جولات

أجرى التحقيق : غزوان العيساوي

ما زالت مدينة النجف الاشرف مصدر واشعاع للعلم والفكر والادب في العالم الإسلامي أجمع وذلك من خلال فيوضات مرقد مولانا باب مدينة علم رسول الله (ص) أمير المؤمنين (ع) ووجود حاضرة العلم والعلماء الحـوزة العلمية ومكتباتها العامة والخاصة حيث نجد فيها ملتقى الادباء والعلماء والمفكرين. وكثيراً ما عانت هذه المكتبات من ظلم الأنظمة السابقة وخصوصاً النظام البعثي البائد الذي جار عليها بكل قوته واستعمل كل الطرق لغرض انهاء العلم والفكر الذي يستمد منها واستمر العنف والتعسف تجاه أصحاب المكتبات وتجاه الحركة الأدبية والفكرية في النجف الأشرف لكنها بقت صامدة وصابرة في وجه الاستبداد والظلم وبقت منهل للمفكرين والأدباء حتى يومنا هذا.

 ربما لا يعرف قراء الكتاب الممنوع في زمن الطاغية، المعاناة الحقيقية لبائعي الكتب في النجف الاشرف وبقية المكتبات في المحافظات لاسيما الوسطى والجنوبية منها وكيفية إنجاز الكتاب المستنسخ وطريقة توزيعه ووصوله إلى القارئ ، معاناة ممزوجة بالخوف والحذر والموت أحياناً، خصوصاً حين تشتد المراقبة والمداهمة في أيام الأزمات السياسية التي كانت تمر بالبلد، وتكثر عيون رجال الأمن على كل من يرتاد هذه المكتبات، لأن بعض الكتب والعناوين تعتبر من المحرمات التي قد تؤدي ببائعي هذه الكتب إلى الإعدام. وتدفع عائلته ثمن الرصاصات المستخدمة في القتل مشروطة بعدم إجراء مجلس العزاء. وتزداد المعاناة حين يقوم رجال الأمن بحملات تسمى (تعقيمية) تتم فيها مداهمة مخازن الكتب وتفتيش كل شيء، لذلك يضطر هؤلاء الباعة ترك مكتباتهم ودور سكناهم حتى تنتهي هذه الحملات المسعورة .
ومع اشتداد الرعب وكابوس الحصار والفاقة، استطاعت مجموعة من بائعي الكتب أن تجد لها طريقة أو منفذاً لإيصال الكتاب الممنوع لقارئه وذلك عن طريق استنساخ هذه الكتب المحظورة التي تصل إلى بغداد عن طريق التهريب أو عن طريق بعض الأصدقاء العائدين من المنفى.
أما نوعية هذه الكتب فمعظمها سياسية تفضح دور النظام وأساليبه الإرهابية في تعذيب العراقيين وكتب فكرية ودينية ومجاميع شعرية وروايات وكتب نقدية يصدّرها أدباء عراقيون في المنفى خصوصاً الأدباء الذين هربوا من بطش النظام لذلك أصبحت هذه المكتبات رئة العراق الثقافية ، كونها مصدراً للثقافة (الممنوعة) التي تتخفى سراً خوفاً من أن يكتشفها المخبر ويحدث ما لا تحمد عقباه من مصادرة أموال واعتقال وتعذيب ثم السجن أو الموت، ففي تلك الفترة وعلى الرغم من قساوة النظام السابق طبعت واستنسخت كتب وعناوين كثيرة داخل العراق بعيداً عن عين الرقيب الحزبي في وزارة الإعلام سابقاً والجهات الأمنية بطرق وأساليب وظروف يصعب بيانها بكل تفاصيلها .
