ((لا أرى الموت الا سعادة والحياة مع الظالمين الا برماً))
ولقد أحسّ الطغاة بهذه الصرخة وسعوا جاهدين لخنقها على مرّ العصور وما
نجحوا فهاهي اليوم تبعث من جديد صور لرايات سوداء على الدور او المحلات
وشعارات وغير ذلك.
المجالس الحسينية
تشكل المجالس الحسينية واحداً من أهم روافد تعليم الناس التعاليم الدينية
والقيم السامية وهي ومنذ إنشائها وإلى الآن ما فتئت
تنهل
من الدروس العظيمة التي قدمها الحسين (ع) في نهضته التي لم تترك فضيلة الا
وقدمتها ولا رذيلة في معسكر أعدائه إلا وكشفتها وقد كانت هذه المجالس ترعب
الحكام على مرّ الدهور لما تتناوله من مواضيع فسعوا جاهدين إلى تغييبها
وطمسها وتغييب روادها لكن مع كل ذلك القمع كانت تمارس هذه الشعيرة سراً في
الأماكن النائية عن عيون الظلمة واستمرت تخرّج الأحرار واحداً تلو الآخر
ولم تقتصر هذه المجالس على الرجال فكانت هناك مجالس النساء حيث يحيين مآتم
لندب الحسين (ع) على طول العام لكنها تتركز في شهر محرم الحرام وهذه من
القضايا التي طالما ساهمت في خلق أجواء تربية مشحونة بالإحساس بعظيم
التضحية التي قدمها الحسين (ع) وأهمية التأسي بها.
التكية و(شاي ابي علي)
من المراسيم التي تلحظ أيضاً في شهر محرم التكيات التي ينصبها الأطفال أمام
دورهم ويقدموا بها الشاي وهذه التكية التي هي عبارة عن قطع من السواد تعلق
على الجدران وعليها بعض الشعارات والصور التي تروي جوانباً من واقعة الطف
وحاوية للحطب يوقد بها الفحم لعمل الشاي الذي يقدم للمارة والجيران وطالما
رفدت المواكب الحسينية بأجيال قد شربت حب الحسين (ع) وقدمت كل ما تملك لأجل
قضيته ولذلك فلم تسلم وهي مراسيم الأطفال من الظالمين والحكام فكانت تخرّب
واحدة أثر واحدة وعندما يعجز عن إخفائها جلاوزة النظام فإنهم يعمدون إلى
ذوي الأطفال بالوعيد ان عاد الصغار لعملها تارة أخرى.
المواكب الحسينية
وأيضا من المراسيم التي تشحن
أجواء محرم الحرام المواكب الحسينية التي تملأ المدن الشيعية خصوصاً النجف
الأشرف وكربلاء المقدسة والطريق بينهما قبل أربعينية الإمام الحسين (ع)
وهذه المواكب هي عبارة عن خيم كبيرة تنصب ويقام فيها مجالس التعزية ويقدم
فيها الماء والشاي والطعام على مدى الأيام العشرة الأولى من محرم وفي كل
مناسبة وفاة تمر خلاله وفي غيره وهذه المواكب واحدة من مظاهر الوحدة تحت
راية الحسين (ع) حيث يجتمع اهالي كل منطقة صغيرة في موكب موحد متناسين كل
خلافاتهم كما تعتبر هذه المواكب مظهراً من مظاهر الكرم حيث تنفق فيها
اموالاً طائلة قربة إلى الله تعالى وفي ثواب الإمام الحسين (ع) ومع الظروف
العصيبة التي مرت على العراقيين فقد ظلت هذه المواكب تصارع الجبابرة لتنتصر
عليهم في كل عام وان كلفها ذلك الآلاف من الشباب الذي زجوا في طوامير
النظام المقبور.
