التفسير                                                                                  إسلامنا

 

 

بـــسم الله الرحمن الرحيم

( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا )

 

 

سماحة العلامة الشيخ محمد مهدي الآصفي

  ليس القول بعصمة الائمّة من أهل البيت (ع) استنتاجا لجملة من الأحاديث النبوية فقط - وان كان على هذا المستوى أيضا قولاً لا يعارض ولا يرقى إليه الشك ـ وإنما نزلت في ذلك آية صريحة في محكم ذكر الله وقرآنه الكريم، وذلك قوله تعالى في سورة الأحزاب: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيرا).
مفردات آية التطهير
وسوف نستعرض الأبحاث المتعلّقة بهذه الآية الكريمة من خلال مفرداتها واحدة بعد أخرى:
(إنما)
الآية الكريمة مصدّرة بكلمة "إنما" وهي من أقوى أدوات الحصر في اللغة العربية وتفيد هذه الكلمة إثبات ما بعدها، ونفي ما عداه كما تقول "إنما الفقيه عليّ" فيكون معناه إثبات الفقه لعليّ ونفيه عن غيره.
فيكون معنى الآية الكريمة إذن في ضوء هذا التحديد إثبات التطهير لأهل البيت بإرادة الله تعالى ونفي أن يكون الله تعالى قد أراد تطهير غيرهم وقت نزول هذه الآية.
(يريد الله)
من المعروف ان إرادة الله تعالى تأتي على نحوين (تكوينية) و(تشريعية) والتكوينية هي التي لا يمكن ان يحول شيء بين إرادته تعالى وبين ما يريد، ولا يمكن ان يتخّّلف مراده عن إرادته تعالى ولا يمكن ان يريد وجود شيء فلا يكون... يقول عزّ شانه: (إنما امره اذا اراد شيئاً ان يقول له كن فيكون).
والتشريعية هي التي تتخلل إرادة المكلف واختياره بين إرادته تعالى وما يريده من أعمال المكلفين... وتتعلق هذه الإرادة دائما بالأفعال التي شرعها الله تعالى للمكلفين، كما ان متعلق الإرادة التكوينية "الأمور التكوينية".
وبعد هذا التفصيل والتقسيم للإرادة فمن أي قسم من الإرادة هذه الإرادة التي نحن بصددها في الآية الكريمة (يريد الله)؟
الإرادة التشريعية لا تنسجم مع كلمة (إنما)
فهل يجوز ان يكون من "الإرادة التشريعية"...؟ لا شك انّه لو كانت الإرادة في الآية الكريمة من الإرادة التشريعية وكان معنى (يريد الله) ان الله تعالى يريد طهارة أهل البيت (ع) وذهاب الرجس عنهم بإرادتهم واختيارهم كما يريد ذلك لسائر الناس فلا تكون الآية الكريمة دالّة على عصمتهم، فليس كل ما يريد الله تعالى لعباده من طهارة، وعدل، وحق - في تشريعه - بكائن.
إلا أنّ "الإرادة التشريعية" هذه لا تنسجم مع كلمة "إنما" السابقة لها بما فيها من دلالة على الحصر، فليس من ريب ان إرادة التطهير بمعناها التشريعي لا يمكن ان تكون مقتصرة على أهل البيت خاصة، فان الله تعالى يريد هذا التطهير لكل عباده. يقول تعالى: (  مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) .
ولا معنى لحصر إرادة التطهير بناء على ذلك في أهل البيت خاصة، ونفيها عمّن سواهم، بما ذكرنا - آنفا - للحصر من مدلول ايجابي وسلبي.
إذن فلا يمكن تفسير الإرادة في الآية الكريمة بالتشريعية ولم يبق إلا ان يكون المقصود من الإرادة هنا "الإرادة التكوينية" خاصّة حتّى تستقيم دلالة "إنما" على معناها وتنسجم مع ما بعدها.
استحالة تخلف المراد عن إرادته تعالى
وإذا صحّ ان المقصود من الإرادة في الآية الكريمة "الإرادة التكوينية" فلا يمكن ان يتخلف مراده عن إرادته تعالى فيستحيل ان يصدر عنهم رجس، أو تفارقهم الطهارة كما ذكرنا.
وهذا المعنى من الإرادة ينسجم مع الحصر الذي تفيده كلمة "إنما" ويصح الإيجاب، كما يصح السلب أيضاً. ولا يلزم من ذلك المحذور الذي ذكرناه فيما لو كانت الإرادة تشريعية.
فتجب الطهارة لأهل البيت (ع)، ويمتنع عليهم الرجس بحكم هذه الآية الكريمة.
(ليذهب عنكم الرجس)
1- الرجس : الشيء القذر ، وهي حالة توجب النفور، وقد يكون أمراً ماديا محسوسا كما في لحم الخنزير... يقول تعالى: (أو لحم خنزير فانّه رجس).
2- وقد يكون أمرا نفسيا ومعنويا كما في قوله تعالى: ( وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون).
ويقول تعالى: (ومن يرد ان يضلّه يجعل صدره ضيّقاً حرجاً كإنما يصّعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون).
فالآية الكريمة صريحة -إذن - في ان الله تعالى قد اذهب عنهم الرجس وواضح ان الذنوب والمعاصي من أوضح أفراد الرجس. وقد أذهبها الله تعالى عن أهل بيت رسول الله (ص) وقد علمنا ان إذهاب الرجس هذا قد تّم بمشسيئة الله التكوينية ولا يمكن أن يتخلّف شيء عن ارادته سبحانه وتعالى: (إنما أمره إذا أراد شيئا ان يقول له كن فيكون). وعليه فلا يمكن ان يصدر عنهم (ع) ذنب أو معصية بحكم هذه الآية.