الآن وبعد مضي أكثر من عامين على الخلاص من نظام الظلم والجهل والعدوان وبالرجوع إلى تلك الأيام المخيفة والمرّة في الذاكرة الثقافية، أغبط بائعي الكتب المستنسخة. على قدرتهم على الصمود وامتلاكهم ذوات نبيلة وعراقية صادقة، هؤلاء الباعة كانوا الخلاص، لأنهم ابتكروا بوسائلهم البسيطة من أجهزة الاستنساخ بفتح آفاق ومنافذ لترويج الفكر الحي في زحمة الثقافة الرديئة. فكانوا يحملون حياتهم وحياة عوائلهم على راحاتهم من أجل كتاب ربما لا يساوي ربحه قطرة دم متحملين خطورة كبيرة، ليس لأنهم اتخذوا موقفاً إنسانياً مع شعبهم فحسب بل لم يقعوا في فخ النظام واساليبه القذرة، فظلوا أوفياء وشرفاء برغم إغراءات النظام المباد، ولأن نصيب الكثير منهم كان في السجون والمعتقلات... لذلك يستحقون الاحترام والإشارة.
ولاجل التعرف على ما أصاب أصحاب المكتبات في زمن النظام البائد وكيف كانوا يتعاملون بالكتب؟ وكيف يوصلونها إلى يد طالب العلم والمثقف والأديب؟ وعن المشاكل التي كانوا يعانون منها في زمن النظام السابق؟ وكيف كان التعامل بالكتب؟ وخصوصاً المستنسخة وما هي اهم الكتب التي كانوا يتعاملون بها؟ وما هو الضرر المادي والمعنوي الذي اصابهم في عهد النظام المقبور وكيف وأين كان يتم خزن الكتب وما هي أهم مشاكلهم وأحتياجاتهم في الوقت الحالي؟ لكل هذا وذاك التقت مجلة النجف الأشرف ببعض أصحاب المكتبات والكتبيين في سوق الحويش للإجابة عن هذه التساؤلات فالتقت أولاً بالسيد تحسين العذاري صاحب مكتبة الاشراق وكان الحوار الآتي: ـ
النجف الأشرف : ماهي طبيعة الضغوطات التي كنتم تعانون منها زمن الدكتاتورية في ممارسة عملكم هذا ؟
السيد تحسين العذاري : في الواقع ان الامور والمشاكل التي كنا نتعرض اليها كثيرة منها المراقبة الشديدة لسوق الكتب والتي تصل في بعض الأحيان طوال اليوم ، وكل صاحب مكتبة في ذلك الوقت كان يشعر بتلك المراقبة ، والمهول في الأمر أنه لا يوجد جهاز معين للدولة تعرف أنه مختص بك فتستطيع أن تتحاشاه أو أن تتوارى عنه بل كل الأجهزة الأمنية تقريباً ومنها الجهاز الحزبي كانوا مسلطين على المكتبات. ومن الأمور الأخرى والضغوطات التي كنا نعاني منها هي غياب القانون وسهولة التلفيق وإلقاء التهم ، فلا يوجد شيء محدد ممنوع نستطيع أن نخفيه حتى نكفي أنفسنا من شرهم فالشخص ـ وفي أي جهاز من أجهزة أمن الدولة ـ بمجرد أن يدخل المكتبة يصبح صاحب المكتبة في قبضته ، أذكر لك حادثة على هذا ، في ذلك العهد دخل إلى مكتبتي جمال عسكر مدير المطبوعات العام فقال لي : أن كتب الاستنساخ ممنوعة ، فقلت له: لا يوجد في مكتبتي أي كتاب مستنسخ ، فبدأ يتناول من رفوف المكتبة الكتاب تلو الكتاب جمعها في صندوق كبير وقال لي: هذه كلها كتب ممنوعة أستطيع أن أسجنك عليها، ولكني سأكتفي بمصادرتها فقط ، وطبعاً كل العناوين التي أخذها غير ممنوعة وموجودة في كل المكتبات تقريباً ، فكانت هذه مشكلة كبيرة بالنسبة لنا ،لأنهم يستطيعون أن يبتزوننا في أي وقت دون أن نستطيع أن ندافع أو نعترض عليهم .
النجف الأشرف : اذاً كيف كنتم تتعاملون مع أزلام النظام والخطورة كما ذكرت ؟
السيد تحسين العذاري : كما قلت لك كنا نتعرض لابتزاز دائم، حتى وصل الأمر أكثر من طاقتنا ، ولكنّا مع هذا لم نستسلم وكان تعاملنا معهم بحيطة وحذر شديدين فكنا نتوجس وندخل حالة إنذار من كل ضابط جديد يستلم مسؤولية المكتبات ، وبصراحة كنا أولاً نقوم بدراسة شخصيته هل هو مرتشي أو لا؟ ، فإذا كان من النوع الأول هوّن الخطب علينا بتقديم الهدايا والأموال له ففي كثير من الأحيان كنا ـ نحن أصحاب المكتبات ـ نجمع الأموال لنرسلها إلى ضباط الأمن شهرياً كمرتبات لهم ليغضوا النظر عنا وتبقى مكتباتنا مفتوحة، وإذا كان من النوع الثاني نبدأ بإخفاء الكتب المستنسخة أو الممنوعة فوراً ، ونراوغ في تواجدنا في مكتباتنا ففي بعض الظروف نغلق المكتبات أيام عديدة تحاشياً من بطشهم .
فكانت لنا أساليبنا لمعرفة تبديل الضباط وطريقة التعامل معهم ومتى سيشنون حملات التفتيش على المكتبات، ولكن في مقابل كل ذلك التحرك والحذر من قبلنا ، كانت لهم أساليبهم الشيطانية للإيقاع بنا ، فبين الحين والآخر كانوا يرسلون إلينا ضباط ( لجنة ) من بغداد يداهمون المكتبات فجأة بزيهم الرسمي أو متخفين بزي مدني ، أنقل لكم حادثة من هذا النوع ، ففي ذات مرة دخل مجموعة أشخاص إلى مكتبة الأخ سعد النجم بزي مدني وطلبوا منه عناوين من كتب للسيد دستغيب فأخرج لهم مجموعة منها ، مباشرة أفصحوا عن هويتهم وأنهم لجنة من أمن بغداد، وعلى أثرها اعتقلوه هو والحاج أبو سمير وحكموا بخمسة سنوات.
النجف الأشرف : ما هو سبب تعاملكم بالكتب المستنسخة، وأين كنتم تستنسخونها ؟
السيد تحسين العذاري : أما تعاملنا في الكتب المستنسخة فهي وليدة الاحتياج ،ففي الدرجة الأولى كانت المكتبات تعاني من شحة في الكتب وخصوصاً العناوين التي كانت مطلوبة من قبل طلاب العلم أو المثقفين ، والحاجة الثانية العوز المادي حيث أن الكتاب الأصلي مكلف جداً ومعظم الناس في ذلك الوقت كانوا يعانون من ضعف الحالة المادية ، لذا ظهرت حركة الاستنساخ فكنا نقوم باستنساخ الكتاب المطلوب وبكميات كبيرة وعرضه في المكتبات ـ بشكل ظاهر أو مخفي بحسب الظرف وعنوان الكتاب ـ بأسعار قليلة يستطيع المثقف والطالب أن يشتريه. أما أماكن الاستنساخ فهي إما أن تتم في البيوت ، أو في المحلات التي تكون بعيدة عن الأسواق والأماكن العامة وذلك يكون تابع إلى شدة أوضعف الرقابة علينا ، ولكن وفي كل الأحيان كنا نتخذ الحذر والحيطة لأننا كنا نتعامل مع عقارب غادرة وأفاعي شرسة ، فكنا نقوم بتخزين الكتب في أماكن بعيدة عن عملنا. أما الآن وبعد الانفراج وسقوط النظام الكافر انتفت الحاجة إلى الكتب المستنسخة إلا القليل منها حيث يستطيع صاحب المكتبة أن يأتي بالكتب من إيران أو لبنان بدون ضغط أو مراقبة أو مصادرة وبدون وسيط ليرتفع سعر الكتاب ، فالكتب الأصلية الآن تقريباً أسعارها مناسبة ومقبولة .
النجف الأشرف : كيف وعن أي طريق كنتم تحصلون على الكتب والعناوين الممنوعة ، أذكر لي بعض تلك الكتب ؟
السيد تحسين العذاري : الكتب المطبوعة كانت تأتي عن طريق أشخاص يتعاملون بها يدخلونها عن طريق الشمال من إيران ولبنان والأغلب كان من إيران بسبب رخص الكتاب عندهم وأهم الكتب التي كان الطلب عليها بأستمرار (كتب الفقه ومنها المسالك، وكتب الفلسفة مثلاً شرح المواقف، شرح المقاصد، الإشارات والتنبيهات، المنهج الجديد، جامع المقاصد، مدارك الأحكام، تذكرة الفقهاء، وكتب اللغة وشرح ابن عقيل وكثير من العناوين التي لا أذكرها.
النجف الأشرف : هل تعرضتم للاعتقال في ذلك الزمن المقبور ؟
السيد تحسين العذاري : لا أبالغ إن قلت لكم أنه لم يبقى أحد من أصحاب المكتبات إلا وقد أعتقل أو تحت مصادرة مكتبه، ربما القليل القليل من أصحاب المكتبات لم يتعرض لذلك ، نعم اعتقلت أنا وشريكي وكان التهمة الموجهة لنا التجارة مع دول عدوّة والتجارة بالكتب الممنوعة وكتب تثير الطائفية وو... وكان ضباط التحقيق يضيفون ما يحلوا لهم من تهم على أوراق التحقيق. كانت المادة التي يحكمون بها علينا هي المادة (208) التي تحكم من سنة إلى سبع سنوات وفي بعض الأحيان يحكمون بمواد أعسف من هذه لان الحكم يأتي من القصر الجمهوري وليس من القضاة الجنائيين في المحاكم العامة .
ولكن ولله الحمد رغم ذلك الظلم والجور الذي مورس بحقنا لم نترك هذا العمل وبقينا مستمرين عليه ترويجاً للحق وفكر أهل البيت (عليهم السلام) .
النجف الأشرف : وأخيراً جناب السيد هل تريد أن تضيف شيئاً ما ؟
السيد تحسين العذاري : عندنا بعض الهموم والمشاكل نريد أن نبوح بها من خلال مجلتكم الغراء ، وهي أن أصحاب المكتبات عانوا كثيراً وقدموا خدمة كبيرة للمجتمع وللمذهب وللطالب الحوزوي والمثقف، صحيح بأن هذه حرفة حالها حال بقيّة الحرف ولكن تتميز بأن أصحابها أصاحب فكر وثقافة وحريصة على ترويج الفكر الحق، فضلاً عما تعرضنا له من مضايقات وسجن ومصادرة الكتب والأموال مثل السيد احمد الشريفي ، وسعد النجم، وأبو سمير وجاسم محمد ناصر، وعمار الدجيلي والكثير الكثير ، لذا بقت إمكانياتنا محدودة ومكتباتنا ضعيفة ، فهذه الطبقة بعد سقوط النظام بقت مظلومة حيث ظهرت الكثير من المؤسسات ودور النشر ذات الإمكانيات الغير محدودة ، والغريب أنهم لم يتعاونوا معنا بأي شكل من الأشكال طلبنا ذلك منهم ولكن كانوا يتعاملون معنا بشكل تجاري بحت ! ومما يزيد المعاناة هو أن محلاتنا معرضة للإزالة في هذه الأيام بسبب توسعة المدينة القديمة ، لذا نرجو من مجلس المحافظة والمحافظ أن ينظر لنا بعين الاهتمام والرعاية ، بتوفير قطعة أرض لأصحاب المكتبات وبناء محلات عليها وعلى مقربة من الصحن الحيدري الشريف،لان المكتبات ودور النشر من مظاهر مدينة أمير المؤمنين (عليه السلام ) حاضرة العلم والعلماء ، فأملنا بالله أولاً وبمسؤولينا ثانياً تحقيق هذا الطلب خدمة لعاصمة المسلمين في العالم الإسلامي.
بعدها توجهنا الى الكتبي مهدي هادي شعلان السلامي صاحب مؤسسة المنار للتوزيع والنشر والأعلام فكان لنا معه هذا الحوار :
النجف الأشرف : هل لك أن تضعنا بالصورة عن ممارسات النظام السابق ضدكم ، ولماذا ؟
مهدي هادي السلامي : أولاً نشكر مجلتكم المعطاء لاهتمامها بهذه الطبقة المظلومة في زمن الطاغية الذي استخدم حصاراً على المستوى الفكري والثقافي لأسباب متعددة لان النظام في السابق لا يريد المجتمع أن يتوعى ويتبصر حتى لا يتعرف على أخطائه وأفعاله ضد الإنسانية ، كانوا يريدون إنسان لا يرى لا يسمع لا يتكلم ، وهذا بالطبع لا يتم إلا بغلق المنافذ الفكرية والثقافية عنه وأحد تلك المنافذ هو الكتاب، فكان لا يسمح إلا بالكتب والثقافات التي تخدم مبادئه وأفكاره أما غيرها فهو محظور على صاحب المكتبة أو القارئ اقتناؤه فنادراً ما نجد الكتب المفيدة ذات الأفكار الصحيحة في سوق الكتب فحال سوق الكتب في النجف الأشرف حال بقية أسواق الكتب في المحافظات يعاني من قلة العناوين والمصادر المفيدة ، حيث مورست أنواع التعسف والاضطهاد والتنكيل بحق أصحاب المكتبات على أي كتاب غير صادر من وزارة الثقافة والإعلام . أتذكر أحدى المرات دعينا فيها إلى مديرية أمن النجف بعد ما قام النظام في السنوات الأخيرة باعتقال لأغلب أصحاب المكتبات، وبدأ أغلب أصحاب المكتبات بترك العمل أو إغلاق محله فبدأ النظام يلتفت لهذه الحالة واعتبرها إضراب وتحزب ضده ، فلذا استدعينا إلى مديرية الأمن في بادئ الأمر وسألني مدير الأمن لماذا تركت بيع الكتب ؟ قلت له: بأن الكتاب لا يوفر لنا ألامان، ثم نقل الحوار مع الجميع قال ما هي الأسباب التي دعتكم إلى ترك بيع الكتب أو إغلاق محالكم ؟ كان جواب الجميع : مفاده أن الزائر عند ما يأتي إلى الزيارة ودخول سوق الكتب يسألنا على كتاب نهج البلاغة أو مفاتيح الجنان وهذه عناوين ممنوعة لا نقدر أن نأتي بها بالإضافة إلى طلبهم إلى غيرها من الكتب والتي هي عندكم محظورة ، فلم يبق شيء نبيعه لذلك قمنا بإغلاق محلاتنا أو تغيير العمل فيه. فقال هذا يعتبر إضراب ضد الدولة ، ولكن سنسامحكم هذه المرة على أن تعودوا لفتح مكتباتكم ومن جانبنا سنوسع عليكم وندعكم تتعاملون ببعض العناوين ، وفعلاً عاودنا العمل في مكتباتنا بشيء من الحرية ، ولكن بعد فترة قصيرة داهمونا من جديد فكانت الاعتقالات ومصادرة المكتبات ، مدعين أننا تجاوزنا على الحدود التي أعطيت لنا وبقى الحال كذلك حتى سقوط النظام.