توزيع الطعام (الطبخ)
من المراسيم الأخرى التي تمارس في شهر محرم هو طبخ الطعام وتوزيعه في سبيل
الله وفي ثواب الأئمة من أهل البيت (ع) ولا يختص ذلك في شهر محرم لكنه في
هذا الشهر أشد وأكثر من غيره ولم تخل السنون العجاف التي مرت على اتباع
مذهب أهل البيت (ع) دون الاستمرار في ممارسة هذه المراسيم فكان الناس
يقتطعون من قوت يومهم ويدخروا المال اللازم لذلك وتمارس هذه المراسيم
بشكلين احدهما الخاص الذي يمارس في دور المؤمنين ويوزع عادة على الجيران
والأقارب والآخر العام وهو ما يقام في المناطق العامة ويوزع على الجميع
وتعارف اطلاق كلمة (الطبخ) على هذه المراسيم وتنوعت المطبوخات ويقدم الرز
والمرق (القيمة وهي مرق من الحمص واللحم) وهي أهم واشهر أنواع الطعام
المقدم وهناك ايضاً الآش وهي اكلة مشهورة في النجف وكربلاء والهريسة
والزردة وغيرها.
مواكب الزنجيل واللطم
تخرج خلال ايام الوفيات في محرم مواكب من الشباب وهم يرتدون الملابس السوداء
ويندبون أئمة اهل البيت (ع) بضرب الجسوم بقطع من السلاسل مصنوعة بطريقة
خاصة ووفق ايقاع خاص يعزفه رجل على دمام وسط الموكب وقد بدأت هذه المراسيم
بالاتساع شيئاً فشيئاً بعد سقوط الصنم بعد أن غايت سنين طويلة وأخذت نشغل
حيزاً كبيراً في مراسيم عاشوراء ويمارسها أعداد كبيرة جداً من الشباب
والكبار وحتى الأطفال.
مواكب التطبير
من المراسيم التي تمارس خلال شهر محرم مواكب التطبير التي تثير جدلاً
واسعاً وفي اوساط واسعة حيث يعمد الرجال لحلق رؤوسهم استعداداً لضربها
بالسيوف صباح يوم عاشوراء ووفق طريقة معينة لا تؤدي إلى الإضرار كثيراً
بالشخص ووفق ايقاع خاص وبغض النظر عن كل ما يحيط بهذه المراسيم من علامات
رفض او قبول او استفهام او تعجب تبقى واحدة من المراسيم التي عادت بعد سقوط
الصنم لتمارس في شهر محرم وتبقى هذه المراسيم مع كل شيء تصب في تمجيد قضية
إنسانية وأخلاقية سامية بخلاف ما تمارس من عادات في دول اخرى لأهداف تافهة
مثل مصارعة الثيران اللا إنسانية واللاأخلاقية والخطرة التي تهدد حياة
الناس ومثل الترامي بالطماطم للمتعة وغير ذلك.
المسير إلى كربلاء
من
المراسيم التي تثير الإعجاب والعجب حقاً المسير إلى كربلاء الحسين (ع)
لزيارة الأربعين حيث يقطع المشاة عشرات ومئات الكيلومترات سيراً على
الأقدام تجاه كربلاء تحت مختلف الظروف في برد الشتاء ومطره وقيظ الصيف
وشمسه . ولا تقتصر هذه المسيرة على جنس دون آخر وعمر دون آخر فترى النساء
والرجال والكهول والأطفال وهم يسعون مشياً إلى كربلاء من كل حدب وصوب من
شمال كربلاء وجنوبها شرقها وغربها وحتى من خارج العراق من أتباع مذهب أهل
البيت (ع) سواء في الخليج أو إيران وعلى امتداد الطريق المؤدي إلى كربلاء
لا يحتاج المشاة إلى شيء فالطعام والمنام والعلاج وكل ما يحتاج الزائر يجده
أمامه من أقوام يتقربون بخدمة الزوار ويتبركون برعايتهم وعلى هذا الطريق لا
وجود للمستحيل فالمعجزات باتت من الأمور المألوفة لدى الزوار فصاحب الحاجة
تقضى حاجته والمريض يبرأ وغير تلك من الأمور التي تعجز الأسباب الطبيعية عن
إدراكها.
|