(أهل البيت)
من هم اهل البيت (ع) ؟
1 ـ يبدو أن رسول الله (ص) كان حريصاً على تحديد وتشخيص عنوان "أهل البيت" الذي نزل فيه قرآن من الله تعالى، والمنع عن استعمال هذه الكلمة في غير أهله وإدخال من ليس منهم فيهم.
فكان (ص) يشخصهم باسمائهم كما في رواية عبد الله بن جعفر; فيقول (ص): ادعوا لي ادعوا لي، فتقول صفية: من؟ فيقول (ص): أهل بيتي عليّا وفاطمة والحسن والحسين". ثم يؤكد (ص) هذا الحصر والتشخيص بقوله "اللّهمّ هؤلاء آلي فصل على محمد وآل محمد" فينزل الله تعالى فيهم قرآنا محكما: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيرا)، ولا يخفي ما في هذه الكلمة "اللّهمّ هؤلاء آلي" من الدلالة على حصر أهل البيت (ص) فيهم ونفيه عن غيرهم لكل من عرف أساليب العرب في الكلام.
2 ـ وامعاناً في تشخيصهم وتحديدهم يحصرهم (ع) تحت كساء، كما في رواية أم سلمة رحمها الله: "دعا رسول الله (ص) حسناً وحسيناً وفاطمة فأجلسهم بين يديه، ودعا عليّا فأجلسه خلفه، فتجلّل هو وهم بالكساء ثمّ قال: هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا".
3 ـ وقد روى جمع غفير من المحدِّثين والمفسّرين ان رسول الله (ص) لم يأذن لأمهات المؤمنين بالدخول تحت الكساء والانضمام إلى أهل البيت الّذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
ففي رواية أن أم المؤمنين عائشة قالت للنبي (ص) أنا من أهلك، قال: تنحّي فانك إلى خير.
وفي رواية أُخرى أنّ النبي (ص) منع أم المؤمنين زينب من الدخول تحت الكساء والانضمام إلى أهل البيت وقال لها: مكانك فإنّك إلى خير إن شاء الله تعالى.
وتتمنى أم المؤمنين أم سلمة ان تكون هي من أهل البيت فتقول لرسول الله (ص): فانا معهم يا نبي الله؟ فيقول لها: أنت على مكانك وأنت على خير. وبعد هذه التصريح والتفصيل لا يبقى شك في أن آية التطهير المباركة لا تشمل امهات المؤمنين.
4 ـ ثم يصرح رسول الله (ص) في ذلك تصريحاً لا يترك لأحد شكّاً بعده، فيقول (ص): "نزلت هذه الآية في خمسة فيّ وفي عليّ وحسن وحسين وفاطمة".
5 ـ وكان رسول الله (ص) يتلو هذه الآية الكريمة كل يوم على باب بيت الزهراء (ع) والحسنين (ع) بمرأى ومسمع من المسلمين.
عن ابي برزة قال: "صليت مع رسول الله (ص) سبعة أشهر فإذا خرج من بيته أتى باب فاطمة فقال: الصلاة عليكم (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيرا).
وهى خطة إعلامية عجيبة عمل بها رسول الله لإزالة الالتباس عن "أهل البيت" في الآية الكريمة وتحديده وحصره بشكل لا يدع مجالاً لأحد في التلبيس أو الالتباس، وإدخال من ليس منهم فيهم، وإخراج من كان منهم عنهم.
ولو ان الأمر في الآية الكريمة كان لا يتجاوز تكريم أهل البيت (ع) لعلاقتهم برسول الله (ص) لم يكن الأمر يقتضي مثل هذا الاهتمام والتأكيد والتركيز من رسول الله (ص) بإعلان أهل البيت بأسمائهم وحصرهم بهذه الأساليب المختلفة.