النجف الأشرف : كيف كنتم تتعاملون بالكتب المستنسخة ؟
مهدي هادي السلامي : إن طريقة تعاملنا بالكتب المستنسخة كانت مشوبة بالأخطار من جهة تهيئة الكتاب واستنساخه ومن جهة بيعه، كما تعلمون بان إجازة الاستنساخ لا تعطى لأي كان أو بسهولة ، تعطى فقط لإشخاص معينين بعد أخذ معلومات دقيقة عنهم ، وتعهدات بأن لا يستنسخوا سوى الكتب الرسمية وأوراق المعاملات لمراجعين دوائر الدولة أما غيره فممنوع منعاً باتاً ، وكانت العيون والمراقبة مكثفة على أصحاب أجهزة الاستنساخ ، لذلك كنا نحصل على أجهزة الاستنساخ بشكلٍ سري وصعب للغاية ونخفيها في البيوت ، نعمل عليها بشكل سري وبحذر شديدين حيث كانت تتم العملية حسب طلب السوق وللأشخاص الذين نعرفهم ونثق بهم فقط .
النجف الأشرف : هل أعتقل أحد تعرفه على كتاب استنساخ ؟
مهدي هادي السلامي : نعم كثير هم الذين اعتقلوا بسبب الكتب المستنسخة ، ففي يوم من الأيام أعتقل ما يقارب 45 شخصاً على كتاب (ثم اهتديت) للتيجاني مستنسخ لان هذا الكتاب كان العدو اللدود للنظام آنذاك، بعدها أجتمع بنا مدير الأمن وقال بأن التيجاني شخصية وهمية لأننا لم نجد في العالم ومنتديات العلم شخص بهذا الاسم ، وإننا قمنا بالاتصال بتونس والمغرب لن نجد له أي ذكر هناك وانتم تروجون لثقافة وهمية ، وهذا طبعاً اسلوب تعودنا عليه منهم حيث كانوا دائماً يتحايلون على الحقائق محاولين تزيفها.
النجف الأشرف : سؤال أخير وبجواب قصير هل اعتقلت بسبب الكتب ؟
مهدي هادي السلامي : نعم اعتقلت مرتين وكانت المدة قصيرة وفي كل مرة يصادرون الكتب التي كانت موجودة لدي. وفي نهاية المطاف نشكر مجلتكم لإتاحة الفرصة لنا لإيصال صوتنا إلى المسؤولين، نحن نسعى إلى إقامة سوق ليجمع أصحاب المكتبات وهذا حلم قديم لأصحاب المكتبات يسمى بسوق الكتب كما كان سابقاً في الستينات حيث كان السوق ملتقى للعلماء والأدباء مثل السيد محمد باقر الحكيم والشيخ أحمد الوائلي وكل طلبة العلوم الدينية وأساتذة الجامعات أيضاً. ونتمنى من الجهات المسؤولة أن يدعموا الصوت الثقافي لأنه الصوت الذي يوصل الثقافة الدينية إلى العالم أجمع لأننا تحملنا الجور والظلم والنكبات فحان الوقت لان نرى الحرية والانفراج ويكون باستطاعتنا ترويج الثقافة المفيدة البناءة والفكر الصحيح.
أتجهنا بعدها إلى الأخ جاسم محمد ناصر العتابي أحد أصحاب مكتبات سوق الحويش فكان لنا معه هذا الحوار :
النجف الأشرف : نود أن تحدثنا عن مخاطر ومشاكل عملكم زمن نظام الطاغية ؟
جاسم محمد العتابي : بالطبع المشاكل والمخاطر مع زمن النظام جمة لاسيما أن أحد أظهر أساليبهم هو الكبت الثقافي ومنع ترويج الأفكار الصحيحة، فكنا على علم أننا رهن الاعتقال في أي وقت وأن حياتنا في خطر دائماً ، فتعرضنا للكثير من التهديدات والاعتقالات ومصادرة الأموال ومصادرة الكتب ،مع هذا كنا نبحث دائماً عن اتفاقيات أو تعهدات لإيجاد متنفس لنا، ولكن دون جدوى حتى وإن حصلت في بعض الأوقات فسرعان ما يقومون بنقضها لتعود المضايقات والاعتقالات من جديد واستمر هذا الحال طيلة ذلك العهد المقبور .
النجف الأشرف : هل تستطيع تحديد الكتب المحظور بيعها زمن النظام البائد ؟
جاسم محمد العتابي : كل شيء تقريباً كان ممنوعاً سوى الكتب التي يصدرها النظام البائد ، والكتب المستنسخة قاطبة كانت ممنوعة منعاً باتاً، وكما تعلمون أن كتب الكاتب علي الوردي وسيد قطب وغيرها كانت ممنوعة فكيف بكم بكتب الشيعة وفقهائها وعلمائها ومفكريها فهي بالتأكيد كان بيعها جنحاً يعاقب عليه بأشد العقوبات. فتصور أنه إذا وجد عند صاحب مكتبة كراس أدعية صغير يعتقل ويسجن فكيف إذا اقتنى الكتب القيمة والنادرة لمفكري الشيعة ؟ .
النجف الأشرف : هل اعتقلت في العهد البائد بسبب الكتاب ؟
جاسم محمد العتابي : أغلب أصحاب المكتبات تم اعتقالهم ومصادرة أموالهم ،نعم اعتقلت وحكم عليّ بالسجن لمدة أربع سنوات وتمت مصادرة جميع كتبي.
النجف الأشرف : من أين كنتم تأتون بالكتب ؟
السيد جاسم محمد العتابي : كانت تأتي إلينا الكتب بنسبة 90% عن طريق سوريا وإيران والأغلب عن طريق إيران لرخص الكتاب عندهم. وكانت الطرق محفوفة بالمخاطر فالذي يقع بأيديهم يعتقلوه فيحكم عليه وفق مادتين (تجارة مع دولة معادية ، وتجارة بالكتب الممنوعة ) فيحكم عليه بالسجن لمدة 10 ـ 15 سنة.
النجف الأشرف : أخيراً هل تود أن تذكر شيئاً آخر؟
جاسم محمد العتابي : نعم ، نحن أصحاب المكتبات من المتضررين من النظام السابق وبعد الانفراج الذي حصل بسقوط الحكم البعثي بقيت مظلوميات أصحاب المكاتب قائمة من جهة عدم وجود قانون أو ضوابط سواء على صعيد استحداث وفتح مكتبات جديدة أو على صعيد أسعار الكتب ، ففي الآونة الأخيرة مثلاً أي شخص يريد فتح مكتبة يكون له ذلك بدون رقابة وبدون أي اعتبارات ، بالإضافة إلى كثرة المؤسسات التي فتحت أخيراً هذه المؤسسات مدعومة فتبيع الكتب دون التقييد بأسعار السوق ، نحن اعتراضنا فقط على عدم وجود ضوابط وقوانين تشمل الكل، فطلبنا هو أن نتساعد معاً .
هذا بالإضافة إلى ذلك أنتم تعلمون بأن المدينة القديمة الآن مهددة بالإزالة لذا نطلب من كل المسؤولين الحريصين على العلم والثقافة والفكر ـ وباعتبار أن هذه المكتبات وجه من وجوه الثقافة والفكر لمدينة أمير المؤمنين (عليه السلام) مدينة المعرفة والعلم والعلماء ـ نطلب تخصيص مكان لنا واسع يجمع كل المكاتب للحفاظ على أصالة وتراث ووجه عاصمة العلم والعلماء النجف الأشرف وأخيراً نشكر مجلتكم الغراء وسعيكم هذا لتسليط الضوء على همومنا ومشاكلنا ومعاناتنا فجزيتم خير الجزاء .