على محك الاختبار
على انّ آية التطهير الكريمة وحدها كافية لتحديد أهل البيت (الّذين اذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا) فانها صريحة في إثبات العصمة لأهل البيت (ع).
فإذا فرضنا شمول الآية الكريمة لكل من ينتسب إلى رسول الله (ص) من أهل بيته وزوجاته وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس وغيرهم فإننا نواجه سؤالين يطلبان الإجابة:
1 ـ من كان يدّعي من هؤلاء الآل العصمة من كل رجس وذنب؟
2 ـ وإذا اتفق الادعاء من بعضهم، فهل يصدّق عمله دعواه أم لا؟ فنراجع تاريخه وحياته لنجد هل كان في دعواه صادقاً أم لا؟ وهذا التساؤل محك دقيق في تحديد وتشخيص المعنيّين بالتطهير والعصمة في الآية الكريمة. فلم يكن في زوجات رسول الله (ص) وآل عقيل، وآل عباس، وآل جعفر وغيرهم ممّن ينتمون إلى رسول الله (ص) بنسب أو سبب من يدّعي العصمة وأن الله قد اذهب عنه كل رجس وطهّره تطهيرا. ولا يبقى غير الخمسة الطاهرة: رسول الله (ص) وعلي والزهراء والحسن والحسين (ع) وهم داخلون في آية التطهير بالتأكيد وباتفاق الروايات تقريباً، وينبطق عليهم الشرطان السابقان: فهم يدّعون لأنفسهم العصمة كما سيمرّ علينا ذكر ذلك بينما لم يتفّق لأحد من غيرهم من زوجات رسول الله (ص) وسائر ذويه مثل هذا الادعاء.
وقد كانت دعوى العصمة معروفة منهم ومع ذلك لم يحص أحد مفارقة أو خلافاً في المراحل المختلفة من حياتهم، رغم أنهم كانوا يعيشون فيما بين الناس وكانت أعمالهم تحت الأضواء دائماً وبمرأى ومسمع من الناس.
ولو كانت تصدر عنهم مخالفة أو مفارقة في كلام أو عمل أو موقف لنقل الينا فيما نقل التاريخ من سلوكهم وكلماتهم.
فينحصر أهل البيت الّذين أذهب الله عنهم الرجس في عصر نزول الآية الكريمة ـ إذن ـ في الخمسة الطاهرة.
(ويطهّركم تطهيرا)
وهذه الكلمة بعد قوله تعالى: ليذهب عنكم الرجس امعان في التنزيه والتطهير والعصمة لأهل البيت عليهم السلام.
فكأنما الاية الكريمة تشير الى ان الله تعالى بعد ان اذهب عنهم الرجس فخلت نفوسهم وصدورهم من اي رجس وذنب طهّر الله قلوبهم وصدورهم بعد ذلك من آثار الرجس ايضا فلم يبق في نفوسهم رجس او اثر لرجس يأتي من البيئة او التاريخ مهما كان ضعيفا او قليلا.
وهذا غاية ما يمكن ان يوصف به مقام العصمة والنزاهة والسمو الروحي في ولي من اولياء الله ممن اختارهم الله واجتباهم لرسالته ودعوته وللامامة في خلقه.
فالآية الكريمة واضحة الدلالة على العصمة، لو اننا تعاملنا معها بما نتعامل مع اي كلام عربي مبين فضلا عن انه افضل الكلام وابينه وامتنه.
والآية الكريمة كما هي واضحة في معنى العصمة واضحة ايضا في تحديد اهل البيت الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا.